كشف فتح ملف هنشير "الشعاّل" من قبل رئيس الجمهورية عن حجم الفساد الذي لحق هذه الضيعة الفلاحية الشاسعة وتحرك النيابة العمومية في السياق، وما وجدته التطورات المسجلة في الغرض وحجم العبث والفساد من ردود أفعال واستنكار واسعة، عن مدى تفشي عقلية الفساد والعدائية ضد أملاك الدولة المادية واللامادية على حد السواء إلى حد هذه المرحلة في عصر التطور والانفتاح وطنيا وعالميا وما سجلته من تغيير في المقاربات والمعادلات القانونية والتنظيمية والثقافية والاقتصادية بعد انتشار التعليم والنقلة النوعية المعتبرة في ثقافة ووعي وإدراك التونسي بالأساس.
وهو سلوك عدائي يلخصه ويختزله المفهوم المتداول في عبارة "رزق البيليك" بما تعنيه العبارة التي تعود للتداول بمرجعيتيها التاريخية والثقافية لدى البعض من استباحة ملك الدولة وإهدار المال العام وحق التصرف فيه وإتلافه. وكم هي عديدة ملفات الفساد المشابهة والمتعلقة بمؤسسات ومنشآت عمومية من ضيعات وأراض فلاحية ومصانع وطرقات وفضاءات ومحطات ومساحات وساحات وحدائق وشواطئ ووسائل نقل ومستشفيات وغيرها من الأملاك التي كانت عرضة للنهب والتخريب والتلاعب بعضها مطروح على أنظار العدالة والبعض الآخر ينتظر التدخل، خاصة أمام صمت الجهات الرسمية ودخول طرف جديد على خط استغلال مثل هذه الأملاك العمومية التي طالتها أيادي الفساد والعبث والتلاعب والسرقة من "كناطرية" ومافيات التهريب والفساد.
ولم يقتصر أمر العبث بهذه الممتلكات العمومية وتعريض المصلحة العامة للضرر خلال السنوات الأخيرة فحسب، بل هو سلوك متوارث عبر أجيال متعاقبة وعرف أوجه في مراحل متفاوتة من تاريخ تونس المعاصر لاسيما في مراحل تراجع الدولة إن لم يكن انخراط بعض القائمين عليها في هذا الفساد وتقديم تسهيلات قانونية وتشريعية أو تجاوزات في إطار تقاطع المصالح مع شبكات اللصوصية والزبونية والاحتكار التي تتداخل فيها عديد الجهات والمصالح وذلك عبر توظيف القانون لاستغلال والتفريط في الملك العمومي والتصرف فيه بطرق يخالها أصحابها أنها قانونية وكفيلة بحمايتهم من أي تتبع قضائي، أو أن يكونوا محل شبهات فساد، باعتبار أن مثل تلك الممارسات تكررت ووجد أصحابها الحماية من جهات مختلفة.
ففي العقدين الأخيرين لم تسجل بلادنا سياسة جدية لفتح ملفات الفساد المتفشية في جميع القطاعات والمجالات، وسبق أن أطلقت عديد الجهات صيحات فزع في الغرض، وذلك في علاقة بالتعاطي مع رزق "البيليك" بما يضع حدا للتجاوزات المسجلة في الغرض تحت غطاء حزبي أو سياسي أو إداري أو رسمي أو مدني أو غيرها من العوامل الأخرى المشجعة على التلاعب بهذه المنشآت أو الممتلكات فلاحية كانت أو صناعية وأثرية أو غيرها من المؤسسات. بل ظل هذا الملف مجرد شعار سياسي انتخابي لا غير أو عامل ابتزاز وضغط على الضالعين فيه من رجال أعمال وغيرهم.
ولعل ما يجعل هبّة الجهات الرسمية في السنوات الأخيرة لفتح ملفات الفساد وكشف حقائق ومعطيات تدين أصحابها وتكشف حجم التجاوزات للرأيين الخاص والعام، وملف هنشير الشعال من بين ملفات الفساد الكبرى التي تكشف حجم الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة وممتلكاتها ومنشآتها، يؤكد عودة روح الوطنية لدى شق واسع من المواطنين الذين عانوا الويلات من تراجع أو غياب دور الدولة في جميع المجالات. وكانت تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشها التونسيون أثناء أزمة كوفيد 19 الصحية العالمية بعد حملة تفويت واسعة في أملاك الدولة من مؤسسات مصادرة وغيرها، من العوامل التي جعلت المواقف المنتصرة لضرورة وقف نزيف سياسة الأرض المحروقة المعتمدة من قبل البعض تجاه بعض مؤسسات الدولة من مصانع وشركات نقل وخدمات ومنشآت صحية وتعليمية وإدارية وأملاك فلاحية بحرية وغيرها، تجد الاستحسان والترحيب الكبير.
ومن شأن فتح تدقيق شامل حول العبث والفساد والنهب المسجل في أملاك الدولة أن يساهم في الحد من تفشي ثقافة اللامبالاة تجاه كل أملاك الدولة من سيارات إدارية وتجهيزات واستغلال الماء والكهرباء والمكيفات والمساحات الخضراء والحدائق والطرقات ووسائل النقل. خاصة في ظل مراهنة سياسة الدولة اليوم على ضرورة إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها والرقي بخدماتها من خلال التوجه إلى البحث عن حلول لأزمات بعض المؤسسات التي تعرضت للتدمير الممنهج والنهب والدفع لإعادة استغلالها وإيقاف كل محاولات التفريط فيها، على غرار شركة الخطوط الجوية التونسية ومعمل الفولاذ بمنزل بورقيبة ومصنع السكر بباجة ومعمل الحلفاء بالقصرين. لتكرس لدى الجميع أن ملك الدولة هو جزء من الحل لتونس والتونسيين وليس العكس.
نزيهة الغضباني
كشف فتح ملف هنشير "الشعاّل" من قبل رئيس الجمهورية عن حجم الفساد الذي لحق هذه الضيعة الفلاحية الشاسعة وتحرك النيابة العمومية في السياق، وما وجدته التطورات المسجلة في الغرض وحجم العبث والفساد من ردود أفعال واستنكار واسعة، عن مدى تفشي عقلية الفساد والعدائية ضد أملاك الدولة المادية واللامادية على حد السواء إلى حد هذه المرحلة في عصر التطور والانفتاح وطنيا وعالميا وما سجلته من تغيير في المقاربات والمعادلات القانونية والتنظيمية والثقافية والاقتصادية بعد انتشار التعليم والنقلة النوعية المعتبرة في ثقافة ووعي وإدراك التونسي بالأساس.
وهو سلوك عدائي يلخصه ويختزله المفهوم المتداول في عبارة "رزق البيليك" بما تعنيه العبارة التي تعود للتداول بمرجعيتيها التاريخية والثقافية لدى البعض من استباحة ملك الدولة وإهدار المال العام وحق التصرف فيه وإتلافه. وكم هي عديدة ملفات الفساد المشابهة والمتعلقة بمؤسسات ومنشآت عمومية من ضيعات وأراض فلاحية ومصانع وطرقات وفضاءات ومحطات ومساحات وساحات وحدائق وشواطئ ووسائل نقل ومستشفيات وغيرها من الأملاك التي كانت عرضة للنهب والتخريب والتلاعب بعضها مطروح على أنظار العدالة والبعض الآخر ينتظر التدخل، خاصة أمام صمت الجهات الرسمية ودخول طرف جديد على خط استغلال مثل هذه الأملاك العمومية التي طالتها أيادي الفساد والعبث والتلاعب والسرقة من "كناطرية" ومافيات التهريب والفساد.
ولم يقتصر أمر العبث بهذه الممتلكات العمومية وتعريض المصلحة العامة للضرر خلال السنوات الأخيرة فحسب، بل هو سلوك متوارث عبر أجيال متعاقبة وعرف أوجه في مراحل متفاوتة من تاريخ تونس المعاصر لاسيما في مراحل تراجع الدولة إن لم يكن انخراط بعض القائمين عليها في هذا الفساد وتقديم تسهيلات قانونية وتشريعية أو تجاوزات في إطار تقاطع المصالح مع شبكات اللصوصية والزبونية والاحتكار التي تتداخل فيها عديد الجهات والمصالح وذلك عبر توظيف القانون لاستغلال والتفريط في الملك العمومي والتصرف فيه بطرق يخالها أصحابها أنها قانونية وكفيلة بحمايتهم من أي تتبع قضائي، أو أن يكونوا محل شبهات فساد، باعتبار أن مثل تلك الممارسات تكررت ووجد أصحابها الحماية من جهات مختلفة.
ففي العقدين الأخيرين لم تسجل بلادنا سياسة جدية لفتح ملفات الفساد المتفشية في جميع القطاعات والمجالات، وسبق أن أطلقت عديد الجهات صيحات فزع في الغرض، وذلك في علاقة بالتعاطي مع رزق "البيليك" بما يضع حدا للتجاوزات المسجلة في الغرض تحت غطاء حزبي أو سياسي أو إداري أو رسمي أو مدني أو غيرها من العوامل الأخرى المشجعة على التلاعب بهذه المنشآت أو الممتلكات فلاحية كانت أو صناعية وأثرية أو غيرها من المؤسسات. بل ظل هذا الملف مجرد شعار سياسي انتخابي لا غير أو عامل ابتزاز وضغط على الضالعين فيه من رجال أعمال وغيرهم.
ولعل ما يجعل هبّة الجهات الرسمية في السنوات الأخيرة لفتح ملفات الفساد وكشف حقائق ومعطيات تدين أصحابها وتكشف حجم التجاوزات للرأيين الخاص والعام، وملف هنشير الشعال من بين ملفات الفساد الكبرى التي تكشف حجم الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة وممتلكاتها ومنشآتها، يؤكد عودة روح الوطنية لدى شق واسع من المواطنين الذين عانوا الويلات من تراجع أو غياب دور الدولة في جميع المجالات. وكانت تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشها التونسيون أثناء أزمة كوفيد 19 الصحية العالمية بعد حملة تفويت واسعة في أملاك الدولة من مؤسسات مصادرة وغيرها، من العوامل التي جعلت المواقف المنتصرة لضرورة وقف نزيف سياسة الأرض المحروقة المعتمدة من قبل البعض تجاه بعض مؤسسات الدولة من مصانع وشركات نقل وخدمات ومنشآت صحية وتعليمية وإدارية وأملاك فلاحية بحرية وغيرها، تجد الاستحسان والترحيب الكبير.
ومن شأن فتح تدقيق شامل حول العبث والفساد والنهب المسجل في أملاك الدولة أن يساهم في الحد من تفشي ثقافة اللامبالاة تجاه كل أملاك الدولة من سيارات إدارية وتجهيزات واستغلال الماء والكهرباء والمكيفات والمساحات الخضراء والحدائق والطرقات ووسائل النقل. خاصة في ظل مراهنة سياسة الدولة اليوم على ضرورة إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها والرقي بخدماتها من خلال التوجه إلى البحث عن حلول لأزمات بعض المؤسسات التي تعرضت للتدمير الممنهج والنهب والدفع لإعادة استغلالها وإيقاف كل محاولات التفريط فيها، على غرار شركة الخطوط الجوية التونسية ومعمل الفولاذ بمنزل بورقيبة ومصنع السكر بباجة ومعمل الحلفاء بالقصرين. لتكرس لدى الجميع أن ملك الدولة هو جزء من الحل لتونس والتونسيين وليس العكس.