أعادت حادثة غرق 3 رضّع أمس قبالة سواحل جربة بعد غرق قارب لمهاجرين غير نظاميين وانتهاء المأساة بانتشال 12 جثّة من بينها جثث الرضع، إلى السطح الأحداث ملف "الحرقة العائلية" الذي تصاعدت وتيرته في السنوات الأخيرة حيث لم يعد هناك خوف أو حرج من العائلات من أن تصطحب معها أطفالها في عمليات الهجرة تلك وبعضهم يكون عمره لا يتجاوز بضعة أشهر ، كما لا تجد عائلات أخرى حرجا في توفير المال لأطفالها القصّر من أجل نفقات الهجرة غير النظامية !
واقع مأساوي يتكرّر كل يوم وجثث تطفو من حين إلى آخر على طول شواطئنا البحرية لأطفال ورضّع قرّرت العائلة مكانهم أن ترسلهم أو تشجّعهم على مجازفة محفوفة بالمخاطر تنتهي في الغالب بكارثة.
كارثة ما زال البعض يردّدها إلى اليوم من خلال وقائع ما تزال عالقة بالذاكرة كواقعة موت عائلة رضا البوكحيلي في جوان 2022 المكونة من زوجته وابنه ذو العشر سنوات وابنته البالغة 12 سنة بعد محاولة هجرة غير نظامية فاشلة، ورغم تلك المأساة والتي تتشابه تفاصيلها مع وقائع سابقة ولاحقة لها إلا أنه إلى اليوم لم تُفرد مسألة "الحرقة" العائلية بالاهتمام اللازم رغم أن ضحاياها هم من الأطفال والذين يشدّد القانون التونسي على ضرورة حمايتهم من المخاطر بما في ذلك الخطر المتأتي من العائلة .
مجهودات أقل من المأساة ..
تشير إحصائيات رسمية إلى أنه في سنة 2021 هناك 655 قاصرا وصلوا إلى إيطاليا وأعمارهم تتراوح بين سنتين و14 سنة وهؤلاء كان في الغالب برفقة عائلاتهم أو على الأقل فردا من العائلة، كما أن هناك إحصائيات تشير وفي نفس الفترة تقريبا إلى أن هناك حوالي 1421 طفلا تتراوح أعمارهم بين 14 و17 سنة انتهى بهم المطاف في مراكز إيواء القصّر في إيطاليا، ووفق دراسات ميدانية قامت بها منظمات وجمعيات معنية بقضية الهجرة غير النظامية أنه بالنسبة لهؤلاء القصّر، العائلة هي من تقوم بتأمين نفقات عملية الهجرة غير النظامية،بمعنى أن عملية الحرقة وكما تشير إلى ذلك دراسات سوسيولوجية متخصّصة أصبحت ثقافة وحلم لا يقتصر فقط على الفئات الفقيرة والمهمشة والتي كانت تلجأ للحرقة لتأمين حياة أفضل بل تجاوز ذلك إلى الفئات المتوسطة والمتعلّمة .
المختصون في علم الاجتماع يؤكدون أن العائلة التونسية أصبحت تستغل أطفالها وتشجعهم على الهجرة بطريقة غير نظامية، بل هناك عشرات إن لم نقل المئات من تلاميذ المدارس من ترك الدراسة من أجل عملية حرقة تفشل في الغالب أو تنتهي بمأساة الغرق .
وتعود مغامرة العائلات بأطفالهم إلى معرفتهم بسياسيات الهجرة حيث يتحوّل فيها الطفل إلى ورقة رابحة في يد العائلة التي هاجرت بشكل غير نظامي خاصة وأن هناك معاملة خاصة لهؤلاء الأطفال وفق بعض القوانين الأوروبية من ذلك التكفّل بهؤلاء الأطفال إلى حين استكمال دراستهم .
ورغم السياسات المتشددة التي أصبحت تنتهجها تونس في التصدّي لعمليات الهجرة غير النظامية بعد الاتفاقيات الممضاة مع الجانب الإيطالي والأوروبي إلا أن ذلك لم يمنع التدفّقات الكبيرة للقيام بعمليات الهجرة غير النظامية والتي بات بعضها يتم تنظيمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي .
ولم تعد تونس في العشر سنوات الأخيرة، بلد الانطلاق في تنظيم عمليات الهجرة غير النظامية، بل أصبحت أيضا بلد عبور لآلاف المهاجرين الأفارقة والذين يبقى بعضهم ينتظر لأشهر وسنوات في تونس قبل أن تتاح له فرصة العبور إلى الضفة الشمالية من المتوسّط، وتدفقات الهجرة من دول إفريقيا جنوب الصحراء باتت اليوم معضلة كبيرة محليا وإقليميا حيث أن هذه التدفقات التي كانت تعبر جغرافيا من ليبيا غيّرت وجهتها إلى تونس بالنظر إلى الأوضاع التي تعد أكثر استقرارا وأغلبية هؤلاء المهاجرين غير النظامين، يدخلون إلى تونس عن طريق الصحراء وفي أفواج لافتة واليوم الآلاف منهم خيّروا العمل على الاستقرار في تونس وأكبر دليل على ذلك ما يحدث منذ أشهر في منطقتي العامرة وجبنيانة من ولاية صفاقس .
ويذكر أن رئيس الجمهورية قد أكد خلال إشرافه على اجتماع مجلس الأمن القومي في قصر قرطاج، خلال شهر أفريل الماضي، أن تونس لن تكون ضحية ولن تكون لا معبرا ولا مستقرا، بعد التفاقم اللافت لهذه الهجرة، ووقتها أكّد أيضا رئيس الدولة أن تونس فعلت ما يمكنها فعله بناء على القيم الإنسانية وبناء على أن المهاجرين ضحايا لكن لن تكون تونس الضحية لمن دبروا لان تكون مقرا لهؤلاء، وفق تعبيره.
وكانت وزيرة المرأة والطفولة وكبار السنّ السابقة آمال بلحاج موسى، دعت بدورها خلال ورشة عمل انتظمت منذ حوالي سنة إلى تعزيز العمل التشاركي للحد من هشاشة الأطفال المهاجرين المصحوبين وغير المصحوبين الوافدين على بلادنا البالغ عددهم 1800 طفل من مجموع 8000 مهاجر، كما أشارت وقتها وبحضور ممثلين عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمفوضية السامية للاجئين إلى أنّ عدد الأطفال المهاجرين الذين تمتعوا بتدابير الحماية الاجتماعية والقضائية عن طريق مندوبي حماية الطفولة وقضاة الأسرة أو الإحاطة والمرافقة من قبل المنظمات الدولية للهجرة يُناهز 400 طفل..
ورغم كل هذه التدابير فإن الأطفال التونسيين الذين يُزجّ بهم في عمليات هجرة غير نظامية من طرف عائلاتهم أو أطفال المهاجرين الأفارقة ويواجه بعضهم ظروف عيش قاسية في تونس وهم في النهاية ضحايا يجب إفرادهم بإستراتيجية عمل واضحة تكون تهمّ دول شمال وجنوب المتوسّط .
منية العرفاوي
تونس – الصباح
أعادت حادثة غرق 3 رضّع أمس قبالة سواحل جربة بعد غرق قارب لمهاجرين غير نظاميين وانتهاء المأساة بانتشال 12 جثّة من بينها جثث الرضع، إلى السطح الأحداث ملف "الحرقة العائلية" الذي تصاعدت وتيرته في السنوات الأخيرة حيث لم يعد هناك خوف أو حرج من العائلات من أن تصطحب معها أطفالها في عمليات الهجرة تلك وبعضهم يكون عمره لا يتجاوز بضعة أشهر ، كما لا تجد عائلات أخرى حرجا في توفير المال لأطفالها القصّر من أجل نفقات الهجرة غير النظامية !
واقع مأساوي يتكرّر كل يوم وجثث تطفو من حين إلى آخر على طول شواطئنا البحرية لأطفال ورضّع قرّرت العائلة مكانهم أن ترسلهم أو تشجّعهم على مجازفة محفوفة بالمخاطر تنتهي في الغالب بكارثة.
كارثة ما زال البعض يردّدها إلى اليوم من خلال وقائع ما تزال عالقة بالذاكرة كواقعة موت عائلة رضا البوكحيلي في جوان 2022 المكونة من زوجته وابنه ذو العشر سنوات وابنته البالغة 12 سنة بعد محاولة هجرة غير نظامية فاشلة، ورغم تلك المأساة والتي تتشابه تفاصيلها مع وقائع سابقة ولاحقة لها إلا أنه إلى اليوم لم تُفرد مسألة "الحرقة" العائلية بالاهتمام اللازم رغم أن ضحاياها هم من الأطفال والذين يشدّد القانون التونسي على ضرورة حمايتهم من المخاطر بما في ذلك الخطر المتأتي من العائلة .
مجهودات أقل من المأساة ..
تشير إحصائيات رسمية إلى أنه في سنة 2021 هناك 655 قاصرا وصلوا إلى إيطاليا وأعمارهم تتراوح بين سنتين و14 سنة وهؤلاء كان في الغالب برفقة عائلاتهم أو على الأقل فردا من العائلة، كما أن هناك إحصائيات تشير وفي نفس الفترة تقريبا إلى أن هناك حوالي 1421 طفلا تتراوح أعمارهم بين 14 و17 سنة انتهى بهم المطاف في مراكز إيواء القصّر في إيطاليا، ووفق دراسات ميدانية قامت بها منظمات وجمعيات معنية بقضية الهجرة غير النظامية أنه بالنسبة لهؤلاء القصّر، العائلة هي من تقوم بتأمين نفقات عملية الهجرة غير النظامية،بمعنى أن عملية الحرقة وكما تشير إلى ذلك دراسات سوسيولوجية متخصّصة أصبحت ثقافة وحلم لا يقتصر فقط على الفئات الفقيرة والمهمشة والتي كانت تلجأ للحرقة لتأمين حياة أفضل بل تجاوز ذلك إلى الفئات المتوسطة والمتعلّمة .
المختصون في علم الاجتماع يؤكدون أن العائلة التونسية أصبحت تستغل أطفالها وتشجعهم على الهجرة بطريقة غير نظامية، بل هناك عشرات إن لم نقل المئات من تلاميذ المدارس من ترك الدراسة من أجل عملية حرقة تفشل في الغالب أو تنتهي بمأساة الغرق .
وتعود مغامرة العائلات بأطفالهم إلى معرفتهم بسياسيات الهجرة حيث يتحوّل فيها الطفل إلى ورقة رابحة في يد العائلة التي هاجرت بشكل غير نظامي خاصة وأن هناك معاملة خاصة لهؤلاء الأطفال وفق بعض القوانين الأوروبية من ذلك التكفّل بهؤلاء الأطفال إلى حين استكمال دراستهم .
ورغم السياسات المتشددة التي أصبحت تنتهجها تونس في التصدّي لعمليات الهجرة غير النظامية بعد الاتفاقيات الممضاة مع الجانب الإيطالي والأوروبي إلا أن ذلك لم يمنع التدفّقات الكبيرة للقيام بعمليات الهجرة غير النظامية والتي بات بعضها يتم تنظيمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي .
ولم تعد تونس في العشر سنوات الأخيرة، بلد الانطلاق في تنظيم عمليات الهجرة غير النظامية، بل أصبحت أيضا بلد عبور لآلاف المهاجرين الأفارقة والذين يبقى بعضهم ينتظر لأشهر وسنوات في تونس قبل أن تتاح له فرصة العبور إلى الضفة الشمالية من المتوسّط، وتدفقات الهجرة من دول إفريقيا جنوب الصحراء باتت اليوم معضلة كبيرة محليا وإقليميا حيث أن هذه التدفقات التي كانت تعبر جغرافيا من ليبيا غيّرت وجهتها إلى تونس بالنظر إلى الأوضاع التي تعد أكثر استقرارا وأغلبية هؤلاء المهاجرين غير النظامين، يدخلون إلى تونس عن طريق الصحراء وفي أفواج لافتة واليوم الآلاف منهم خيّروا العمل على الاستقرار في تونس وأكبر دليل على ذلك ما يحدث منذ أشهر في منطقتي العامرة وجبنيانة من ولاية صفاقس .
ويذكر أن رئيس الجمهورية قد أكد خلال إشرافه على اجتماع مجلس الأمن القومي في قصر قرطاج، خلال شهر أفريل الماضي، أن تونس لن تكون ضحية ولن تكون لا معبرا ولا مستقرا، بعد التفاقم اللافت لهذه الهجرة، ووقتها أكّد أيضا رئيس الدولة أن تونس فعلت ما يمكنها فعله بناء على القيم الإنسانية وبناء على أن المهاجرين ضحايا لكن لن تكون تونس الضحية لمن دبروا لان تكون مقرا لهؤلاء، وفق تعبيره.
وكانت وزيرة المرأة والطفولة وكبار السنّ السابقة آمال بلحاج موسى، دعت بدورها خلال ورشة عمل انتظمت منذ حوالي سنة إلى تعزيز العمل التشاركي للحد من هشاشة الأطفال المهاجرين المصحوبين وغير المصحوبين الوافدين على بلادنا البالغ عددهم 1800 طفل من مجموع 8000 مهاجر، كما أشارت وقتها وبحضور ممثلين عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمفوضية السامية للاجئين إلى أنّ عدد الأطفال المهاجرين الذين تمتعوا بتدابير الحماية الاجتماعية والقضائية عن طريق مندوبي حماية الطفولة وقضاة الأسرة أو الإحاطة والمرافقة من قبل المنظمات الدولية للهجرة يُناهز 400 طفل..
ورغم كل هذه التدابير فإن الأطفال التونسيين الذين يُزجّ بهم في عمليات هجرة غير نظامية من طرف عائلاتهم أو أطفال المهاجرين الأفارقة ويواجه بعضهم ظروف عيش قاسية في تونس وهم في النهاية ضحايا يجب إفرادهم بإستراتيجية عمل واضحة تكون تهمّ دول شمال وجنوب المتوسّط .