في ظلّ تحديات متنامية يشهدها الفضاء الأورو-متوسطي، جاءت الدورة السابعة للمشاورات السياسية التونسية-البلجيكية، المنعقدة مؤخرًا ببروكسل، لتؤكد أن العلاقات بين البلدين قد تجاوزت إطارها التقليدي القائم على التنسيق الظرفي، لتتجه نحو مقاربة أكثر عمقًا وشمولية.
فقد مثّلت هذه الدورة محطة مفصلية في مسار التعاون الثنائي بين البلدين، لا فقط من حيث انتظامها الدوري، وإنما باعتبارها آلية هامة تعكس في جوهرها مدى جاهزية الجانبين للانتقال إلى مستوى أكثر فاعلية من التنسيق السياسي والتعاون العملي.
كما تكتسي هذه المشاورات أهمية خاصة لكونها تضع حجر الأساس لمرحلة مفصلية ستتوج سنة 2026 بإحياء سبعة عقود من العمل الدبلوماسي المشترك بين البلدين، بما يحمله ذلك من رهانات على تجديد الشراكة وإعادة توجيهها بما يتلاءم مع التحولات الإقليمية والدولية الراهنة.
ومن هذا المنطلق، تكتسي هذه الدورة السابعة للمشاورات السياسية التونسية-البلجيكية أهمية خاصة، باعتبارها تأتي في سياق تتقاطع فيه رهانات اقتصادية وتنموية مع تحديات الهجرة والأمن الإقليمي والتحولات الجيوسياسية الكبرى.
وتبرز أهمية هذه المشاورات في كونها تندرج ضمن مقاربة تقوم على استمرارية الحوار السياسي، بما يسمح بتقييم دوري لمستوى التعاون ومعالجة التحديات المطروحة والعالقة، إلى جانب تكييف العلاقات الثنائية مع مختلف المستجدات الراهنة. فالحوار المنتظم يُعتبر بمثابة صمام أمان للعلاقات المستقرة، وهو ما تعكسه إرادة الجانبين التونسي والبلجيكي في الحفاظ على هذه الآلية وتطوير مضامينها.
شراكة متعددة الأبعاد
من جانب آخر، جدير بالذكر أن تنوع الملفات المطروحة خلال هذه الدورة يعكس تحول العلاقات التونسية-البلجيكية من نمط تقليدي قائم على التعاون والتنسيق الظرفي إلى شراكة متعددة الأبعاد.
فقد شملت المحادثات مجالات الاقتصاد، والتجارة، والسياحة، وتكنولوجيات المعلومات والاتصال، وهي قطاعات استراتيجية تعكس أولويات ومقتضيات المرحلة الراهنة بالنسبة لتونس، خاصة في ما يتعلق بجذب الاستثمارات، وتنويع الشراكات الاقتصادية، والانخراط في الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق، تمثل بلجيكيا شريكًا أوروبيًا مهمًا لتونس، ليس فقط بحكم موقعها داخل الاتحاد الأوروبي، وإنما بالنظر إلى خبرتها في مجالات حيوية على غرار الصناعات التحويلية والتكنولوجيات الحديثة. ومن شأن تعزيز التعاون في هذه المجالات أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد التونسي، خاصة في ظل السعي إلى إرساء نموذج تنموي أكثر توازنًا واستدامة.
ولا يقل التعاون في مجالي العدل والهجرة أهمية عن بقية الملفات المطروحة، إذ يندرج ضمن مقاربة شاملة لإدارة الظواهر العابرة للحدود، بعيدًا عن الحلول الظرفية أو الأحادية الجانب. فالهجرة، باعتبارها من المسائل الدقيقة، تستوجب تحديًا مشتركًا، كما تفرض تنسيقًا وثيقًا قائمًا على مبدأ تقاسم المسؤولية، فضلًا عن الربط بين مختلف الأبعاد والمقاربات الأمنية والإنسانية والتنموية. ويعكس إدراج هذا الملف ضمن جدول أعمال المشاورات الثنائية بين تونس وبلجيكا إدراكًا مشتركًا بأن معالجة الهجرة لا يمكن أن تنجح دون شراكات متوازنة تحترم مصالح الدول وحقوق الأفراد في الوقت ذاته.
استثمار في الرأسمال البشري
أما المسائل القنصلية، ولا سيما ملفات التأشيرات وتصاريح إقامة الطلبة، فتُعد من بين المؤشرات العملية لمدى متانة التعاون الثنائي بين البلدين. إذ إن تسهيل تنقل الطلبة والكفاءات يُعد استثمارًا مباشرًا في رأس المال البشري وفي بناء جسور طويلة الأمد بين البلدين. كما يعكس هذا الملف وعيًا بأهمية الدبلوماسية الإنسانية والثقافية في ترسيخ مستوى العلاقات بين الدول.
ومن زاوية أشمل وأعمق، لا يمكن فصل هذه المشاورات عن السياق الأوروبي العام، حيث تمثل تونس بالنسبة لبلجيكا ولعدد من الدول الأوروبية شريكًا محوريًا في جنوب المتوسط. وفي المقابل، تسعى تونس إلى تنويع شراكاتها داخل الفضاء الأوروبي، بما يضمن لها هامشًا أوسع من الحركة الدبلوماسية والاقتصادية، بما من شأنه أن يخفف من سياسة أو منطق الارتهان لشريك واحد.
ومن جهة أخرى، تكتسي هذه الدورة من المشاورات بعدًا رمزيًا إضافيًا، لكونها تندرج ضمن استعداد البلدين لإحياء، خلال هذه السنة، الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. فسبعة عقود من العلاقات الثنائية تمثل رصيدًا تاريخيًا هامًا، لكنها في الوقت نفسه تفرض تقييمًا موضوعيًا لمسار التعاون، والسعي إلى تجديده بما يتلاءم ويتناغم مع تحديات المرحلة الراهنة.
فإحياء هذه الذكرى سيكون بمثابة الأرضية لإعادة صياغة مسار التعاون الثنائي بين البلدين على أسس أكثر نجاعة، تقوم على التكامل الاقتصادي، وتبادل الخبرات، وتعزيز التنسيق السياسي داخل المحافل الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار المشاورات السياسية الحالية بمثابة لبنة أولى في مسار إعادة هندسة العلاقات الثنائية بين البلدين.
وفي هذا الخضم، تؤكد الدورة السابعة للمشاورات السياسية التونسية-البلجيكية أن العلاقات بين البلدين تشهد انتقالًا تدريجيًا من منطق إدارة الملفات إلى منطق بناء الشراكات. كما تبرز هذه اللجنة كآلية محورية لضمان استمرارية الحوار، وتعزيز العلاقات الثنائية، وتحويل الإرادة السياسية إلى برامج تعاون ملموسة. وهي بذلك تشكل ركيزة أساسية في مسار تطوير العلاقات التونسية-البلجيكية، ليس فقط في أفق 2026، وإنما في أفق شراكة طويلة المدى قائمة على الثقة والمصالح المتبادلة.
منال الحرزي
في ظلّ تحديات متنامية يشهدها الفضاء الأورو-متوسطي، جاءت الدورة السابعة للمشاورات السياسية التونسية-البلجيكية، المنعقدة مؤخرًا ببروكسل، لتؤكد أن العلاقات بين البلدين قد تجاوزت إطارها التقليدي القائم على التنسيق الظرفي، لتتجه نحو مقاربة أكثر عمقًا وشمولية.
فقد مثّلت هذه الدورة محطة مفصلية في مسار التعاون الثنائي بين البلدين، لا فقط من حيث انتظامها الدوري، وإنما باعتبارها آلية هامة تعكس في جوهرها مدى جاهزية الجانبين للانتقال إلى مستوى أكثر فاعلية من التنسيق السياسي والتعاون العملي.
كما تكتسي هذه المشاورات أهمية خاصة لكونها تضع حجر الأساس لمرحلة مفصلية ستتوج سنة 2026 بإحياء سبعة عقود من العمل الدبلوماسي المشترك بين البلدين، بما يحمله ذلك من رهانات على تجديد الشراكة وإعادة توجيهها بما يتلاءم مع التحولات الإقليمية والدولية الراهنة.
ومن هذا المنطلق، تكتسي هذه الدورة السابعة للمشاورات السياسية التونسية-البلجيكية أهمية خاصة، باعتبارها تأتي في سياق تتقاطع فيه رهانات اقتصادية وتنموية مع تحديات الهجرة والأمن الإقليمي والتحولات الجيوسياسية الكبرى.
وتبرز أهمية هذه المشاورات في كونها تندرج ضمن مقاربة تقوم على استمرارية الحوار السياسي، بما يسمح بتقييم دوري لمستوى التعاون ومعالجة التحديات المطروحة والعالقة، إلى جانب تكييف العلاقات الثنائية مع مختلف المستجدات الراهنة. فالحوار المنتظم يُعتبر بمثابة صمام أمان للعلاقات المستقرة، وهو ما تعكسه إرادة الجانبين التونسي والبلجيكي في الحفاظ على هذه الآلية وتطوير مضامينها.
شراكة متعددة الأبعاد
من جانب آخر، جدير بالذكر أن تنوع الملفات المطروحة خلال هذه الدورة يعكس تحول العلاقات التونسية-البلجيكية من نمط تقليدي قائم على التعاون والتنسيق الظرفي إلى شراكة متعددة الأبعاد.
فقد شملت المحادثات مجالات الاقتصاد، والتجارة، والسياحة، وتكنولوجيات المعلومات والاتصال، وهي قطاعات استراتيجية تعكس أولويات ومقتضيات المرحلة الراهنة بالنسبة لتونس، خاصة في ما يتعلق بجذب الاستثمارات، وتنويع الشراكات الاقتصادية، والانخراط في الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق، تمثل بلجيكيا شريكًا أوروبيًا مهمًا لتونس، ليس فقط بحكم موقعها داخل الاتحاد الأوروبي، وإنما بالنظر إلى خبرتها في مجالات حيوية على غرار الصناعات التحويلية والتكنولوجيات الحديثة. ومن شأن تعزيز التعاون في هذه المجالات أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد التونسي، خاصة في ظل السعي إلى إرساء نموذج تنموي أكثر توازنًا واستدامة.
ولا يقل التعاون في مجالي العدل والهجرة أهمية عن بقية الملفات المطروحة، إذ يندرج ضمن مقاربة شاملة لإدارة الظواهر العابرة للحدود، بعيدًا عن الحلول الظرفية أو الأحادية الجانب. فالهجرة، باعتبارها من المسائل الدقيقة، تستوجب تحديًا مشتركًا، كما تفرض تنسيقًا وثيقًا قائمًا على مبدأ تقاسم المسؤولية، فضلًا عن الربط بين مختلف الأبعاد والمقاربات الأمنية والإنسانية والتنموية. ويعكس إدراج هذا الملف ضمن جدول أعمال المشاورات الثنائية بين تونس وبلجيكا إدراكًا مشتركًا بأن معالجة الهجرة لا يمكن أن تنجح دون شراكات متوازنة تحترم مصالح الدول وحقوق الأفراد في الوقت ذاته.
استثمار في الرأسمال البشري
أما المسائل القنصلية، ولا سيما ملفات التأشيرات وتصاريح إقامة الطلبة، فتُعد من بين المؤشرات العملية لمدى متانة التعاون الثنائي بين البلدين. إذ إن تسهيل تنقل الطلبة والكفاءات يُعد استثمارًا مباشرًا في رأس المال البشري وفي بناء جسور طويلة الأمد بين البلدين. كما يعكس هذا الملف وعيًا بأهمية الدبلوماسية الإنسانية والثقافية في ترسيخ مستوى العلاقات بين الدول.
ومن زاوية أشمل وأعمق، لا يمكن فصل هذه المشاورات عن السياق الأوروبي العام، حيث تمثل تونس بالنسبة لبلجيكا ولعدد من الدول الأوروبية شريكًا محوريًا في جنوب المتوسط. وفي المقابل، تسعى تونس إلى تنويع شراكاتها داخل الفضاء الأوروبي، بما يضمن لها هامشًا أوسع من الحركة الدبلوماسية والاقتصادية، بما من شأنه أن يخفف من سياسة أو منطق الارتهان لشريك واحد.
ومن جهة أخرى، تكتسي هذه الدورة من المشاورات بعدًا رمزيًا إضافيًا، لكونها تندرج ضمن استعداد البلدين لإحياء، خلال هذه السنة، الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. فسبعة عقود من العلاقات الثنائية تمثل رصيدًا تاريخيًا هامًا، لكنها في الوقت نفسه تفرض تقييمًا موضوعيًا لمسار التعاون، والسعي إلى تجديده بما يتلاءم ويتناغم مع تحديات المرحلة الراهنة.
فإحياء هذه الذكرى سيكون بمثابة الأرضية لإعادة صياغة مسار التعاون الثنائي بين البلدين على أسس أكثر نجاعة، تقوم على التكامل الاقتصادي، وتبادل الخبرات، وتعزيز التنسيق السياسي داخل المحافل الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار المشاورات السياسية الحالية بمثابة لبنة أولى في مسار إعادة هندسة العلاقات الثنائية بين البلدين.
وفي هذا الخضم، تؤكد الدورة السابعة للمشاورات السياسية التونسية-البلجيكية أن العلاقات بين البلدين تشهد انتقالًا تدريجيًا من منطق إدارة الملفات إلى منطق بناء الشراكات. كما تبرز هذه اللجنة كآلية محورية لضمان استمرارية الحوار، وتعزيز العلاقات الثنائية، وتحويل الإرادة السياسية إلى برامج تعاون ملموسة. وهي بذلك تشكل ركيزة أساسية في مسار تطوير العلاقات التونسية-البلجيكية، ليس فقط في أفق 2026، وإنما في أفق شراكة طويلة المدى قائمة على الثقة والمصالح المتبادلة.