التظاهرة تطرح فنون العرائس كوسيط تربوي وجمالي قادر على مخاطبة القيم الإنسانية الكبرى بلغة بسيطة، لكنها عميقة
مساهمة لكل من حبيبة الجندوبي ومحمد بن يوسف الأخوص في ندوة «سر الصنعة»
تستضيف العاصمة المصرية، القاهرة، بداية من الغد 21 إلى 23 جانفي الجاري، الدورة الخامسة من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة، وهي تظاهرة فنية وفكرية تنظمها الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، وتأتي مباشرة عقب اختتام مهرجان المسرح العربي، لتفتح مساحة خاصة لفنون العرائس بوصفها أحد أقدم أشكال التعبير المسرحي وأكثرها قدرة على التجدد ومخاطبة الوجدان الجماعي، والملفت في هذه الدورة، على نحو خاص، هو الحضور التونسي اللافت، الذي يحضر بقوة عدديا وفنيا وفكريا، ويجعل من المشاركة التونسية أحد أبرز عناوين الملتقى ومرتكزاته الأساسية.
تشارك تونس في هذه الدورة بأربعة عروض عرائسية ضمن المسابقة الرسمية من أصل ثمانية عروض، وهو رقم يعكس مكانة التجربة التونسية في مجال فنون العرائس عربيا، ويؤشر إلى مسار طويل من البحث والتجريب والتراكم الفني، إذ تتوزع الأعمال التونسية المشاركة بين تجارب وأساليب مختلفة، من بينها عرضا «أطياف» و»كيف كيف» من إخراج حبيبة الجندوبي، و»خيال جميل» لمحمد بن يوسف الأخوص، و»النمل والسلام» لحسان السلامي، وهي أعمال لا تكتفي بتقديم الفرجة، بل تنشغل بأسئلة الذاكرة والهوية والطفولة والعلاقة بين الإنسان ودمية تشبهه وتختلف عنه في الآن نفسه، وتكشف عن قدرة المسرح العرائسي التونسي على مقاربة قضايا إنسانية واجتماعية بلغة بصرية وشعرية تتجاوز التصنيفات العمرية، وتخاطب الطفل والراشد في آن واحد.
ولا يقتصر الحضور التونسي على مستوى العروض فقط، بل يمتد إلى الفضاء الفكري للملتقى، حيث تشارك تونس في جلسات ندوة «سر الصنعة» من خلال حبيبة الجندوبي ومحمد بن يوسف الأخوص، في تأكيد على أن التجربة التونسية لا تقدم منتوجا فنيا فحسب، بل تراكم أيضا معرفة وخبرة، تسعى إلى تقاسمها مع بقية التجارب العربية، ضمن جلسات تفتح كواليس العمل العرائسي وتفكك أدواته وتقنياته ومساراته الجمالية.
وتكتسب هذه المشاركة التونسية أهميتها من كونها تأتي في سياق عربي يسعى فيه فن العرائس إلى إعادة تعريف ذاته وموقعه داخل المشهد المسرحي المعاصر، إذ يظل هذا الفن، رغم عمقه التاريخي، عرضة للتهميش أو الاختزال في كونه فنا موجها للأطفال فقط، في حين تكشف التجارب التونسية المشاركة في الملتقى عن وعي متزايد بقدرة العرائس على حمل خطاب جمالي وفكري مركب، وعلى مساءلة الواقع والذاكرة والسلطة والعنف والسلام، كما في عرض «النمل والسلام»، أو الاشتغال على الهويات الفردية والجماعية كما في «أطياف» و»خيال جميل»، وهو ما يجعل من المشاركة التونسية نقطة جذب داخل البرنامج العام للملتقى.
وتتوزع فعاليات الدورة الخامسة من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة على عدد من الفضاءات الثقافية بالقاهرة، من بينها مسرح القاهرة للعرائس، ومسرح متروبول، وبيت السحيمي، والحديقة الثقافية بالسيدة زينب، والمجلس الأعلى للثقافة، ومسرح الهناجر، في محاولة لتحويل المدينة إلى فضاء مفتوح للعرض والنقاش والتفاعل مع الجمهور، حيث يقدم الملتقى ثمانية عروض عرائسية موجهة للأطفال والكبار، إضافة إلى عرضين يمزجان بين الحكي والموسيقى، بما يعكس تنوع الأشكال والأساليب، واتساع مفهوم فنون العرائس ليشمل الفنون المجاورة والتجارب الهجينة.
ويولي الملتقى البعد الفكري أهمية خاصة، من خلال تنظيم ثماني جلسات فكرية تطبيقية تحت عنوان «سر الصنعة»، وهي جلسات لا تكتفي بالتنظير، بل تتيح لفناني العرائس الكشف عن تجاربهم العملية وأسرار مهنتهم ومساراتهم الفنية، ومن بين هذه الجلسات ما يقدمه فنانون من تونس ولبنان والجزائر وفلسطين ومصر، في تنوع جغرافي وثقافي يعكس ثراء المشهد العرائسي العربي، كما يشهد الملتقى ندوة متخصصة حول صون فن الأراجوز بوصفه أحد رموز التراث الشعبي المصري، في سياق يربط بين الحاضر والماضي، وبين الإبداع المعاصر والذاكرة الشعبية.
ويحتضن مسرح الهناجر خلال الفترة من 21 إلى 26 جانفي المعرض الثالث للدمى والعرائس في قاعة آدم حنين، بإشراف الفنان وليد بدر، حيث يقدم المعرض نماذج متنوعة من الدمى وأساليب تصميمها وتحريكها، ليشكل فضاء بصريا مكملا للعروض المسرحية، ومناسبة للتعرف على الجوانب التقنية والحرفية لفن العرائس، بوصفه فنا يجمع بين النحت والتشكيل والحركة والتمثيل.
وفي إطار الاحتفاء برواد هذا الفن، تكرم الدورة الخامسة من الملتقى ثلاثة من أبرز فناني العرائس في الوطن العربي، وهم الفنان المصري محمد كشك، والفنان الفلسطيني عبد السلام عبده، والفنان الجزائري قادة بن سميشة، تقديرا لمسيرتهم الطويلة وإسهاماتهم في تطوير ونشر فنون العرائس عربيا ودوليا، إذ يمثل محمد كشك أحد أعمدة المسرح العرائسي المصري، وراكم تجربة غنية في تصميم العرائس وتحريكها والإخراج، فيما يجسد عبد السلام عبده تجربة فلسطينية مقاومة للظروف الصعبة، استطاعت أن تحافظ على استمرارية المسرح العرائسي وتمنحه بعدا إنسانيا وثقافيا عميقا، أما قادة بن سميشة فيحمل تجربة جزائرية متفردة، جمعت بين المسرح والرقص وصناعة العرائس، وأسست لمتحف غنجة للعرائس بسيدي بلعباس كفضاء توثيقي وثقافي مفتوح.
وتقام هذه الدورة تحت شعار «لنجعل المسرح مدرسة للأخلاق والحرية»، وهو شعار يجد صداه في طبيعة العروض والندوات والفعاليات، وفي الرهان على فنون العرائس كوسيط تربوي وجمالي قادر على مخاطبة القيم الإنسانية الكبرى بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد، وتشرف على تنظيم الملتقى لجنة تنفيذية تضم الكاتب إسماعيل عبد الله، رئيس الملتقى والأمين العام للهيئة العربية للمسرح، إلى جانب الدكتور أسامة محمد علي، منسق الملتقى، والفنان محمد نور الدين، والدكتور نبيل بهجت، والفنان غنام غنام، في عمل جماعي يسعى إلى تقديم دورة متكاملة تجمع بين الفرجة وطرح الأسئلة والنقاش وفتح الآفاق أمام صناع فنون العرائس.
إيمان عبد اللطيف
التظاهرة تطرح فنون العرائس كوسيط تربوي وجمالي قادر على مخاطبة القيم الإنسانية الكبرى بلغة بسيطة، لكنها عميقة
مساهمة لكل من حبيبة الجندوبي ومحمد بن يوسف الأخوص في ندوة «سر الصنعة»
تستضيف العاصمة المصرية، القاهرة، بداية من الغد 21 إلى 23 جانفي الجاري، الدورة الخامسة من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة، وهي تظاهرة فنية وفكرية تنظمها الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، وتأتي مباشرة عقب اختتام مهرجان المسرح العربي، لتفتح مساحة خاصة لفنون العرائس بوصفها أحد أقدم أشكال التعبير المسرحي وأكثرها قدرة على التجدد ومخاطبة الوجدان الجماعي، والملفت في هذه الدورة، على نحو خاص، هو الحضور التونسي اللافت، الذي يحضر بقوة عدديا وفنيا وفكريا، ويجعل من المشاركة التونسية أحد أبرز عناوين الملتقى ومرتكزاته الأساسية.
تشارك تونس في هذه الدورة بأربعة عروض عرائسية ضمن المسابقة الرسمية من أصل ثمانية عروض، وهو رقم يعكس مكانة التجربة التونسية في مجال فنون العرائس عربيا، ويؤشر إلى مسار طويل من البحث والتجريب والتراكم الفني، إذ تتوزع الأعمال التونسية المشاركة بين تجارب وأساليب مختلفة، من بينها عرضا «أطياف» و»كيف كيف» من إخراج حبيبة الجندوبي، و»خيال جميل» لمحمد بن يوسف الأخوص، و»النمل والسلام» لحسان السلامي، وهي أعمال لا تكتفي بتقديم الفرجة، بل تنشغل بأسئلة الذاكرة والهوية والطفولة والعلاقة بين الإنسان ودمية تشبهه وتختلف عنه في الآن نفسه، وتكشف عن قدرة المسرح العرائسي التونسي على مقاربة قضايا إنسانية واجتماعية بلغة بصرية وشعرية تتجاوز التصنيفات العمرية، وتخاطب الطفل والراشد في آن واحد.
ولا يقتصر الحضور التونسي على مستوى العروض فقط، بل يمتد إلى الفضاء الفكري للملتقى، حيث تشارك تونس في جلسات ندوة «سر الصنعة» من خلال حبيبة الجندوبي ومحمد بن يوسف الأخوص، في تأكيد على أن التجربة التونسية لا تقدم منتوجا فنيا فحسب، بل تراكم أيضا معرفة وخبرة، تسعى إلى تقاسمها مع بقية التجارب العربية، ضمن جلسات تفتح كواليس العمل العرائسي وتفكك أدواته وتقنياته ومساراته الجمالية.
وتكتسب هذه المشاركة التونسية أهميتها من كونها تأتي في سياق عربي يسعى فيه فن العرائس إلى إعادة تعريف ذاته وموقعه داخل المشهد المسرحي المعاصر، إذ يظل هذا الفن، رغم عمقه التاريخي، عرضة للتهميش أو الاختزال في كونه فنا موجها للأطفال فقط، في حين تكشف التجارب التونسية المشاركة في الملتقى عن وعي متزايد بقدرة العرائس على حمل خطاب جمالي وفكري مركب، وعلى مساءلة الواقع والذاكرة والسلطة والعنف والسلام، كما في عرض «النمل والسلام»، أو الاشتغال على الهويات الفردية والجماعية كما في «أطياف» و»خيال جميل»، وهو ما يجعل من المشاركة التونسية نقطة جذب داخل البرنامج العام للملتقى.
وتتوزع فعاليات الدورة الخامسة من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة على عدد من الفضاءات الثقافية بالقاهرة، من بينها مسرح القاهرة للعرائس، ومسرح متروبول، وبيت السحيمي، والحديقة الثقافية بالسيدة زينب، والمجلس الأعلى للثقافة، ومسرح الهناجر، في محاولة لتحويل المدينة إلى فضاء مفتوح للعرض والنقاش والتفاعل مع الجمهور، حيث يقدم الملتقى ثمانية عروض عرائسية موجهة للأطفال والكبار، إضافة إلى عرضين يمزجان بين الحكي والموسيقى، بما يعكس تنوع الأشكال والأساليب، واتساع مفهوم فنون العرائس ليشمل الفنون المجاورة والتجارب الهجينة.
ويولي الملتقى البعد الفكري أهمية خاصة، من خلال تنظيم ثماني جلسات فكرية تطبيقية تحت عنوان «سر الصنعة»، وهي جلسات لا تكتفي بالتنظير، بل تتيح لفناني العرائس الكشف عن تجاربهم العملية وأسرار مهنتهم ومساراتهم الفنية، ومن بين هذه الجلسات ما يقدمه فنانون من تونس ولبنان والجزائر وفلسطين ومصر، في تنوع جغرافي وثقافي يعكس ثراء المشهد العرائسي العربي، كما يشهد الملتقى ندوة متخصصة حول صون فن الأراجوز بوصفه أحد رموز التراث الشعبي المصري، في سياق يربط بين الحاضر والماضي، وبين الإبداع المعاصر والذاكرة الشعبية.
ويحتضن مسرح الهناجر خلال الفترة من 21 إلى 26 جانفي المعرض الثالث للدمى والعرائس في قاعة آدم حنين، بإشراف الفنان وليد بدر، حيث يقدم المعرض نماذج متنوعة من الدمى وأساليب تصميمها وتحريكها، ليشكل فضاء بصريا مكملا للعروض المسرحية، ومناسبة للتعرف على الجوانب التقنية والحرفية لفن العرائس، بوصفه فنا يجمع بين النحت والتشكيل والحركة والتمثيل.
وفي إطار الاحتفاء برواد هذا الفن، تكرم الدورة الخامسة من الملتقى ثلاثة من أبرز فناني العرائس في الوطن العربي، وهم الفنان المصري محمد كشك، والفنان الفلسطيني عبد السلام عبده، والفنان الجزائري قادة بن سميشة، تقديرا لمسيرتهم الطويلة وإسهاماتهم في تطوير ونشر فنون العرائس عربيا ودوليا، إذ يمثل محمد كشك أحد أعمدة المسرح العرائسي المصري، وراكم تجربة غنية في تصميم العرائس وتحريكها والإخراج، فيما يجسد عبد السلام عبده تجربة فلسطينية مقاومة للظروف الصعبة، استطاعت أن تحافظ على استمرارية المسرح العرائسي وتمنحه بعدا إنسانيا وثقافيا عميقا، أما قادة بن سميشة فيحمل تجربة جزائرية متفردة، جمعت بين المسرح والرقص وصناعة العرائس، وأسست لمتحف غنجة للعرائس بسيدي بلعباس كفضاء توثيقي وثقافي مفتوح.
وتقام هذه الدورة تحت شعار «لنجعل المسرح مدرسة للأخلاق والحرية»، وهو شعار يجد صداه في طبيعة العروض والندوات والفعاليات، وفي الرهان على فنون العرائس كوسيط تربوي وجمالي قادر على مخاطبة القيم الإنسانية الكبرى بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد، وتشرف على تنظيم الملتقى لجنة تنفيذية تضم الكاتب إسماعيل عبد الله، رئيس الملتقى والأمين العام للهيئة العربية للمسرح، إلى جانب الدكتور أسامة محمد علي، منسق الملتقى، والفنان محمد نور الدين، والدكتور نبيل بهجت، والفنان غنام غنام، في عمل جماعي يسعى إلى تقديم دورة متكاملة تجمع بين الفرجة وطرح الأسئلة والنقاش وفتح الآفاق أمام صناع فنون العرائس.