-إعلاء قيمة العمل «أم المعارك» لتجسيم كافة الخيارات الكبرى للدولة
-مقرر لجنة التخطيط الاستراتيجي لـ«الصباح»: لا بد من إعلاء قيمة العمل عبر وضع الشخص المناسب في المكان المناسب
تحتاج المرحلة الراهنة في تونس - أكثر من أي وقت مضى - إلى إعلاء قيمة العمل وتثبيتها في صدارة النقاش الوطني، باعتبارها ركيزة أساسية لتجسيم خيارات الدولة وإنجاح مسار الإصلاح في أكثر من مجال.
في سياق وطني تتقاطع فيه التحديات الاقتصادية مع رهانات الاستقرار الاجتماعي، يبرز العمل كقيمة أساسية قادرة على تحويل السياسات من تصوّرات نظرية إلى واقع ملموس، بما يجعل من معركة الوعي بقيمة العمل «أم المعارك» في مسار بناء تونس الحديثة ومن هذا المنطلق، يكتسب إعلاء قيمة العمل في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد دلالة تتجاوز في جوهرها البعد القيمي للعمل لتعكس رؤية تعتبر أن التقدم والتطور لا يُبنى بالتشريعات وحدها، بل بالجهد اليومي والانخراط الفعلي في مسار البناء الوطني.
يعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن العمل محرك أساسي لتجسيم كافة خيارات الدولة الكبرى. فبين الطموحات التي ترسمها التشريعات والخطط الاستراتيجية للدولة في أعلى هرمها، وبين واقع التنفيذ، يظل «إعلاء قيمة العمل» الجسر الوحيد القادر على ترجمة الوعود إلى إنجازات يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
وهذا الطرح تجلّى بوضوح خلال الكلمة التي توجّه بها رئيس الدولة قيس سعيّد إلى الشعب التونسي بمناسبة حلول السنة الإدارية الجديدة، حيث شدد على أهمية تطوير التشريعات، «معتبرا أن القوانين لا تحقق مقاصدها إلا إذا تولّى تنفيذها مسؤولون وطنيون أحرار، متشبّعون بروح المسؤولية ومستعدين للعطاء»، داعيا في الإطار نفسه إلى «إعلاء قيمة العمل ومقاومة تعطيل المشاريع».
العمل كمدخل للبناء
لم يكن حضور العمل في الخطاب الرسمي لرئيس الجمهورية قيس سعيّد مجرّد استعادة لمفهوم قيمة اجتماعية وأخلاقية تقليدية، وإنما مثل منطلقا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ففي هذه المرحلة التي تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع تطلعات التونسيين إلى التنمية والاستقرار، يبرز العمل كقيمة جامعة يتجاوز كونه مجرد أداة إنتاج، وإنما كمعيار اقتصادي هام واستراتيجي لبناء الدولة.
وهذا التموقع يعكس وعيا بأن أي مسار إصلاحي مهما بلغت قيمة تشريعاته أو طموحات مشاريعه، فإنه يظل هشا ما لم يرتكز على ثقافة عمل راسخة ومتجذرة.
وفي هذا الجانب، يعيد رئيس الدولة قيس سعيّد ترتيب المفاهيم السائدة، إذ لا يكتفي بالتأكيد على أهمية الحق في الشغل، وإنما يربطه بواجب المشاركة في البناء الوطني. والعمل، وفقا لهذا التصور، يمثل ترجمة فعلية لمبدأ المواطنة الفاعلة، حيث يصبح الفرد شريكا أساسيا في تجسيم الخيارات الوطنية على أرض الواقع.
وهو طرح يعكس رؤية الدولة في أعلى هرمها التي تصر على أن النقلة الاقتصادية والاجتماعية تصنعها سواعد أبناء الوطن.
ويأتي التشديد على قيمة العمل في سياق وطني مثقل بثقافة تعطيل المشاريع وتراجع النجاعة داخل بعض دواليب الإدارة. ومن هنا، لا ينفصل الخوض في أهمية إعلاء قيمة العمل عن دعوة صريحة إلى مقاومة التعطيل وإعلاء روح المسؤولية. فخطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد لا يضع الإشكال في نقص القوانين أو في غياب الموارد، بقدر ما يصنفه في خانة ضعف الالتزام وروتين التنفيذ وتقاعس بعض المسؤولين عن أداء واجبهم بما يتماشى مع مقتضيات المرحلة الراهنة.
وبذلك، يتحوّل العمل إلى معيار أساسي لتقييم مدى جدية الإصلاح وإلى أداة تتيح فرز الجهود الصادقة عن الممارسات التي كبلت التنمية لعقود.
وفي هذا السياق، فإن المتأمل في واقع التحديات الراهنة يدرك تمام الإدراك أن الدولة قد وضعت خيارات واضحة المعالم، ترتكز في جوهرها على الاعتماد على الذات البشرية، وتثمين الموارد الوطنية، والارتقاء بالخدمات العمومية. إلا أن هذه الخيارات، على أهميتها، ستظل مجرد «نصوص صامتة» ما لم تهب عليها رياح ثقافة العمل.
العمل كرافعة للإصلاحات الاقتصادية
في هذا الصدد، وفي صلب الإصلاحات الاقتصادية المزمع تنفيذها، يحتل العمل موقع القلب النابض. فإعادة تحريك عجلة الإنتاج، وإنقاذ المؤسسات العمومية، وتحفيز الاستثمار، كلها مسارات لا يمكن أن تنجح دون إعادة الاعتبار لقيمة الجهد والإنتاج.
وفي هذا الإطار، يتجلى خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد كرسالة واضحة مفادها أن المعالجات المالية أو التقنية، مهما كانت ضرورية، تبقى قاصرة إن لم تترافق مع تغيير في العقليات وسلوكيات العمل. فالثروة لا تُخلق بالقوانين وحدها، وإنما بالالتزام اليومي داخل مواقع الإنتاج والخدمات.
فتعزيز الاستقلالية الاقتصادية لا يتحقق إلا بالترفيع في نسبة الإنتاجية، وتطوير المنظومات الصحية والتربوية رهين الانضباط المهني والتفاني في العمل وأداء الواجب، وهو ما يجعل من معركة الوعي بقيمة العمل «أم المعارك» في مسار بناء تونس الحديثة.
وهذا ما يراهن عليه اليوم رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي يعتبر أن العمل يتجاوز كونه مجرد نشاط اقتصادي، فهو العمود الفقري الذي يترجم مختلف الإصلاحات والمشاريع الكبرى إلى واقع ملموس. كما أن العمل، وفقا لرؤية رئيس الدولة قيس سعيّد، هو بمثابة «الجسر» الذي يربط بين إرادة الدولة وتطلعات الشعب، وهو الضامن الوحيد لتحويل التشريعات إلى إنجازات يلحظها المواطن في المستشفى والمدرسة، ووسائل النقل وغيرها...
ووفقا لهذا التوجه، يطرح خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد معادلة واضحة قوامها: لا عدالة اجتماعية دون عمل، ولا استقرار دون توزيع عادل للجهود. والعمل، وفقا لهذا المفهوم، لا يمثل وسيلة لكسب العيش فقط، وإنما أداة لتحقيق الإنصاف وتقليص الفوارق الاجتماعية. ومن خلال ربط العدالة بخلق الثروة، تبتعد رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد عن منطق التقاسم السلبي للموارد المحدودة ليتجه نحو توسيع قاعدة الإنتاج. وفي هذا السياق، يصبح إعلاء قيمة العمل شرطًا لبناء عقد اجتماعي جديد، قوامه الإنصاف الذي يقابله جهود مبذولة.
الشباب والعمل
من جهة أخرى، يكتسب الحديث عن العمل بعدا آخر حين يتصل بالشباب الذين يمثلون الفئة الأكثر تضررا من البطالة، والأكثر قدرة في الآن ذاته على صناعة التغيير المنشود. وأكد رئيس الدولة قيس سعيّد في كلمته الأخيرة أن الشباب طاقة كامنة، داعيا إلى فتح الأبواب أمامهم للمبادرة والابتكار. وهنا، لا يُختزل العمل في الوظيفة العمومية أو في الحلول التقليدية، بل يُطرح كأفق واسع يشمل ريادة الأعمال، والمشاريع الصغرى، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وهو توجه ينسجم مع سعي الدولة إلى تجديد نموذجها التنموي.
ولعل المشاريع الكبرى التي أعلنت عنها الدولة، من شركات أهلية ومناطق صناعية كبرى ومشاريع بنية تحتية، تمثل الاختبار الحقيقي لهذه العقيدة الجديدة. فهذه المشاريع ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة، وإنما هي ميادين لاسترداد كرامة العمل. ومن خلالها، يسعى رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى خلق «ديناميكية وطنية» تعيد للشباب ثقته في قدرته على التغيير.
الإدارة الواجهة الأساسية للعمل
ولا يمكن فصل إعلاء قيمة العمل عن مشروع إصلاح الإدارة، التي تمثل الواجهة الأساسية للإصلاحات التي تقودها الدولة. فقد شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على أن القوانين لا تحقق أهدافها إلا إذا تولى تنفيذها مسؤولون متشبّعون بثقافة العمل والعطاء.
فالإدارة التونسية، التي تُعد قاطرة التنمية، مدعوة اليوم للتخلي عن الرتابة والبيروقراطية المعطلة. فإعلاء قيمة العمل داخل أروقتها يعني تبسيط الإجراءات، وخدمة المواطن بفعالية، والضرب على أيدي المتقاعسين، حتى تصبح الوظيفة العمومية تكليفًا وطنيًا يهدف إلى تيسير حياة الناس. وقد شدد على ذلك رئيس الدولة قيس سعيّد في أكثر من مناسبة، داعيا إلى أن يكون المسؤولون في خدمة المواطن، وأن يكونوا أداة فعلية لترجمة خيارات المرحلة.
ومن هذا المنطلق، يتحول العمل إلى معيار للنجاعة ولتقييم الأداء، بما يعكس إرادة سياسية للقطع مع ممارسات كبلت الإدارة على مدار سنوات والتوجه نحو بناء إدارة فاعلة قادرة على مرافقة المشاريع الكبرى وإنجاحها.
تفاعلا مع هذا الطرح، يشير مقرر لجنة التخطيط الاستراتيجي بمجلس نواب الشعب صالح السالمي في تصريح لـ«الصباح» إلى أن طبيعة المرحلة الراهنة تفرض إعلاء قيمة العمل من خلال وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، حتى يتسنى بلوغ الأهداف المرجوة، هذا بالتوازي مع تأمين آلية التكوين المستمر، خاصة وأن الإدارة التونسية عاشت عقب الثورة ما وصفه بـ «الرجة»، وبالتالي لا بد من تأمين آليات نتجاوز من خلالها ثقافة التواكل واللامسؤولية.
العمل والسيادة
إعلاء قيمة العمل في خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد يرتبط بمفهوم أوسع وهو السيادة الوطنية. فالدولة التي يعمل أبناؤها وتنتج بسواعدهم، هي دولة أكثر قدرة على حماية استقرار قرارها الوطني. ومن هذا المنطلق، يصبح العمل معيارا سياديا من شأنه أن يحرّر البلاد من الارتهان ويمنحها هامشا من التحركات الواسعة في صياغة خياراتها الاقتصادية والاجتماعية.
وبالتالي، تتحول أهمية إعلاء قيمة العمل كشرط أساسي لنجاح مختلف الإصلاحات وتجسيم خيارات الدولة في هذه المرحلة الدقيقة. فالنهضة المنشودة بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية، لن تتحقق بالتشريعات وحدها ولا بالمخططات المرسومة، بل بإعادة الاعتبار لقيمة العمل كفعل ووعي ومسؤولية.
فتأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على قيمة العمل كركيزة أساسية للإصلاح، هو بمثابة «البوصلة» التي ستحدد ملامح تونس في السنوات القادمة، على اعتبار أن الطريق نحو السيادة الكاملة والازدهار الاقتصادي يمر حتمًا عبر معامل الإنتاج وحقول العطاء.
وتونس اليوم، ومن خلال إرادة سياسية واضحة المعالم، تفتح ذراعيها وأكثر من أي وقت مضى لمن يقدس الجهد ويؤمن بأن العمل هو السبيل الأوحد لتجسيم سيادة الشعب وبناء دولة عادلة وقوية.
منال حرزي
-إعلاء قيمة العمل «أم المعارك» لتجسيم كافة الخيارات الكبرى للدولة
-مقرر لجنة التخطيط الاستراتيجي لـ«الصباح»: لا بد من إعلاء قيمة العمل عبر وضع الشخص المناسب في المكان المناسب
تحتاج المرحلة الراهنة في تونس - أكثر من أي وقت مضى - إلى إعلاء قيمة العمل وتثبيتها في صدارة النقاش الوطني، باعتبارها ركيزة أساسية لتجسيم خيارات الدولة وإنجاح مسار الإصلاح في أكثر من مجال.
في سياق وطني تتقاطع فيه التحديات الاقتصادية مع رهانات الاستقرار الاجتماعي، يبرز العمل كقيمة أساسية قادرة على تحويل السياسات من تصوّرات نظرية إلى واقع ملموس، بما يجعل من معركة الوعي بقيمة العمل «أم المعارك» في مسار بناء تونس الحديثة ومن هذا المنطلق، يكتسب إعلاء قيمة العمل في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد دلالة تتجاوز في جوهرها البعد القيمي للعمل لتعكس رؤية تعتبر أن التقدم والتطور لا يُبنى بالتشريعات وحدها، بل بالجهد اليومي والانخراط الفعلي في مسار البناء الوطني.
يعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن العمل محرك أساسي لتجسيم كافة خيارات الدولة الكبرى. فبين الطموحات التي ترسمها التشريعات والخطط الاستراتيجية للدولة في أعلى هرمها، وبين واقع التنفيذ، يظل «إعلاء قيمة العمل» الجسر الوحيد القادر على ترجمة الوعود إلى إنجازات يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
وهذا الطرح تجلّى بوضوح خلال الكلمة التي توجّه بها رئيس الدولة قيس سعيّد إلى الشعب التونسي بمناسبة حلول السنة الإدارية الجديدة، حيث شدد على أهمية تطوير التشريعات، «معتبرا أن القوانين لا تحقق مقاصدها إلا إذا تولّى تنفيذها مسؤولون وطنيون أحرار، متشبّعون بروح المسؤولية ومستعدين للعطاء»، داعيا في الإطار نفسه إلى «إعلاء قيمة العمل ومقاومة تعطيل المشاريع».
العمل كمدخل للبناء
لم يكن حضور العمل في الخطاب الرسمي لرئيس الجمهورية قيس سعيّد مجرّد استعادة لمفهوم قيمة اجتماعية وأخلاقية تقليدية، وإنما مثل منطلقا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ففي هذه المرحلة التي تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع تطلعات التونسيين إلى التنمية والاستقرار، يبرز العمل كقيمة جامعة يتجاوز كونه مجرد أداة إنتاج، وإنما كمعيار اقتصادي هام واستراتيجي لبناء الدولة.
وهذا التموقع يعكس وعيا بأن أي مسار إصلاحي مهما بلغت قيمة تشريعاته أو طموحات مشاريعه، فإنه يظل هشا ما لم يرتكز على ثقافة عمل راسخة ومتجذرة.
وفي هذا الجانب، يعيد رئيس الدولة قيس سعيّد ترتيب المفاهيم السائدة، إذ لا يكتفي بالتأكيد على أهمية الحق في الشغل، وإنما يربطه بواجب المشاركة في البناء الوطني. والعمل، وفقا لهذا التصور، يمثل ترجمة فعلية لمبدأ المواطنة الفاعلة، حيث يصبح الفرد شريكا أساسيا في تجسيم الخيارات الوطنية على أرض الواقع.
وهو طرح يعكس رؤية الدولة في أعلى هرمها التي تصر على أن النقلة الاقتصادية والاجتماعية تصنعها سواعد أبناء الوطن.
ويأتي التشديد على قيمة العمل في سياق وطني مثقل بثقافة تعطيل المشاريع وتراجع النجاعة داخل بعض دواليب الإدارة. ومن هنا، لا ينفصل الخوض في أهمية إعلاء قيمة العمل عن دعوة صريحة إلى مقاومة التعطيل وإعلاء روح المسؤولية. فخطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد لا يضع الإشكال في نقص القوانين أو في غياب الموارد، بقدر ما يصنفه في خانة ضعف الالتزام وروتين التنفيذ وتقاعس بعض المسؤولين عن أداء واجبهم بما يتماشى مع مقتضيات المرحلة الراهنة.
وبذلك، يتحوّل العمل إلى معيار أساسي لتقييم مدى جدية الإصلاح وإلى أداة تتيح فرز الجهود الصادقة عن الممارسات التي كبلت التنمية لعقود.
وفي هذا السياق، فإن المتأمل في واقع التحديات الراهنة يدرك تمام الإدراك أن الدولة قد وضعت خيارات واضحة المعالم، ترتكز في جوهرها على الاعتماد على الذات البشرية، وتثمين الموارد الوطنية، والارتقاء بالخدمات العمومية. إلا أن هذه الخيارات، على أهميتها، ستظل مجرد «نصوص صامتة» ما لم تهب عليها رياح ثقافة العمل.
العمل كرافعة للإصلاحات الاقتصادية
في هذا الصدد، وفي صلب الإصلاحات الاقتصادية المزمع تنفيذها، يحتل العمل موقع القلب النابض. فإعادة تحريك عجلة الإنتاج، وإنقاذ المؤسسات العمومية، وتحفيز الاستثمار، كلها مسارات لا يمكن أن تنجح دون إعادة الاعتبار لقيمة الجهد والإنتاج.
وفي هذا الإطار، يتجلى خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد كرسالة واضحة مفادها أن المعالجات المالية أو التقنية، مهما كانت ضرورية، تبقى قاصرة إن لم تترافق مع تغيير في العقليات وسلوكيات العمل. فالثروة لا تُخلق بالقوانين وحدها، وإنما بالالتزام اليومي داخل مواقع الإنتاج والخدمات.
فتعزيز الاستقلالية الاقتصادية لا يتحقق إلا بالترفيع في نسبة الإنتاجية، وتطوير المنظومات الصحية والتربوية رهين الانضباط المهني والتفاني في العمل وأداء الواجب، وهو ما يجعل من معركة الوعي بقيمة العمل «أم المعارك» في مسار بناء تونس الحديثة.
وهذا ما يراهن عليه اليوم رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي يعتبر أن العمل يتجاوز كونه مجرد نشاط اقتصادي، فهو العمود الفقري الذي يترجم مختلف الإصلاحات والمشاريع الكبرى إلى واقع ملموس. كما أن العمل، وفقا لرؤية رئيس الدولة قيس سعيّد، هو بمثابة «الجسر» الذي يربط بين إرادة الدولة وتطلعات الشعب، وهو الضامن الوحيد لتحويل التشريعات إلى إنجازات يلحظها المواطن في المستشفى والمدرسة، ووسائل النقل وغيرها...
ووفقا لهذا التوجه، يطرح خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد معادلة واضحة قوامها: لا عدالة اجتماعية دون عمل، ولا استقرار دون توزيع عادل للجهود. والعمل، وفقا لهذا المفهوم، لا يمثل وسيلة لكسب العيش فقط، وإنما أداة لتحقيق الإنصاف وتقليص الفوارق الاجتماعية. ومن خلال ربط العدالة بخلق الثروة، تبتعد رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد عن منطق التقاسم السلبي للموارد المحدودة ليتجه نحو توسيع قاعدة الإنتاج. وفي هذا السياق، يصبح إعلاء قيمة العمل شرطًا لبناء عقد اجتماعي جديد، قوامه الإنصاف الذي يقابله جهود مبذولة.
الشباب والعمل
من جهة أخرى، يكتسب الحديث عن العمل بعدا آخر حين يتصل بالشباب الذين يمثلون الفئة الأكثر تضررا من البطالة، والأكثر قدرة في الآن ذاته على صناعة التغيير المنشود. وأكد رئيس الدولة قيس سعيّد في كلمته الأخيرة أن الشباب طاقة كامنة، داعيا إلى فتح الأبواب أمامهم للمبادرة والابتكار. وهنا، لا يُختزل العمل في الوظيفة العمومية أو في الحلول التقليدية، بل يُطرح كأفق واسع يشمل ريادة الأعمال، والمشاريع الصغرى، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وهو توجه ينسجم مع سعي الدولة إلى تجديد نموذجها التنموي.
ولعل المشاريع الكبرى التي أعلنت عنها الدولة، من شركات أهلية ومناطق صناعية كبرى ومشاريع بنية تحتية، تمثل الاختبار الحقيقي لهذه العقيدة الجديدة. فهذه المشاريع ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة، وإنما هي ميادين لاسترداد كرامة العمل. ومن خلالها، يسعى رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى خلق «ديناميكية وطنية» تعيد للشباب ثقته في قدرته على التغيير.
الإدارة الواجهة الأساسية للعمل
ولا يمكن فصل إعلاء قيمة العمل عن مشروع إصلاح الإدارة، التي تمثل الواجهة الأساسية للإصلاحات التي تقودها الدولة. فقد شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على أن القوانين لا تحقق أهدافها إلا إذا تولى تنفيذها مسؤولون متشبّعون بثقافة العمل والعطاء.
فالإدارة التونسية، التي تُعد قاطرة التنمية، مدعوة اليوم للتخلي عن الرتابة والبيروقراطية المعطلة. فإعلاء قيمة العمل داخل أروقتها يعني تبسيط الإجراءات، وخدمة المواطن بفعالية، والضرب على أيدي المتقاعسين، حتى تصبح الوظيفة العمومية تكليفًا وطنيًا يهدف إلى تيسير حياة الناس. وقد شدد على ذلك رئيس الدولة قيس سعيّد في أكثر من مناسبة، داعيا إلى أن يكون المسؤولون في خدمة المواطن، وأن يكونوا أداة فعلية لترجمة خيارات المرحلة.
ومن هذا المنطلق، يتحول العمل إلى معيار للنجاعة ولتقييم الأداء، بما يعكس إرادة سياسية للقطع مع ممارسات كبلت الإدارة على مدار سنوات والتوجه نحو بناء إدارة فاعلة قادرة على مرافقة المشاريع الكبرى وإنجاحها.
تفاعلا مع هذا الطرح، يشير مقرر لجنة التخطيط الاستراتيجي بمجلس نواب الشعب صالح السالمي في تصريح لـ«الصباح» إلى أن طبيعة المرحلة الراهنة تفرض إعلاء قيمة العمل من خلال وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، حتى يتسنى بلوغ الأهداف المرجوة، هذا بالتوازي مع تأمين آلية التكوين المستمر، خاصة وأن الإدارة التونسية عاشت عقب الثورة ما وصفه بـ «الرجة»، وبالتالي لا بد من تأمين آليات نتجاوز من خلالها ثقافة التواكل واللامسؤولية.
العمل والسيادة
إعلاء قيمة العمل في خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد يرتبط بمفهوم أوسع وهو السيادة الوطنية. فالدولة التي يعمل أبناؤها وتنتج بسواعدهم، هي دولة أكثر قدرة على حماية استقرار قرارها الوطني. ومن هذا المنطلق، يصبح العمل معيارا سياديا من شأنه أن يحرّر البلاد من الارتهان ويمنحها هامشا من التحركات الواسعة في صياغة خياراتها الاقتصادية والاجتماعية.
وبالتالي، تتحول أهمية إعلاء قيمة العمل كشرط أساسي لنجاح مختلف الإصلاحات وتجسيم خيارات الدولة في هذه المرحلة الدقيقة. فالنهضة المنشودة بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية، لن تتحقق بالتشريعات وحدها ولا بالمخططات المرسومة، بل بإعادة الاعتبار لقيمة العمل كفعل ووعي ومسؤولية.
فتأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على قيمة العمل كركيزة أساسية للإصلاح، هو بمثابة «البوصلة» التي ستحدد ملامح تونس في السنوات القادمة، على اعتبار أن الطريق نحو السيادة الكاملة والازدهار الاقتصادي يمر حتمًا عبر معامل الإنتاج وحقول العطاء.
وتونس اليوم، ومن خلال إرادة سياسية واضحة المعالم، تفتح ذراعيها وأكثر من أي وقت مضى لمن يقدس الجهد ويؤمن بأن العمل هو السبيل الأوحد لتجسيم سيادة الشعب وبناء دولة عادلة وقوية.