في العرض ما قبل الأول مساء أمس الخميس، قدّم المخرج التونسي عبد الحميد بوشناق فيلمه الجديد "بَكْمة" وهو عمل ينتمي إلى الإثارة النفسية ويغوص في عالم الجريمة والعنف من خلال شخصية قاتل تتجاوز وحشيته الحيوانات لتطال البشر والنساء تحديدا..
انطلاقا من العنوان يفتح الفيلم بابا للتأويل.. ففي التعبير التونسي "هايشة بَكْمَة" تحضر صورة الكائن العاجز عن التعبير والدفاع عن نفسه، بما يجعله فريسة سهلة أمام الأقوى منه. لكنّ الدلالة تتجاوز الحيوان لتلامس الإنسان حين يفقد قدرته على التواصل مع محيطه، أو حين يتحوّل عجزه إلى شكل من أشكال الانفصال عن العالم..
بهذا المعنى، لا يبدو العنوان مجرّد تسمية، بل مدخلا إلى عالم تختلط فيه هشاشة الضحية بوحشية المعتدي..
تدور الحكاية حول ياسين، عون الشرطة البلدية المكلّف بقتل الكلاب السائبة، والذي يتحوّل تدريجيا إلى قاتل يستهدف البشر. ولا يكشف بوشناق عن وجه الشخصية الرئيسية، كما لا يذكر اسم الممثّل الذي أدّى الدور في شارة النهاية، فيحافظ على غموضها ويجعلها أقرب إلى حضور مرعب مجهول الهوية.
غير أنّ قوة هذا الاختيار البصري لا تكمن في الغموض وحده، بل في الطريقة التي يجعل بها الفيلم العنف مركزا لتجربته. فالمشاهد الدموية، التي تشمل التعذيب والتقطيع والقتل، تُعرض بوضوح قاس وأحيانا بإصرار يكاد يجعل المتفرّج عاجزا عن مواصلة النظر إلى الشاشة. لذلك، فإنّ "بَكْمَة" ليس عملا مناسبا للجمهور الحساس تجاه العنف، ويستوجب تنبيها واضحا إلى طبيعة مشاهده ومحتواه الموجّه إلى البالغين.
لكنّ السؤال النقدي الأساسي لا يتعلّق بمدى فظاعة هذه المشاهد، بل بوظيفتها الفنية: هل تنجح في تعميق فهمنا للشخصية والعالم الذي أنتجها، أم أنّ تكرارها يجعل الصدمة غاية قائمة بذاتها؟ فالعنف في السينما قد يكون أداة لكشف البنية النفسية والاجتماعية للجريمة، لكنه قد يفقد بعض أثره حين يتحوّل إلى استعراض متواصل للقبح..
من الإهانة إلى السيطرة عبر القتل
يربط الفيلم شخصية ياسين بطفولة قاسية وغياب الأب والإهانات التي تعرّض لها، وعلاقته المتوترة بأمّه المحتضرة. يعيش وحيدا معها في مسكن متّسخ بوسط العاصمة تونس، بالقرب من ساحة البورصة، ويقدّمه العمل باعتباره أصمّا معزولا عن محيطه، وعاجزا عن بناء علاقة عاطفية مستقرة.
تمنح هذه الخلفية الشخصية بعدا نفسيا واجتماعيا، لكنها لا تفسّر العنف بصورة آلية، ولا ينبغي أن تتحوّل إلى تبرير له. فالمسألة الأهمّ هي كيف ينتقل الإنسان من موقع الخضوع والإهانة إلى ممارسة السيطرة عبر القتل. هنا يطرح الفيلم سؤالا عن إعادة إنتاج العنف، حين تتحوّل المعاناة السابقة إلى عدوان على كائنات أضعف.
ويكتسب هذا المسار دلالة إضافية من انتقال ياسين من قتل الكلاب إلى استهداف النساء. فالعنف الذي بدأ ضدّ كائنات لا تملك الدفاع عن نفسها يصبح تعبيرا عن رغبة أوسع في إخضاع الآخر وإلغائه. ومع ذلك، فإنّ تقديم الشخصية في صورة وحشية شبه مطلقة يحدّ أحيانا من إمكان تفكيك تناقضاتها، ويترك مساحة محدودة لفهم الآليات التي صنعت هذا الانهيار.
كما يستدعي الفيلم نقاشا أوسع بشأن صورة الرجل في بعض الأعمال التونسية المعاصرة، حيث يُقدّم بوصفه مصدر تهديد وعنف. غير أنّ القيمة النقدية لهذا التوجّه تظلّ مرتبطة بقدرة العمل على مساءلة هذه الصورة، لا الاكتفاء بتكريسها.
جماليات الرعب وحدود الاستفزاز
على المستوى الجمالي تظهر تقاطعات مع المسرح التونسي، وخصوصا تجربة الفاضل الجعايبي ومسرحيته الـ"حلم" في تكثيف الصراع وتقديم الشخصيات داخل فضاءات خانقة.
ومن هذا التداخل، يصوغ بوشناق تجربة يمكن وصفها بـالسينما المسرحية"، حيث لا ينحصر التوتر في الأحداث، بل يمتدّ إلى الفضاء والإيقاع وحركة الشخصيات. وقد برز في الفيلم أداء منيرة الزكراوي وعزيز الجبالي وهادي كريسان، الذين أسهموا في بناء مناخ درامي قاتم ومعقد..
وتذكّر استراتيجية الصدمة التي يعتمدها العمل ببعض تجارب المخرجين المعروفين باختبار حدود المتفرّج وإرباك توقعاته. لكنّ الاستفزاز لا يشكّل في حدّ ذاته معيارا للجودة.. إذ تتحدّد قيمته بقدر ما يخدم رؤية فنية واضحة، ويمنح العنف معنى يتجاوز أثره الحسي المباشر..
شرّ بلا نهاية
ينتهي "بَكْمَة" من دون تحقيق انفراج درامي؛ فالمجرم لا يُلقى القبض عليه، والتهديد باستمرار القتل يظلّ قائما. إنها نهاية ترفض الطمأنينة، وتقدّم الشرّ بوصفه قوة لم تجد من يوقفها.
غير أنّ هذا الاختيار، على الرغم من انسجامه مع المناخ العام للفيلم، يضاعف الإحساس بالتشاؤم من دون أن يقدّم بالضرورة أفقا أعمق لفهم الواقع الذي أنتج هذه الوحشية. وهنا يعود السؤال نفسه: هل يريد الفيلم تشريح العنف، أم دفعه إلى أقصى درجاته كي يترك أثر الصدمة؟
"بَكْمَة" عمل جريء في اختياره موضوعا قاتما، وفي رفضه تجميل الواقع أو منح المتفرّج خاتمة مريحة. لكنّ جرأته تظلّ مرتبطة بقدرته على الموازنة بين قسوة الصورة وعمق المعالجة. فحين تتراجع المسافة بين تصوير العنف واستعراضه، تصبح الصدمة سلاحا ذا حدّين: تستفزّ المتفرّج وتزعزع راحته، لكنها قد تحجب أحيانا الأسئلة النفسية والاجتماعية التي يفترض أن تثيرها.
كما يُشار إلى أنّ فيلم "بَكْمَة" كان من الممكن أن يرتقي أكثر على مستوى الصورة والجودة البصرية لو توفّرت إمكانيات إنتاجية أكبر، ذلك أن المخرج عبد الحميد بوشناق أبدع كعادته في الجانب الإخراجي ولم يكن ينقص العمل سوى بعض الإمكانيات الفنية والتقنية حتى يبلغ مستوى عالميا يليق برؤيته الإبداعية..
وليد عبد اللاوي
