إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

فانوس رمضان… حكاية نورٍ وذاكرةٍ من زمن الفاطميين إلى اليوم

يُعدّ فانوس رمضان من أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بالشهر الكريم في العالم الإسلامي، ولا سيما في مصر حيث يحتل مكانة خاصة في الوجدان الجمعي. 
فمع اقتراب حلول الشهر الكريم، تمتلئ الأسواق بأشكال الفوانيس المتنوعة، وتتزيّن الشوارع والمنازل بأضوائها الملوّنة، في مشهد ليلي يعكس أجواء الفرح والترقب التي تميّز هذا الموسم الروحي.

ويرتبط الفانوس في الذاكرة الشعبية بطفولة أجيال متعاقبة؛ إذ يحرص الأطفال على حمله والتجول به وهم ينشدون الأغاني الرمضانية. 

كما يمثّل اقتناؤه طقساً سنوياً لدى كثير من الأسر، يعلن بداية الاستعداد للشهر الفضيل روحياً واجتماعياً. وهكذا تحوّل الفانوس إلى رمز للبهجة الجماعية، وعنوان لخصوصية رمضان بوصفه موسماً للتقارب الأسري والتكافل الاجتماعي.

وتعود جذور هذا التقليد إلى قرون بعيدة، حين كان الناس يعتمدون على الفوانيس للإنارة ليلاً في زمن لم تكن فيه الكهرباء معروفة. ومع تطور المجتمعات الإسلامية، لم يعد الفانوس مجرد أداة وظيفية، بل اكتسب طابعاً فنياً وزخرفياً مستوحى من العمارة والفنون الإسلامية، فأصبح قطعة تراثية تعبّر عن ذائقة جمالية متفردة.

كما لعبت التحولات التاريخية والسياسية دوراً في انتقال الفانوس من وسيلة إضاءة بسيطة إلى رمز احتفالي متجذر في الثقافة الشعبية.

 لذلك فإن تتبع تاريخه لا يقتصر على البحث في نشأته، بل يكشف أيضاً عن تفاعل الدين والعادات والتقاليد مع تفاصيل الحياة اليومية، ويبرز قدرة الرموز الشعبية على تجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية.

أما من الناحية اللغوية، فيُرجّح أن كلمة “فانوس” ذات أصل يوناني، إذ كانت تشير إلى المصباح أو المشعل المضيء، وانتقلت إلى العربية على الأرجح عبر القبطية أو من خلال الاحتكاك بالحضارة البيزنطية في مصر وبلاد الشام خلال العصور المتأخرة.

 ويعكس الجذر اليوناني معنى الضوء والظهور، وهو ما يتوافق مع وظيفة الفانوس في حماية اللهب من الرياح ونشر النور في الظلام.

وقد استقر اللفظ في العربية بصيغته المعروفة، محتفظاً بدلالته الأصلية، لكنه اكتسب في مصر خصوصاً معنىً رمزياً ارتبط بشهر رمضان، فأصبح ذكر “الفانوس” ينصرف غالباً إلى فانوس رمضان تحديداً، لا إلى أي مصباح عادي.

وترجّح الروايات التاريخية أن انتشار هذا التقليد يعود إلى عهد جوهر الصقلي عند دخوله مصر سنة 969م بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مؤسس الدولة الفاطمية في القاهرة. فقد شكّل ذلك العهد نقطة تحول في الحياة الدينية والاجتماعية، وأسهم في ترسيخ عادات واحتفالات ما تزال حاضرة في الثقافة المصرية حتى اليوم.

وهكذا يبقى فانوس رمضان أكثر من مجرد أداة إنارة؛ إنه شاهد على استمرارية التراث، وعلى قدرة الذاكرة الشعبية على حفظ الرموز ومنحها معاني متجددة عبر العصور.

فانوس رمضان… حكاية نورٍ وذاكرةٍ من زمن الفاطميين إلى اليوم

يُعدّ فانوس رمضان من أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بالشهر الكريم في العالم الإسلامي، ولا سيما في مصر حيث يحتل مكانة خاصة في الوجدان الجمعي. 
فمع اقتراب حلول الشهر الكريم، تمتلئ الأسواق بأشكال الفوانيس المتنوعة، وتتزيّن الشوارع والمنازل بأضوائها الملوّنة، في مشهد ليلي يعكس أجواء الفرح والترقب التي تميّز هذا الموسم الروحي.

ويرتبط الفانوس في الذاكرة الشعبية بطفولة أجيال متعاقبة؛ إذ يحرص الأطفال على حمله والتجول به وهم ينشدون الأغاني الرمضانية. 

كما يمثّل اقتناؤه طقساً سنوياً لدى كثير من الأسر، يعلن بداية الاستعداد للشهر الفضيل روحياً واجتماعياً. وهكذا تحوّل الفانوس إلى رمز للبهجة الجماعية، وعنوان لخصوصية رمضان بوصفه موسماً للتقارب الأسري والتكافل الاجتماعي.

وتعود جذور هذا التقليد إلى قرون بعيدة، حين كان الناس يعتمدون على الفوانيس للإنارة ليلاً في زمن لم تكن فيه الكهرباء معروفة. ومع تطور المجتمعات الإسلامية، لم يعد الفانوس مجرد أداة وظيفية، بل اكتسب طابعاً فنياً وزخرفياً مستوحى من العمارة والفنون الإسلامية، فأصبح قطعة تراثية تعبّر عن ذائقة جمالية متفردة.

كما لعبت التحولات التاريخية والسياسية دوراً في انتقال الفانوس من وسيلة إضاءة بسيطة إلى رمز احتفالي متجذر في الثقافة الشعبية.

 لذلك فإن تتبع تاريخه لا يقتصر على البحث في نشأته، بل يكشف أيضاً عن تفاعل الدين والعادات والتقاليد مع تفاصيل الحياة اليومية، ويبرز قدرة الرموز الشعبية على تجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية.

أما من الناحية اللغوية، فيُرجّح أن كلمة “فانوس” ذات أصل يوناني، إذ كانت تشير إلى المصباح أو المشعل المضيء، وانتقلت إلى العربية على الأرجح عبر القبطية أو من خلال الاحتكاك بالحضارة البيزنطية في مصر وبلاد الشام خلال العصور المتأخرة.

 ويعكس الجذر اليوناني معنى الضوء والظهور، وهو ما يتوافق مع وظيفة الفانوس في حماية اللهب من الرياح ونشر النور في الظلام.

وقد استقر اللفظ في العربية بصيغته المعروفة، محتفظاً بدلالته الأصلية، لكنه اكتسب في مصر خصوصاً معنىً رمزياً ارتبط بشهر رمضان، فأصبح ذكر “الفانوس” ينصرف غالباً إلى فانوس رمضان تحديداً، لا إلى أي مصباح عادي.

وترجّح الروايات التاريخية أن انتشار هذا التقليد يعود إلى عهد جوهر الصقلي عند دخوله مصر سنة 969م بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مؤسس الدولة الفاطمية في القاهرة. فقد شكّل ذلك العهد نقطة تحول في الحياة الدينية والاجتماعية، وأسهم في ترسيخ عادات واحتفالات ما تزال حاضرة في الثقافة المصرية حتى اليوم.

وهكذا يبقى فانوس رمضان أكثر من مجرد أداة إنارة؛ إنه شاهد على استمرارية التراث، وعلى قدرة الذاكرة الشعبية على حفظ الرموز ومنحها معاني متجددة عبر العصور.