إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في افتتاح"الخروج إلى المسرح" "(الـ)حُلم" للجعايبي .. حين يصبح الركح مرآة معلّقة بين السقوط والنجاة !

 

في مسرحية (الـ)حُلم.. لا يكتفي الفاضل الجعايبي وجليلة بكار بصناعة عرض مسرحي جديد، بل يدعوان المتفرج إلى دخول مساحة ملتبسة، حيث لا شيء يبدو مستقرا.. يتحول الضحك تدريجيا إلى سؤال ويصبح الحلم نفسه موضوعا للشك.

في العرض الذي احتضنه مسرح الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي

ضمن افتتاح الدورة الدورة السابعة لتظاهرة "الخروج إلى المسرح" تمتد الفرجة على نحو ساعتين وعشرين دقيقة، يتدرج خلالها العمل من الهدوء إلى التوتر ومن التوتر إلى الانفجار قبل أن يترك المتفرج أمام ركام من الأسئلة أكثر مما يتركه أمام أجوبة جاهزة.

إنها عودة للثنائي الجعايبي وبكار إلى الركح من بوابة عمل يراهن على المسرح باعتباره فضاء للمواجهة لا للاطمئنان وللكشف لا للتجميل. فالشخصيات لا تتحرك داخل عالم متشكل من اليقين وإنما داخل واقع هشّ يتشقق أمام أعينها، فيما يبدو الحلم شيئا بعيدا أو مؤجلا، أو ربما فقد تعريفه منذ البداية..

++حين يفقد الحلم تعريفه

"(الـ)حُلم".. قوسان يحيطان بأداة التعريف وثلاث نقاط تترك الكلمة معلقة. ليست مجرد لعبة بصرية بل مفتاح دلالي للعمل كله. فما الذي بقي من "الحلم" حين يصبح تعريفه موضع سؤال؟ وهل نحن أمام حلم محدد المعالم أم أمام حلم منقوص..مؤجل.. أو عصيّ على بلوغه؟

ثم تأتي عبارة "كوميديا سوداء" لتضع المتفرج في قلب المفارقة: أن تضحك في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء أقرب إلى البكاء.

وهنا تكمن إحدى مفارقات العرض الأساسية.. فالضحك لا يأتي من الخفة وإنما من ثقل الواقع.. إنه ضحك يخرج من الألم، وسخرية تكشف ما تخفيه الواجهة وفرجة تجعل المتلقي يبتسم قبل أن تدفعه إلى التساؤل.

ولعل عبارة إحدى الشخصيات، التي تؤديها جليلة بكار: "حتى الحلم فسدوه علينا"، تختصر شيئا من روح العرض.. حلم لم يعد مضمونا، ولا مكتملا.. ولا حتى محميا من العبث..

++ العمارة القديمة شخصية اخرى في العرض 

يضع الجعايبي شخصياته داخل عمارة قديمة قيد الترميم، تبدو في الوقت نفسه واقفة على قدميها ومهددة بالسقوط.

المكان هنا ليس مجرد ديكور. إنه شخصية أخرى في العرض.

في البداية، يبدو كل شيء مرتبا وكأن النظام لا يزال قادرا على فرض نفسه. غير أن الصورة لا تلبث أن تتشقق. السقالات والأغطية البلاستيكية توحي بترميم لم يكتمل ثم تتكاثر الأواني وبقايا الطعام والكراسي المقلوبة، ويتحول الفضاء تدريجيا من مكان للسكن إلى أثر لانهيار داخلي.

كلما تصاعد التوتر بين الشخصيات، ازداد اضطراب المكان.. وكأن الجدران نفسها تتلقى صدى الخلافات، وكأن ما يحدث داخل النفوس يجد طريقه إلى الأشياء المحيطة بها.

إنها عمارة تُرمّم باستمرار.. لكنها لا تستعيد عافيتها كاملة.. وهذا تحديدا ما يمنح الفضاء قوته الرمزية.. محاولة دائمة لإصلاح ما يتداعى، من دون ضمان أن الإصلاح سيصل في الوقت المناسب..

كما تتشكل الشخصيات من فسيفساء بشرية واسعة، تحمل أسماء مؤديها: جليلة بكار، جمال مداني، محمد شعبان، منير خزري ومريم بن حميدة.

ولا يكتفي العرض بتقديم شخصيات مختلفة في الطباع والمواقف والخلفيات، بل يدفع بها إلى العيش داخل المكان نفسه، بما يحمله ذلك من احتكاك وصدام وتوتر.

هنا يذيب الجعايبي المسافة بين الممثل والشخصية، فيصبح الركح مساحة للعبة مزدوجة.. ممثل يؤدي شخصية تحمل اسمه، وشخصية تكاد تستعير من الممثل شيئا من ذاته.

وبين هذه الشخصيات تنشأ علاقات تتأرجح بين التقارب والنفور، وبين الحاجة إلى الآخر والرغبة في الانفصال عنه. الجميع يعيشون في المكان نفسه، لكنهم لا يعيشون الحلم نفسه.

وهكذا تتحول العمارة إلى نموذج مصغر لعالم أوسع، حيث الاختلاف لا يمنع الاشتراك في المصير، وحيث الجميع محاصرون داخل فضاء واحد، مهما بدت المسافات بينهم شاسعة.

++من الهدوء إلى الانفجار

لا يختار العرض الإيقاع الصاخب منذ اللحظة الأولى. على العكس، يبدأ بهدوء يوحي بأن الأشياء ما تزال تحت السيطرة.

لكن ذلك الهدوء سرعان ما يتصدع.. تتسارع الحوارات.. تتكاثف المواجهات، تتراكم التوترات.. ويبدأ ما كان مكتوما في الظهور. من احتقان إلى اندفاع، ومن اندفاع إلى انفجار، يصبح الانهيار مسارا لا مشهدا عابرا..

وهنا تتكامل حركة الشخصيات مع حركة المكان؛ فكلما فقدت العلاقات توازنها، فقد الفضاء بدوره انتظامه. وكلما ارتفع منسوب الصراع، اقتربت العمارة من صورتها النهائية: فضاء مهدد بالسقوط.

إنه تصاعد محسوب يجعل المتفرج لا يراقب الانهيار فقط، بل يشعر بأنه يحدث أمامه وبداخله في الوقت نفسه.

 العرض لا يتعامل مع الواقع باعتباره كتلة مغلقة لا منفذ منها، بل يترك في نهايته مساحة للتأويل. فالسقوط، مهما بدا كاملا قد يكون أيضا بداية أخرى. والركام قد يخفي إمكانية إعادة البناء. أما الحلم الذي تحاصره الأقواس وتقطعه النقاط الثلاث، فيظل قابلا لأن يستعيد اسمه ومعناه.

وهنا تكمن عمق "(الـ)حُلم": إنه لا يمنح المتفرج راحة النهاية السهلة، ولا يقدم له وصفة جاهزة للخلاص، وإنما يتركه أمام سؤال مفتوح.

ماذا يبقى حين يتداعى كل شيء؟.. ربما يبقى المسرح.

وربما يبقى الحلم، حتى وإن كان ناقصا مؤجلا، ومهددا بالسقوط.

ففي عالم "(الـ)حُلم… كوميديا سوداء"، لا يأتي الضحك لنفي الألم بل لكشفه، ولا يأتي المسرح ليقدم أجوبة بل ليمنح الأسئلة حياة أخرى.

وهكذا ينجح الجعايبي وبكار في تحويل الركح إلى مساحة معلّقة بين الانهيار والمقاومة وبين الحلم وانكساره وبين ما نراه وما نخشى أن نراه...

وليد عبد اللاوي

في افتتاح"الخروج إلى المسرح" "(الـ)حُلم" للجعايبي .. حين يصبح الركح مرآة معلّقة بين السقوط والنجاة !

 

في مسرحية (الـ)حُلم.. لا يكتفي الفاضل الجعايبي وجليلة بكار بصناعة عرض مسرحي جديد، بل يدعوان المتفرج إلى دخول مساحة ملتبسة، حيث لا شيء يبدو مستقرا.. يتحول الضحك تدريجيا إلى سؤال ويصبح الحلم نفسه موضوعا للشك.

في العرض الذي احتضنه مسرح الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي

ضمن افتتاح الدورة الدورة السابعة لتظاهرة "الخروج إلى المسرح" تمتد الفرجة على نحو ساعتين وعشرين دقيقة، يتدرج خلالها العمل من الهدوء إلى التوتر ومن التوتر إلى الانفجار قبل أن يترك المتفرج أمام ركام من الأسئلة أكثر مما يتركه أمام أجوبة جاهزة.

إنها عودة للثنائي الجعايبي وبكار إلى الركح من بوابة عمل يراهن على المسرح باعتباره فضاء للمواجهة لا للاطمئنان وللكشف لا للتجميل. فالشخصيات لا تتحرك داخل عالم متشكل من اليقين وإنما داخل واقع هشّ يتشقق أمام أعينها، فيما يبدو الحلم شيئا بعيدا أو مؤجلا، أو ربما فقد تعريفه منذ البداية..

++حين يفقد الحلم تعريفه

"(الـ)حُلم".. قوسان يحيطان بأداة التعريف وثلاث نقاط تترك الكلمة معلقة. ليست مجرد لعبة بصرية بل مفتاح دلالي للعمل كله. فما الذي بقي من "الحلم" حين يصبح تعريفه موضع سؤال؟ وهل نحن أمام حلم محدد المعالم أم أمام حلم منقوص..مؤجل.. أو عصيّ على بلوغه؟

ثم تأتي عبارة "كوميديا سوداء" لتضع المتفرج في قلب المفارقة: أن تضحك في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء أقرب إلى البكاء.

وهنا تكمن إحدى مفارقات العرض الأساسية.. فالضحك لا يأتي من الخفة وإنما من ثقل الواقع.. إنه ضحك يخرج من الألم، وسخرية تكشف ما تخفيه الواجهة وفرجة تجعل المتلقي يبتسم قبل أن تدفعه إلى التساؤل.

ولعل عبارة إحدى الشخصيات، التي تؤديها جليلة بكار: "حتى الحلم فسدوه علينا"، تختصر شيئا من روح العرض.. حلم لم يعد مضمونا، ولا مكتملا.. ولا حتى محميا من العبث..

++ العمارة القديمة شخصية اخرى في العرض 

يضع الجعايبي شخصياته داخل عمارة قديمة قيد الترميم، تبدو في الوقت نفسه واقفة على قدميها ومهددة بالسقوط.

المكان هنا ليس مجرد ديكور. إنه شخصية أخرى في العرض.

في البداية، يبدو كل شيء مرتبا وكأن النظام لا يزال قادرا على فرض نفسه. غير أن الصورة لا تلبث أن تتشقق. السقالات والأغطية البلاستيكية توحي بترميم لم يكتمل ثم تتكاثر الأواني وبقايا الطعام والكراسي المقلوبة، ويتحول الفضاء تدريجيا من مكان للسكن إلى أثر لانهيار داخلي.

كلما تصاعد التوتر بين الشخصيات، ازداد اضطراب المكان.. وكأن الجدران نفسها تتلقى صدى الخلافات، وكأن ما يحدث داخل النفوس يجد طريقه إلى الأشياء المحيطة بها.

إنها عمارة تُرمّم باستمرار.. لكنها لا تستعيد عافيتها كاملة.. وهذا تحديدا ما يمنح الفضاء قوته الرمزية.. محاولة دائمة لإصلاح ما يتداعى، من دون ضمان أن الإصلاح سيصل في الوقت المناسب..

كما تتشكل الشخصيات من فسيفساء بشرية واسعة، تحمل أسماء مؤديها: جليلة بكار، جمال مداني، محمد شعبان، منير خزري ومريم بن حميدة.

ولا يكتفي العرض بتقديم شخصيات مختلفة في الطباع والمواقف والخلفيات، بل يدفع بها إلى العيش داخل المكان نفسه، بما يحمله ذلك من احتكاك وصدام وتوتر.

هنا يذيب الجعايبي المسافة بين الممثل والشخصية، فيصبح الركح مساحة للعبة مزدوجة.. ممثل يؤدي شخصية تحمل اسمه، وشخصية تكاد تستعير من الممثل شيئا من ذاته.

وبين هذه الشخصيات تنشأ علاقات تتأرجح بين التقارب والنفور، وبين الحاجة إلى الآخر والرغبة في الانفصال عنه. الجميع يعيشون في المكان نفسه، لكنهم لا يعيشون الحلم نفسه.

وهكذا تتحول العمارة إلى نموذج مصغر لعالم أوسع، حيث الاختلاف لا يمنع الاشتراك في المصير، وحيث الجميع محاصرون داخل فضاء واحد، مهما بدت المسافات بينهم شاسعة.

++من الهدوء إلى الانفجار

لا يختار العرض الإيقاع الصاخب منذ اللحظة الأولى. على العكس، يبدأ بهدوء يوحي بأن الأشياء ما تزال تحت السيطرة.

لكن ذلك الهدوء سرعان ما يتصدع.. تتسارع الحوارات.. تتكاثف المواجهات، تتراكم التوترات.. ويبدأ ما كان مكتوما في الظهور. من احتقان إلى اندفاع، ومن اندفاع إلى انفجار، يصبح الانهيار مسارا لا مشهدا عابرا..

وهنا تتكامل حركة الشخصيات مع حركة المكان؛ فكلما فقدت العلاقات توازنها، فقد الفضاء بدوره انتظامه. وكلما ارتفع منسوب الصراع، اقتربت العمارة من صورتها النهائية: فضاء مهدد بالسقوط.

إنه تصاعد محسوب يجعل المتفرج لا يراقب الانهيار فقط، بل يشعر بأنه يحدث أمامه وبداخله في الوقت نفسه.

 العرض لا يتعامل مع الواقع باعتباره كتلة مغلقة لا منفذ منها، بل يترك في نهايته مساحة للتأويل. فالسقوط، مهما بدا كاملا قد يكون أيضا بداية أخرى. والركام قد يخفي إمكانية إعادة البناء. أما الحلم الذي تحاصره الأقواس وتقطعه النقاط الثلاث، فيظل قابلا لأن يستعيد اسمه ومعناه.

وهنا تكمن عمق "(الـ)حُلم": إنه لا يمنح المتفرج راحة النهاية السهلة، ولا يقدم له وصفة جاهزة للخلاص، وإنما يتركه أمام سؤال مفتوح.

ماذا يبقى حين يتداعى كل شيء؟.. ربما يبقى المسرح.

وربما يبقى الحلم، حتى وإن كان ناقصا مؤجلا، ومهددا بالسقوط.

ففي عالم "(الـ)حُلم… كوميديا سوداء"، لا يأتي الضحك لنفي الألم بل لكشفه، ولا يأتي المسرح ليقدم أجوبة بل ليمنح الأسئلة حياة أخرى.

وهكذا ينجح الجعايبي وبكار في تحويل الركح إلى مساحة معلّقة بين الانهيار والمقاومة وبين الحلم وانكساره وبين ما نراه وما نخشى أن نراه...

وليد عبد اللاوي