يحيي اليوم التونسيون الذكرى الخامسة عشرة للثورة، ليكون الاحتفاء بذكرى رمزية لهذا التاريخ الذي غيّر المشهد العام في تونس وكان بمثابة المنعرج المفصلي في تاريخ تونس المعاصر، وشكل منطلقا لاندلاع فتيل ثورات الربيع العربي في أغلب البلدان العربية. تأتي ذكرى هذا اليوم لثورة الحرية والكرامة التي اندلعت يوم 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد، احتفاء بـ14 جانفي 2011، تاريخ إعلان سقوط نظام حكم الرئيس الأسبق الراحل زين العابدين بن علي بعد إعلان فراره إلى خارج حدود الوطن في مثل هذا التاريخ. لتعلن بذلك إسقاط منظومة حكم دامت 23 سنة، وكانت امتدادا بشكل أو بآخر لمنظومة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي ترأس الجمهورية منذ فترة ما بعد الاستقلال إلى غاية 1987.
وتأتي ذكرى هذا العام وسط تطلعات لتحقيق أهداف والاستجابة لانتظارات وإصلاحات طال انتظارها، بعد أن أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد الأمل في العمل على الاستجابة للمطالب وفتح الملفات المتعلقة بالثورة التي ظلت عالقة وضاعت في زحام المشهد السياسي الذي عرفته بلادنا في مرحلة ما بعد الثورة.
ورغم تواتر الدورات التي تؤرخ لهذه الثورة وما رافقها خلال العشرية الأولى لفترة ما بعد سقوط منظومة بن علي، والتي كانت كلها بطعم المرارة والشعور بالخيبة والاحتقان والغضب الذي ترجمته التحركات الشعبية الواسعة في الساحات والمدن والجهات والشوارع في مثل هذه الفترات من كل عام أو على امتداد كامل أشهر السنة، إلا أنه وبعد أن أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد جدية الدولة في العودة إلى المطالب العالقة لثورة الحرية والكرامة، التي قادها شباب معطل ومهمش ضد منظومة طغى عليها الفساد والمحسوبية، عاد الأمل لدى شريحة هامة من التونسيين في تحقيق المطالب والانتظارات التي اختزلتها الشعارات التي رُفعت في الثورة، لعل من أبرزها ما يتعلق بفتح ملفات التشغيل والعدالة بين الجهات، وإيلاء الفئات المهمشة من المجتمع الاهتمام المطلوب الذي يحمي كرامة المواطن ويضع حدا لظواهر الفساد المتفشية في الإدارة وأجهزة الدولة وفي دوائر القرار والفاعلين في منظومة الحكم.
لذلك، اعتبر بعض المتابعين أن أهم خطوة أقدم عليها رئيس الدولة في هذا السياق تمثلت في إعلان تغيير تاريخ الاحتفال بذكرى الثورة رسميا ليكون يوم 17 ديسمبر تاريخ عيد الثورة عوضا عن 14 جانفي الذي تم اعتماده من قبل منظومة ما بعد الثورة. لتكون بذلك الانطلاقة الجديدة في سياسة الدولة للقيام بالإصلاحات التي تفتح آفاقا أرحب لتطلعات دولة قوامها العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة والشفافية والسيادة الوطنية.
لذلك ارتبط هذا التاريخ بالعودة إلى قراءة كرونولوجية لمراحل الثورة التي سقط خلالهاعشرات الشهداء والجرحى من الشعب ومن المؤسستين الأمنيتين، وذلك بعد أن عمّ فتيل الثورة إثر إقدام الراحل محمد البوعزيزي على حرق نفسه، وهي حادثة كانت كفيلة بإعلان انفجار الوضع بعد حالة الاحتقان التي كانت تسود المجتمع التونسي في تلك الفترة. لتتبعها أحداث وتحركات في أغلب جهات الجمهورية، وانتهت بتهاوي منظومة الحكم وعجزها عن التحكم في الوضع ورفض الاستجابة للمطالب الشعبية الواسعة بعد الإعلان رسميا عن فرار رئيس الدولة الراحل زين العابدين بن علي وبعض أفراد عائلته والمقربين من دوائر القرار.
منعرج جديد
لتدخل بلادنا منذ فجر يوم 15 جانفي 2011 منعرجا جديدا في تاريخها السياسي كان مرشحا لتحكمه العديد من السرديات في ظل واقع «الصدمة» للتونسيين. لتدخل بذلك الدولة في مرحلة سجال دستوري وسياسي جديدة انطلق بتعيين الوزير الأول محمد الغنوشي رئيسا للجمهورية استنادا إلى الفصل 56 من الدستور التونسي، ليتم بعد ذلك التراجع وإعلان فؤاد المبزع، رئيس مجلس نواب الشعب، رئيسا موقتا للجمهورية استنادا إلى الفصل 57 من نفس الدستور.
ولئن انغمس أغلب التونسيين في الانتشاء بفرحة سقوط منظومة بن علي وحملات الاعتقالات والمداهمات لبعض أفراد عائلة الرئيس الأسبق الراحل ومنظومة حكمه، فإن فئة أخرى من النخب السياسية، سواء ممن كانوا يعيشون في المنفى أو خارج حدود الوطن من معارضي النظام السابق أو مؤيديه أو من الفئة الصامتة داخل تونس وخارجها، اختارت التموقع في الكواليس السياسية لهندسة وصياغة سياسة الدولة في مرحلة ما بعد عقود حكم حزب واحد للدولة. وذلك بعد أن أخذت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي بزمام المشهد والتصور والقرار في فترة ما بعد الثورة، وتمهيدا قانونيا لتنظيم أول انتخابات نزيهة وشفافة في تونس ما بعد الثورة.
وهي مرحلة فتحت الأبواب على مصراعيها لتلوينات سياسية وأيديولوجية مختلفة، لتحتل الصفوف الأولى في المشهد العام للدولة وتفتح بذلك صفحة جديدة في تونس تكون الأجندات الأجنبية والمصالح الحزبية والشخصية الضيقة عنوانها والخط الذي طبع سياسة الدولة في مرحلة ما بعد الثورة.
فكان انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي في أكتوبر 2011 وتصدر حركة النهضة نتائج الصندوق، لتنبثق عن ذلك منظومة حكم جديدة بدت للجميع بمثابة تقاسم غنيمة حكم ودولة. وهي مرحلة شكلت بداية الانحراف عن أهداف الثورة في ظل كم الأحزاب والوجوه السياسية التي أفرزها المشهد، وهي مرحلة كانت منطلقًا لمراحل ومستجدات أخرى في الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية في تونس.
فغابت البرامج والمبادرات والقرارات الكفيلة بالاستجابة لمطالب الثورة والشباب الثائر، لتعم الأحزاب والجمعيات والهياكل الحزبية والمدنية تحت أسماء وأهداف مختلفة، وفي المقابل بدت التحالفات والتوافق والمحاصصات السمة الطاغية على المشهد السياسي في تونس خلال السنوات الأولى للثورة.
ولعل المخاض الذي عاشه التونسيون قبل الحسم في دستور تونس 2014 كان كافيا ليكشف مستوى وأهداف الطبقة السياسية التي حكمت تونس في تلك الفترة، ودخول المنظمات والهياكل الوطنية والمدنية على خط تحقيق التقارب والمعادلة في المشهد السياسي في تونس، ليبرز صعوبة المرحلة بعد أن توج الرباعي الراعي للحوار الوطني بجائزة نوبل للسلام في سنة 2015، وذلك تقديرا لدوره في قيادة الحوار الوطني التونسي الذي جنّب البلاد الانهيار وحافظ على مسار الانتقال الديمقراطي بعد ثورة 2011. ويتكون هذا الرباعي من كل من الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
حكومات متعاقبة
وبعد تنظيم أول انتخابات رئاسية وتشريعية في تونس سنة 2014 استنادا إلى الدستور الجديد الذي اختار مهندسوه أن يكون نظام الدولة برلمانيا مختلطا، يكون فيها رئيس الجمهورية محدود الصلاحيات، والتي أسفرت عن انتخاب الراحل الباجي قايد السبسي رئيسا للجمهورية بعد تصدر حزبه نداء تونس نتائج الانتخابات، وتليه حركة النهضة، لم يحمل الجديد للحالمين بدولة الإنصاف والتشغيل والعدالة الاجتماعية والتنمية داخل الجهات، بل فتح المجال لمنظومة حكم انبنت على التوافق بين رئيسي حزبي نداء تونس الباجي قائد السبسي وحركة النهضة راشد الغنوشي، ليعلنا بذلك الموت السريري لأحلام شباب لطالما انتظروها في تونس ما بعد الثورة.
لتدخل بذلك الدولة في دوامة من الصراعات الحزبية والسياسية وتطغى المحسوبية مقابل تغييب الكفاءات، ويعم الفساد ومظاهر العنف، لاسيما بعد انتشار ثقافة التطرف والإرهاب وتزايد الإقبال على القروض الخارجية والتداين الذي أرهق ميزانية الدولة وغياب أي بوادر للإصلاح وبناء الدولة الديمقراطية والمتطورة.
فغاب الاستقرار في منظومة الحكم بعد أن دخلت الأحزاب المكونة لها في دوامة من الخلافات والانقسامات، سواء تعلق الأمر بحركة النهضة أو نداء تونس وحلفاءها، وقبلها أحزاب الترويكا والجبهة الشعبية وغيرها.
فكانت النتيجة أن تواترت على الحكم تسع حكومات إلى حد فترة ما قبل انتخابات 2019، فكان غياب الانسجام وعدم توفر برامج أو رؤية سياسية واضحة السمة التي ميزت جميع هذه الحكومات وتركيباتها التي جاءت مجملها في سياق محاصصات كانت أقرب لتقاسم الغنائم.
لتكون فترة ما بعد انتخابات 2019 التي صعد فيها إلى قصر قرطاج رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيّد منطلقا جديدا في سياسة الدولة، بعد أن دخلت كافة مكونات منظومة الحكم في دوامة من التوتر والخلافات والصدامات، ليكون الشارع التونسي مرة أخرى هو الحاسم في هذه الوضعية بعد أن خرج يوم 25 جويلية 2021 معلنا رفضه للطبقة السياسية الحاكمة والصراع الدائر بين القصبة وباردو وقرطاج، مقابل تفويضه أمر الحكم للرئيس قيس سعيّد. لتفتح بذلك تلك الهبة الشعبية الحاسمة مرحلة أخرى في مسار الثورة التونسية، لاسيما بعد القرارات الثورية التي عرفتها بلادنا، لتعيد الأمل للتونسيين في تونس جديدة تقطع مع منظومة حكم عشرية ما بعد الثورة وتؤسس لجمهورية جديدة.
نزيهة الغضباني
يحيي اليوم التونسيون الذكرى الخامسة عشرة للثورة، ليكون الاحتفاء بذكرى رمزية لهذا التاريخ الذي غيّر المشهد العام في تونس وكان بمثابة المنعرج المفصلي في تاريخ تونس المعاصر، وشكل منطلقا لاندلاع فتيل ثورات الربيع العربي في أغلب البلدان العربية. تأتي ذكرى هذا اليوم لثورة الحرية والكرامة التي اندلعت يوم 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد، احتفاء بـ14 جانفي 2011، تاريخ إعلان سقوط نظام حكم الرئيس الأسبق الراحل زين العابدين بن علي بعد إعلان فراره إلى خارج حدود الوطن في مثل هذا التاريخ. لتعلن بذلك إسقاط منظومة حكم دامت 23 سنة، وكانت امتدادا بشكل أو بآخر لمنظومة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي ترأس الجمهورية منذ فترة ما بعد الاستقلال إلى غاية 1987.
وتأتي ذكرى هذا العام وسط تطلعات لتحقيق أهداف والاستجابة لانتظارات وإصلاحات طال انتظارها، بعد أن أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد الأمل في العمل على الاستجابة للمطالب وفتح الملفات المتعلقة بالثورة التي ظلت عالقة وضاعت في زحام المشهد السياسي الذي عرفته بلادنا في مرحلة ما بعد الثورة.
ورغم تواتر الدورات التي تؤرخ لهذه الثورة وما رافقها خلال العشرية الأولى لفترة ما بعد سقوط منظومة بن علي، والتي كانت كلها بطعم المرارة والشعور بالخيبة والاحتقان والغضب الذي ترجمته التحركات الشعبية الواسعة في الساحات والمدن والجهات والشوارع في مثل هذه الفترات من كل عام أو على امتداد كامل أشهر السنة، إلا أنه وبعد أن أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد جدية الدولة في العودة إلى المطالب العالقة لثورة الحرية والكرامة، التي قادها شباب معطل ومهمش ضد منظومة طغى عليها الفساد والمحسوبية، عاد الأمل لدى شريحة هامة من التونسيين في تحقيق المطالب والانتظارات التي اختزلتها الشعارات التي رُفعت في الثورة، لعل من أبرزها ما يتعلق بفتح ملفات التشغيل والعدالة بين الجهات، وإيلاء الفئات المهمشة من المجتمع الاهتمام المطلوب الذي يحمي كرامة المواطن ويضع حدا لظواهر الفساد المتفشية في الإدارة وأجهزة الدولة وفي دوائر القرار والفاعلين في منظومة الحكم.
لذلك، اعتبر بعض المتابعين أن أهم خطوة أقدم عليها رئيس الدولة في هذا السياق تمثلت في إعلان تغيير تاريخ الاحتفال بذكرى الثورة رسميا ليكون يوم 17 ديسمبر تاريخ عيد الثورة عوضا عن 14 جانفي الذي تم اعتماده من قبل منظومة ما بعد الثورة. لتكون بذلك الانطلاقة الجديدة في سياسة الدولة للقيام بالإصلاحات التي تفتح آفاقا أرحب لتطلعات دولة قوامها العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة والشفافية والسيادة الوطنية.
لذلك ارتبط هذا التاريخ بالعودة إلى قراءة كرونولوجية لمراحل الثورة التي سقط خلالهاعشرات الشهداء والجرحى من الشعب ومن المؤسستين الأمنيتين، وذلك بعد أن عمّ فتيل الثورة إثر إقدام الراحل محمد البوعزيزي على حرق نفسه، وهي حادثة كانت كفيلة بإعلان انفجار الوضع بعد حالة الاحتقان التي كانت تسود المجتمع التونسي في تلك الفترة. لتتبعها أحداث وتحركات في أغلب جهات الجمهورية، وانتهت بتهاوي منظومة الحكم وعجزها عن التحكم في الوضع ورفض الاستجابة للمطالب الشعبية الواسعة بعد الإعلان رسميا عن فرار رئيس الدولة الراحل زين العابدين بن علي وبعض أفراد عائلته والمقربين من دوائر القرار.
منعرج جديد
لتدخل بلادنا منذ فجر يوم 15 جانفي 2011 منعرجا جديدا في تاريخها السياسي كان مرشحا لتحكمه العديد من السرديات في ظل واقع «الصدمة» للتونسيين. لتدخل بذلك الدولة في مرحلة سجال دستوري وسياسي جديدة انطلق بتعيين الوزير الأول محمد الغنوشي رئيسا للجمهورية استنادا إلى الفصل 56 من الدستور التونسي، ليتم بعد ذلك التراجع وإعلان فؤاد المبزع، رئيس مجلس نواب الشعب، رئيسا موقتا للجمهورية استنادا إلى الفصل 57 من نفس الدستور.
ولئن انغمس أغلب التونسيين في الانتشاء بفرحة سقوط منظومة بن علي وحملات الاعتقالات والمداهمات لبعض أفراد عائلة الرئيس الأسبق الراحل ومنظومة حكمه، فإن فئة أخرى من النخب السياسية، سواء ممن كانوا يعيشون في المنفى أو خارج حدود الوطن من معارضي النظام السابق أو مؤيديه أو من الفئة الصامتة داخل تونس وخارجها، اختارت التموقع في الكواليس السياسية لهندسة وصياغة سياسة الدولة في مرحلة ما بعد عقود حكم حزب واحد للدولة. وذلك بعد أن أخذت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي بزمام المشهد والتصور والقرار في فترة ما بعد الثورة، وتمهيدا قانونيا لتنظيم أول انتخابات نزيهة وشفافة في تونس ما بعد الثورة.
وهي مرحلة فتحت الأبواب على مصراعيها لتلوينات سياسية وأيديولوجية مختلفة، لتحتل الصفوف الأولى في المشهد العام للدولة وتفتح بذلك صفحة جديدة في تونس تكون الأجندات الأجنبية والمصالح الحزبية والشخصية الضيقة عنوانها والخط الذي طبع سياسة الدولة في مرحلة ما بعد الثورة.
فكان انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي في أكتوبر 2011 وتصدر حركة النهضة نتائج الصندوق، لتنبثق عن ذلك منظومة حكم جديدة بدت للجميع بمثابة تقاسم غنيمة حكم ودولة. وهي مرحلة شكلت بداية الانحراف عن أهداف الثورة في ظل كم الأحزاب والوجوه السياسية التي أفرزها المشهد، وهي مرحلة كانت منطلقًا لمراحل ومستجدات أخرى في الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية في تونس.
فغابت البرامج والمبادرات والقرارات الكفيلة بالاستجابة لمطالب الثورة والشباب الثائر، لتعم الأحزاب والجمعيات والهياكل الحزبية والمدنية تحت أسماء وأهداف مختلفة، وفي المقابل بدت التحالفات والتوافق والمحاصصات السمة الطاغية على المشهد السياسي في تونس خلال السنوات الأولى للثورة.
ولعل المخاض الذي عاشه التونسيون قبل الحسم في دستور تونس 2014 كان كافيا ليكشف مستوى وأهداف الطبقة السياسية التي حكمت تونس في تلك الفترة، ودخول المنظمات والهياكل الوطنية والمدنية على خط تحقيق التقارب والمعادلة في المشهد السياسي في تونس، ليبرز صعوبة المرحلة بعد أن توج الرباعي الراعي للحوار الوطني بجائزة نوبل للسلام في سنة 2015، وذلك تقديرا لدوره في قيادة الحوار الوطني التونسي الذي جنّب البلاد الانهيار وحافظ على مسار الانتقال الديمقراطي بعد ثورة 2011. ويتكون هذا الرباعي من كل من الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
حكومات متعاقبة
وبعد تنظيم أول انتخابات رئاسية وتشريعية في تونس سنة 2014 استنادا إلى الدستور الجديد الذي اختار مهندسوه أن يكون نظام الدولة برلمانيا مختلطا، يكون فيها رئيس الجمهورية محدود الصلاحيات، والتي أسفرت عن انتخاب الراحل الباجي قايد السبسي رئيسا للجمهورية بعد تصدر حزبه نداء تونس نتائج الانتخابات، وتليه حركة النهضة، لم يحمل الجديد للحالمين بدولة الإنصاف والتشغيل والعدالة الاجتماعية والتنمية داخل الجهات، بل فتح المجال لمنظومة حكم انبنت على التوافق بين رئيسي حزبي نداء تونس الباجي قائد السبسي وحركة النهضة راشد الغنوشي، ليعلنا بذلك الموت السريري لأحلام شباب لطالما انتظروها في تونس ما بعد الثورة.
لتدخل بذلك الدولة في دوامة من الصراعات الحزبية والسياسية وتطغى المحسوبية مقابل تغييب الكفاءات، ويعم الفساد ومظاهر العنف، لاسيما بعد انتشار ثقافة التطرف والإرهاب وتزايد الإقبال على القروض الخارجية والتداين الذي أرهق ميزانية الدولة وغياب أي بوادر للإصلاح وبناء الدولة الديمقراطية والمتطورة.
فغاب الاستقرار في منظومة الحكم بعد أن دخلت الأحزاب المكونة لها في دوامة من الخلافات والانقسامات، سواء تعلق الأمر بحركة النهضة أو نداء تونس وحلفاءها، وقبلها أحزاب الترويكا والجبهة الشعبية وغيرها.
فكانت النتيجة أن تواترت على الحكم تسع حكومات إلى حد فترة ما قبل انتخابات 2019، فكان غياب الانسجام وعدم توفر برامج أو رؤية سياسية واضحة السمة التي ميزت جميع هذه الحكومات وتركيباتها التي جاءت مجملها في سياق محاصصات كانت أقرب لتقاسم الغنائم.
لتكون فترة ما بعد انتخابات 2019 التي صعد فيها إلى قصر قرطاج رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيّد منطلقا جديدا في سياسة الدولة، بعد أن دخلت كافة مكونات منظومة الحكم في دوامة من التوتر والخلافات والصدامات، ليكون الشارع التونسي مرة أخرى هو الحاسم في هذه الوضعية بعد أن خرج يوم 25 جويلية 2021 معلنا رفضه للطبقة السياسية الحاكمة والصراع الدائر بين القصبة وباردو وقرطاج، مقابل تفويضه أمر الحكم للرئيس قيس سعيّد. لتفتح بذلك تلك الهبة الشعبية الحاسمة مرحلة أخرى في مسار الثورة التونسية، لاسيما بعد القرارات الثورية التي عرفتها بلادنا، لتعيد الأمل للتونسيين في تونس جديدة تقطع مع منظومة حكم عشرية ما بعد الثورة وتؤسس لجمهورية جديدة.