إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في عرضه ما قبل الأوّل.. فيلم «دنيا».. أو كيف تصبح آلام الطفولة وتراكمات الماضي عناصر تدمير للحياة الزوجية؟

 

  • أغلب الأحداث تدور داخل فضاء معزول، حيث تنتقل علاقة زوجية حديثة من الوعد بالاستقرار إلى حياة متصدّعة وعنيفة.
  • الطبيعة المحيطة، بكلّ اتساعها وسكونها، لا تمنح الشخصيات فسحة حرية، بل تؤكّد المفارقة بين جمال الخارج واختناق الداخل.

احتضنت قاعة سينما الكوليزي بالعاصمة، مساء الجمعة 16 جانفي الجاري، العرض ما قبل الأوّل للفيلم التونسي «دنيا» للمخرج محمد خليل البحري، بحضور عدد من الوجوه الفنية والثقافية والإعلامية. الفيلم، وهو عمل روائي طويل، يجمع في بطولته الممثلة التونسية نجلاء بن عبد الله والممثل المصري محمد مهران، إلى جانب مشاركة كلّ من الممثلة القديرة سلوى محمد والفنان حسان الدوس الذي قدّم أيضا الأغنية الرسمية للعمل، إلى جانب كلّ من مروان اﻷندلسي، رولا خياط، واﻷطفال ياسمين خزري، آسر، وآية كعبي.

«دنيا» هو عمل درامي يتناول العلاقة الزوجية حين تصل إلى لحظة الاختناق، لا بوصفها صداما فجئيا، بل كمسار تراكمي تتداخل فيه التربية والتنشئة في الطفولة، والضغط الاجتماعي، والخيارات الفردية.

يضع الفيلم منذ مشاهده الأولى المتفرّج أمام علاقة زوجية محاصَرة بالتوتّر والاختناق. ثنائي الفيلم، دنيا وسعيد، يلتقيان بعد تجربتي طلاق سابقتين، ويؤسّسان أسرة جديدة تضم أبناء من زيجات سابقة، في محاولة لبدء حياة «هادئة» ومعزولة عن ضغط المدينة، وبعد سنتين من الزواج الحاملة لاضطرابات وتصدّعات في العلاقة.

غير أنّ هذا الهدوء الظاهري، الذي يوفّره بيت حجري وسط غابة بعيدة عن الجيران والحركة، يتحوّل تدريجيا إلى فضاء مغلق تتكثّف داخله أشكال متعدّدة من العنف: الجسدي، والنفسي، واﻷسري والمجتمعي، باعتبار نظرة المجتمع للمرأة المطلّقة تعكسه ردّة فعل اﻷم – التي تجسّد دورها الممثلة سلوى محمد – والتي تدعوها إلى المحافظة على زواجها وعلى استقرار عائلتها، وعدم التفكير في الطلاق للمرة الثانية بالرغم من تعرّضها للعنف الجسدي واللفظي واﻹهانات والتحقير.

الفيلم اختار منذ البداية الابتعاد عن السرد الصاخب أو الحبكات المتشابكة، وفضّل – على ما يبدو – التركيز على مساحة محدودة وأزمنة بطيئة، كأنّه يراهن على التفاصيل الصغيرة لا على الحدث الكبير. تدور أغلب الوقائع داخل فضاء معزول وسط الطبيعة، حيث تنتقل علاقة زوجية حديثة من الوعد بالاستقرار إلى مناخ خانق تتسيّد فيه السيطرة وسوء الفهم والعنف المتدرّج.

لا ينطلق «دنيا» من حادثة صادمة، ولا يبني حبكته على مفاجآت درامية، بل يراهن على التآكل التدريجي للعلاقة بين زوجين يحاولان تأسيس حياة جديدة بعد تجربتي طلاق سابقتين. هذا “البدء من جديد” لا يُقدَّم بوصفه خلاصًا، بل كمساحة اختبار هشّة، سرعان ما تنكشف فيها اختلالات أعمق، مرتبطة بالتنشئة، وبالصور الاجتماعية المتوارثة عن الزواج، وبحدود السلطة داخل العلاقة.

اختيار الفضاء يلعب دورا محوريا في بناء هذا المعنى. فالفضاء المعزول وسط الطبيعة، ببيته الحجري وأثاثه التقليدي وإضاءته القاتمة، لا يُستعمل كخلفية جمالية فقط، بل كعنصر درامي فاعل.

والعزلة التي يُفترض أن توفّر الهدوء وإعادة التوازن، تتحوّل تدريجيا إلى أداة تضييق نفسي، تسمح بتكثيف الصراع وعزل الشخصيات عن أي رقابة اجتماعية. الطبيعة المحيطة، بكلّ اتساعها وسكونها، لا تمنح الشخصيات فسحة حرية، بل تفضح المفارقة بين جمال الخارج واختناق الداخل، وأحيانا تُعطي للمتفرّج فسحة من اﻷمل في الانفراج سرعان ما تندثر، وتتحوّل بطريقة مفاجئة لتتعقّد العلاقة من جديد، أو تعود أحيانا إلى النقطة الصفر.

سينمائيا، اختار محمد خليل البحري الاقتراب الشديد من شخصياته. الكاميرا تحاصر الوجوه، وتراهن على اللقطات القريبة جدا، وعلى «الزووم» الذي يلتقط أدقّ التفاصيل الجسدية: نظرات متوتّرة، شفاه مرتعشة، أيادٍ متشنّجة، وجه البطلة الشاحب، صمت يطول أكثر مما يُحتمل. هذا الاشتغال على الجسد والملامح يمنح الفيلم طابعا نفسيا واضحا، لكنه في المقابل يفرض إيقاعا بطيئا، يكاد يكون رتيبا في بعض المقاطع، كأنّ الزمن نفسه عالق داخل هذا الفضاء المغلق.

وفي قلب هذا البناء البصري، تتشكّل شخصية سعيد بوصفها العقدة الأساسية للفيلم. لا يُقدَّم الزوج كشخصية عنيفة بشكل مباشر أو أحادي فقط، بل كنموذج مأزوم تشكّل داخل تنشئة أسرية قائمة على القسوة والهيمنة. فسعيد هو ابن أبٍ متصلّب، مارس العنف بوصفه أسلوب تربية، ورسّخ صورة للرجولة تقوم على السيطرة ورفض الاعتراف بالخطأ. هذه التنشئة لا تظهر في الفيلم عبر مشاهد استرجاع بصري، بل تتسرّب إلى الحاضر من خلال السلوك وردود الأفعال، وكأنّ الماضي لم يُغلق أبدا.

هذا الإرث العنيف لا ينتج شخصية مستقرة، بل شخصية تعيش صراعا داخليا حادا. سعيد يعي، في مستوى ما، أنّ العنف الذي يسكنه امتداد لما عاشه في طفولته، ويُدرك أنّه لا يريد أن يكون نسخة عن والده، لكنه في الوقت نفسه يفتقد الأدوات النفسية التي تمكّنه من تفكيك هذا الإرث. لذلك يتأرجح باستمرار بين لحظات حنان قصيرة، وانفجارات غضب غير مسيطر عليها، بين رغبة في القرب، وحاجة مرضية إلى التحكّم.

يتجلّى هذا الصراع في إصراره المتكرّر على تبرئة ذاته من أي خطأ. جملته الحاسمة «أنا ما بغلطش» لا تُقال من موقع ثقة، بل من موقع دفاعي صلب، يحميه من مواجهة ذاته. الاعتراف بالخطأ، بالنسبة إليه، ليس مجرّد فعل أخلاقي، بل تهديد مباشر لتوازنه النفسي الهشّ. لذلك يُسقط الذنب دائما على الآخر: الزوجة، الأطفال، أو المحيط، وتتحوّل العلاقة الزوجية إلى ساحة لإعادة توزيع المسؤولية، حيث يُستعمل العنف وسيلة لإعادة تثبيت سلطة متآكلة.

في المقابل، تُقدَّم دنيا كامرأة واعية جزئيًا بما تعيشه، لكنها محاصَرة بثقل اجتماعي وثقافي يُعيد تحميلها مسؤولية الحفاظ على الأسرة مهما كان الثمن. الخضوع هنا لا يُقدَّم كضعف فردي، بل كنتيجة تنشئة طويلة ترى في الصبر فضيلة، وفي الطلاق فشلا أخلاقيا. هذا التوتّر بين الوعي والرغبة في النجاة من جهة، والخوف من الوصم الاجتماعي من جهة أخرى، يجعل الشخصية عالقة داخل علاقة تستنزفها نفسيا.

يبلغ الصراع ذروته مع لحظة اطّلاع سعيد على مذكّرات زوجته. هنا لا يتعامل مع النص بوصفه اعترافا أو محاولة للفهم، بل كتهديد مباشر لصورة الذات التي بناها عن نفسه. أن يرى نفسه مكتوبا، موصوفا، ومُسمّى، يعني فقدان احتكار الرواية، ومواجهة صورة لا يمكن إنكارها. هذه اللحظة تكشف هشاشته العميقة، وتُسقط آخر آليات الدفاع التي كان يحتمي بها.

التحوّل الذي يطرأ على سعيد بعد قراءة المذكّرات ليس تحوّلا تدريجيا، بل انفجارا عصبيا يفقد فيه السيطرة، إلى حدّ محاولة قتل الزوجة في لحظة غير إدراكية. الفيلم لا يقدّم هذا الفعل بوصفه نتيجة قرار واعٍ، ولا يسعى إلى تبريره، بل يضعه في سياق تراكم طويل من القمع والغضب المؤجّل. وحين يستعيد سعيد هدوءه، لا يعود الشخص نفسه. الصدمة هنا نفسية بالأساس: صدمة إدراك ما فعله، ومواجهة ذاته بلا أقنعة.

تترجم الكاميرا هذه اللحظة بذكاء بصري. لا تركّز على العنف ذاته، بل على ما بعده. الوجوه تُصوَّر عن قرب، النظرات شاردة، البكاء في صمت، حركة اليدين مرتبكة، الجسد يبدو كأنّه خرج لتوّه من ذاته. لا موسيقى تفرض شعورا، ولا حوار يشرح الحدث. الصورة وحدها تحمل ثقل اللحظة، وتضع المتفرّج داخل حالة وعي متأخّر، حيث يتحوّل العنف إلى عبء على من مارسه، دون أن يُلغى أثره أو يُخفَّف من فداحته.

حضور الأطفال داخل هذا السياق يوسّع من أفق القراءة. فهم ليسوا مجرّد شهود، بل ضحايا مباشرين لعلاقة مأزومة، تُعيد إنتاج العنف في صمت. نظراتهم، صمتهم، وموقعهم داخل الفضاء المغلق، تؤكّد أنّ العنف الأسري لا يبقى حبيس العلاقة الثنائية، بل يترك أثره في الذاكرة والسلوك، مهدّدا بإعادة الدورة نفسها.

رغم قوّة الاشتغال النفسي، لا يخلو الفيلم من مآخذ. فالإيقاع البطيء، وإن كان منسجما مع طبيعة الموضوع، يُنهك المتفرّج في بعض المقاطع، كما أنّ السرد المباشر لبعض الخلفيات يحدّ أحيانا من الأثر السينمائي، ويجعل بعض اللحظات أقرب إلى الشرح منها إلى التجسيد. كذلك، لا يحافظ الأداء التمثيلي دائما على المستوى نفسه من الكثافة، رغم حضور مقنع في مشاهد التوتّر والصمت، يبقى أن فيلم «دنيا» قد قدّم قراءة هادئة ومقلقة للعنف الزوجي واﻷسري والمجتمعي، لا بوصفه انفجارا لحظيا (بالرغم من أنه من المواضيع المستهلكة)، بل نتيجة مسار طويل من التنشئة المختلّة والصراعات الداخلية غير المحسومة.

عبر شخصية سعيد، يكشف الفيلم كيف يمكن للوعي بالعنف أن يتعايش مع ممارسته، وكيف يتحوّل إنكار الخطأ إلى آلية دفاعية تُدمّر العلاقة بدل أن تحميها. وبين فضاء طبيعي مفتوح وعلاقات إنسانية خانقة، يرصد العمل انغلاق الشخصيات داخل ذواتها، مؤكّدًا أنّ العنف لا يحتاج إلى صراخ ليكون حاضرا، بل يكفي أن يُبرَّر، ويُؤجَّل، ويُعاد إنتاجه باسم الحب والاستقرار.

إيمان عبد اللطيف

في عرضه ما قبل الأوّل..   فيلم «دنيا».. أو كيف تصبح آلام الطفولة وتراكمات الماضي عناصر تدمير للحياة الزوجية؟

 

  • أغلب الأحداث تدور داخل فضاء معزول، حيث تنتقل علاقة زوجية حديثة من الوعد بالاستقرار إلى حياة متصدّعة وعنيفة.
  • الطبيعة المحيطة، بكلّ اتساعها وسكونها، لا تمنح الشخصيات فسحة حرية، بل تؤكّد المفارقة بين جمال الخارج واختناق الداخل.

احتضنت قاعة سينما الكوليزي بالعاصمة، مساء الجمعة 16 جانفي الجاري، العرض ما قبل الأوّل للفيلم التونسي «دنيا» للمخرج محمد خليل البحري، بحضور عدد من الوجوه الفنية والثقافية والإعلامية. الفيلم، وهو عمل روائي طويل، يجمع في بطولته الممثلة التونسية نجلاء بن عبد الله والممثل المصري محمد مهران، إلى جانب مشاركة كلّ من الممثلة القديرة سلوى محمد والفنان حسان الدوس الذي قدّم أيضا الأغنية الرسمية للعمل، إلى جانب كلّ من مروان اﻷندلسي، رولا خياط، واﻷطفال ياسمين خزري، آسر، وآية كعبي.

«دنيا» هو عمل درامي يتناول العلاقة الزوجية حين تصل إلى لحظة الاختناق، لا بوصفها صداما فجئيا، بل كمسار تراكمي تتداخل فيه التربية والتنشئة في الطفولة، والضغط الاجتماعي، والخيارات الفردية.

يضع الفيلم منذ مشاهده الأولى المتفرّج أمام علاقة زوجية محاصَرة بالتوتّر والاختناق. ثنائي الفيلم، دنيا وسعيد، يلتقيان بعد تجربتي طلاق سابقتين، ويؤسّسان أسرة جديدة تضم أبناء من زيجات سابقة، في محاولة لبدء حياة «هادئة» ومعزولة عن ضغط المدينة، وبعد سنتين من الزواج الحاملة لاضطرابات وتصدّعات في العلاقة.

غير أنّ هذا الهدوء الظاهري، الذي يوفّره بيت حجري وسط غابة بعيدة عن الجيران والحركة، يتحوّل تدريجيا إلى فضاء مغلق تتكثّف داخله أشكال متعدّدة من العنف: الجسدي، والنفسي، واﻷسري والمجتمعي، باعتبار نظرة المجتمع للمرأة المطلّقة تعكسه ردّة فعل اﻷم – التي تجسّد دورها الممثلة سلوى محمد – والتي تدعوها إلى المحافظة على زواجها وعلى استقرار عائلتها، وعدم التفكير في الطلاق للمرة الثانية بالرغم من تعرّضها للعنف الجسدي واللفظي واﻹهانات والتحقير.

الفيلم اختار منذ البداية الابتعاد عن السرد الصاخب أو الحبكات المتشابكة، وفضّل – على ما يبدو – التركيز على مساحة محدودة وأزمنة بطيئة، كأنّه يراهن على التفاصيل الصغيرة لا على الحدث الكبير. تدور أغلب الوقائع داخل فضاء معزول وسط الطبيعة، حيث تنتقل علاقة زوجية حديثة من الوعد بالاستقرار إلى مناخ خانق تتسيّد فيه السيطرة وسوء الفهم والعنف المتدرّج.

لا ينطلق «دنيا» من حادثة صادمة، ولا يبني حبكته على مفاجآت درامية، بل يراهن على التآكل التدريجي للعلاقة بين زوجين يحاولان تأسيس حياة جديدة بعد تجربتي طلاق سابقتين. هذا “البدء من جديد” لا يُقدَّم بوصفه خلاصًا، بل كمساحة اختبار هشّة، سرعان ما تنكشف فيها اختلالات أعمق، مرتبطة بالتنشئة، وبالصور الاجتماعية المتوارثة عن الزواج، وبحدود السلطة داخل العلاقة.

اختيار الفضاء يلعب دورا محوريا في بناء هذا المعنى. فالفضاء المعزول وسط الطبيعة، ببيته الحجري وأثاثه التقليدي وإضاءته القاتمة، لا يُستعمل كخلفية جمالية فقط، بل كعنصر درامي فاعل.

والعزلة التي يُفترض أن توفّر الهدوء وإعادة التوازن، تتحوّل تدريجيا إلى أداة تضييق نفسي، تسمح بتكثيف الصراع وعزل الشخصيات عن أي رقابة اجتماعية. الطبيعة المحيطة، بكلّ اتساعها وسكونها، لا تمنح الشخصيات فسحة حرية، بل تفضح المفارقة بين جمال الخارج واختناق الداخل، وأحيانا تُعطي للمتفرّج فسحة من اﻷمل في الانفراج سرعان ما تندثر، وتتحوّل بطريقة مفاجئة لتتعقّد العلاقة من جديد، أو تعود أحيانا إلى النقطة الصفر.

سينمائيا، اختار محمد خليل البحري الاقتراب الشديد من شخصياته. الكاميرا تحاصر الوجوه، وتراهن على اللقطات القريبة جدا، وعلى «الزووم» الذي يلتقط أدقّ التفاصيل الجسدية: نظرات متوتّرة، شفاه مرتعشة، أيادٍ متشنّجة، وجه البطلة الشاحب، صمت يطول أكثر مما يُحتمل. هذا الاشتغال على الجسد والملامح يمنح الفيلم طابعا نفسيا واضحا، لكنه في المقابل يفرض إيقاعا بطيئا، يكاد يكون رتيبا في بعض المقاطع، كأنّ الزمن نفسه عالق داخل هذا الفضاء المغلق.

وفي قلب هذا البناء البصري، تتشكّل شخصية سعيد بوصفها العقدة الأساسية للفيلم. لا يُقدَّم الزوج كشخصية عنيفة بشكل مباشر أو أحادي فقط، بل كنموذج مأزوم تشكّل داخل تنشئة أسرية قائمة على القسوة والهيمنة. فسعيد هو ابن أبٍ متصلّب، مارس العنف بوصفه أسلوب تربية، ورسّخ صورة للرجولة تقوم على السيطرة ورفض الاعتراف بالخطأ. هذه التنشئة لا تظهر في الفيلم عبر مشاهد استرجاع بصري، بل تتسرّب إلى الحاضر من خلال السلوك وردود الأفعال، وكأنّ الماضي لم يُغلق أبدا.

هذا الإرث العنيف لا ينتج شخصية مستقرة، بل شخصية تعيش صراعا داخليا حادا. سعيد يعي، في مستوى ما، أنّ العنف الذي يسكنه امتداد لما عاشه في طفولته، ويُدرك أنّه لا يريد أن يكون نسخة عن والده، لكنه في الوقت نفسه يفتقد الأدوات النفسية التي تمكّنه من تفكيك هذا الإرث. لذلك يتأرجح باستمرار بين لحظات حنان قصيرة، وانفجارات غضب غير مسيطر عليها، بين رغبة في القرب، وحاجة مرضية إلى التحكّم.

يتجلّى هذا الصراع في إصراره المتكرّر على تبرئة ذاته من أي خطأ. جملته الحاسمة «أنا ما بغلطش» لا تُقال من موقع ثقة، بل من موقع دفاعي صلب، يحميه من مواجهة ذاته. الاعتراف بالخطأ، بالنسبة إليه، ليس مجرّد فعل أخلاقي، بل تهديد مباشر لتوازنه النفسي الهشّ. لذلك يُسقط الذنب دائما على الآخر: الزوجة، الأطفال، أو المحيط، وتتحوّل العلاقة الزوجية إلى ساحة لإعادة توزيع المسؤولية، حيث يُستعمل العنف وسيلة لإعادة تثبيت سلطة متآكلة.

في المقابل، تُقدَّم دنيا كامرأة واعية جزئيًا بما تعيشه، لكنها محاصَرة بثقل اجتماعي وثقافي يُعيد تحميلها مسؤولية الحفاظ على الأسرة مهما كان الثمن. الخضوع هنا لا يُقدَّم كضعف فردي، بل كنتيجة تنشئة طويلة ترى في الصبر فضيلة، وفي الطلاق فشلا أخلاقيا. هذا التوتّر بين الوعي والرغبة في النجاة من جهة، والخوف من الوصم الاجتماعي من جهة أخرى، يجعل الشخصية عالقة داخل علاقة تستنزفها نفسيا.

يبلغ الصراع ذروته مع لحظة اطّلاع سعيد على مذكّرات زوجته. هنا لا يتعامل مع النص بوصفه اعترافا أو محاولة للفهم، بل كتهديد مباشر لصورة الذات التي بناها عن نفسه. أن يرى نفسه مكتوبا، موصوفا، ومُسمّى، يعني فقدان احتكار الرواية، ومواجهة صورة لا يمكن إنكارها. هذه اللحظة تكشف هشاشته العميقة، وتُسقط آخر آليات الدفاع التي كان يحتمي بها.

التحوّل الذي يطرأ على سعيد بعد قراءة المذكّرات ليس تحوّلا تدريجيا، بل انفجارا عصبيا يفقد فيه السيطرة، إلى حدّ محاولة قتل الزوجة في لحظة غير إدراكية. الفيلم لا يقدّم هذا الفعل بوصفه نتيجة قرار واعٍ، ولا يسعى إلى تبريره، بل يضعه في سياق تراكم طويل من القمع والغضب المؤجّل. وحين يستعيد سعيد هدوءه، لا يعود الشخص نفسه. الصدمة هنا نفسية بالأساس: صدمة إدراك ما فعله، ومواجهة ذاته بلا أقنعة.

تترجم الكاميرا هذه اللحظة بذكاء بصري. لا تركّز على العنف ذاته، بل على ما بعده. الوجوه تُصوَّر عن قرب، النظرات شاردة، البكاء في صمت، حركة اليدين مرتبكة، الجسد يبدو كأنّه خرج لتوّه من ذاته. لا موسيقى تفرض شعورا، ولا حوار يشرح الحدث. الصورة وحدها تحمل ثقل اللحظة، وتضع المتفرّج داخل حالة وعي متأخّر، حيث يتحوّل العنف إلى عبء على من مارسه، دون أن يُلغى أثره أو يُخفَّف من فداحته.

حضور الأطفال داخل هذا السياق يوسّع من أفق القراءة. فهم ليسوا مجرّد شهود، بل ضحايا مباشرين لعلاقة مأزومة، تُعيد إنتاج العنف في صمت. نظراتهم، صمتهم، وموقعهم داخل الفضاء المغلق، تؤكّد أنّ العنف الأسري لا يبقى حبيس العلاقة الثنائية، بل يترك أثره في الذاكرة والسلوك، مهدّدا بإعادة الدورة نفسها.

رغم قوّة الاشتغال النفسي، لا يخلو الفيلم من مآخذ. فالإيقاع البطيء، وإن كان منسجما مع طبيعة الموضوع، يُنهك المتفرّج في بعض المقاطع، كما أنّ السرد المباشر لبعض الخلفيات يحدّ أحيانا من الأثر السينمائي، ويجعل بعض اللحظات أقرب إلى الشرح منها إلى التجسيد. كذلك، لا يحافظ الأداء التمثيلي دائما على المستوى نفسه من الكثافة، رغم حضور مقنع في مشاهد التوتّر والصمت، يبقى أن فيلم «دنيا» قد قدّم قراءة هادئة ومقلقة للعنف الزوجي واﻷسري والمجتمعي، لا بوصفه انفجارا لحظيا (بالرغم من أنه من المواضيع المستهلكة)، بل نتيجة مسار طويل من التنشئة المختلّة والصراعات الداخلية غير المحسومة.

عبر شخصية سعيد، يكشف الفيلم كيف يمكن للوعي بالعنف أن يتعايش مع ممارسته، وكيف يتحوّل إنكار الخطأ إلى آلية دفاعية تُدمّر العلاقة بدل أن تحميها. وبين فضاء طبيعي مفتوح وعلاقات إنسانية خانقة، يرصد العمل انغلاق الشخصيات داخل ذواتها، مؤكّدًا أنّ العنف لا يحتاج إلى صراخ ليكون حاضرا، بل يكفي أن يُبرَّر، ويُؤجَّل، ويُعاد إنتاجه باسم الحب والاستقرار.

إيمان عبد اللطيف