في سهرة استثنائية احتضنها المسرح الأثري بقرطاج ليلة أمس، نجحت الفنانة اللبنانية يارا في كسب رهان الحضور والأداء، مقدّمة حفلا راقيا ومتنوعا حظي بإجماع جماهيري لافت، في ليلة غصّت خلالها مدارج المسرح بالجمهور من مختلف الفئات العمرية، وسط أجواء احتفالية وتفاعل متواصل مع مختلف فقرات العرض.
ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحا أن يارا كانت أمام اختبار حقيقي، فاعتلاء ركح قرطاج ليس مجرد موعد غنائي عابر،وإنما محطة فنية لها خصوصيتها أمام جمهور تونسي معروف بحسه الموسيقي وقدرته على التفاعل، لكنه في المقابل لا يجامل الفنان حين يتعلق الأمر بالأداء الحي.
وربما كانت هذه النقطة بالذات أحد أبرز رهانات السهرة، خاصة وأن البعض كان يتساءل عن مدى قدرة يارا على نقل صوتها من الاستوديو والتسجيلات إلى المسرح وهل ستنجح في المحافظة على المستوى نفسه الذي اعتاد الجمهور سماعه في الأغاني المسجلة.
لكن يارا بددت تلك التوقعات منذ أغنياتها الأولى، وقدمت أداء لافتا أثبت أن صوتها في الحفلات المباشرة لا يقل حضورا عن صوتها في التسجيلات. بل إن العديد من الحاضرين وجدوا أنفسهم أمام أداء شديد الدقة والثبات وكأنهم يستمعون إليها عبر إحدى المنصات الرقمية أو من خلال قناة على "يوتيوب"، غير أن الصوت هذه المرة كان حيا ومباشرا وعلى ركح المسرح الأثري بقرطاج.
ما كان لافتا أيضا هو أن جزءا كبيرا من البرنامج جاء استجابة مباشرة لرغبات الجمهور، الذي لم يكتف بالاستماع بل تحول إلى طرف أساسي في رسم ملامح السهرة من خلال طلب عدد من أغاني يارا التي ارتبط بها على امتداد مسيرتها.
ومن بين أبرز اللحظات التي تفاعل معها الجمهور، أداء أغنية "ما بعرف" إحدى أشهر أغاني يارا اللبنانية والتي لا تزال تحظى بمكانة خاصة لدى جمهورها. كما كان لأغنية "بيت حبيبي" وقع خاص، إذ رافق الجمهور الفنانة في عدد من مقاطعها، في مشهد يعكس مدى حضور هذه الأغنية في الذاكرة الفنية لمحبي يارا.
ولم تغب أيضا أغنية "صدفة" التي طلبها الجمهور وأبدعت يارا في أدائها، إلى جانب "إنت مني"، وهي من الأعمال التي ارتبطت ببدايات حضورها الفني ورسخت مكانتها لدى جمهور الأغنية اللبنانية والعربية.
كما حرصت يارا كذلك على تقديم عدد من إصداراتها الحديثة، من بينها "مثل القمر" و"ع قلبي شو غالي" لتؤكد أن الحفل لم يكن مجرد استعادة لأعمالها القديمة والناجحة، وإنما كان أيضا مناسبة لتقديم وجهها الفني الحالي وربط جمهورها بمختلف مراحل تجربتها.
وإلى جانب الأغاني اللبنانية، اختارت يارا أن تمنح السهرة مساحة للهجات الموسيقية العربية الأخرى فتنقلت بين الأغنية اللبنانية والخليجية قبل أن تقترب أكثر من الجمهور التونسي من خلال أداء أغنية "جاري يا حمودة" التي شكلت واحدة من أكثر لحظات الحفل تفاعلا.
اختيار يارا للأغنية التونسية لم يكن مجرد إضافة عابرة إلى البرنامج، بل بدا وكأنه رسالة محبة إلى الجمهور الذي احتضنها، خصوصا وأن الأغنية معروفة على نطاق واسع لدى التونسيين، وقد تفاعل معها الحاضرون بالغناء والتصفيق في مشهد أضفى على السهرة نكهة تونسية خاصة.
ولم يكن الصوت وحده عنوان نجاح الحفل، إذ أضفت تلقائية يارا وعفويتها في التعامل مع الجمهور مزيدا من الحميمية على السهرة. فقد بدت مرتاحة فوق الركح، تتفاعل مع الحاضرين وتبادلهم الحماس وتترك مساحة للجمهور ليشاركها الغناء.. وهو ما جعل المسافة بينها وبين الحاضرين تتقلص تدريجيا.
هذه التلقائية انعكست أيضا على طريقة تقديم الأغاني، حيث لم تكن السهرة مجرد تنفيذ حرفي لبرنامج موسيقي، بل بدت أقرب إلى حوار غنائي مفتوح بين الفنانة والجمهور خاصة عندما كانت طلبات الحاضرين تتعالى بأسماء الأغاني التي يريدون سماعها.
وفي الجانب الموسيقي، كان للفرقة بقيادة المايسترو يوسف بلهاني حضور مميز، حيث قدم العازفون أداء متماسكا منح الأغاني توزيعات موسيقية غنية، وأبرز في الوقت نفسه المهارات الفردية لأعضاء الفرقة.
وكان عازف الناي حسين بن ميلود أحد أبرز نجوم هذه الفرقة، حيث ترك بصمته الخاصة من خلال عزفه وتمكنه اللافت.. ويبدو أن ابن ميلود أصبح من الأسماء التي يصعب أن تمر مشاركتها في حفل خاص بفنان أجنبي في تونس دون أن تلفت الانتباه، لما يمتلكه من قدرة على تطويع الناي وإضفاء نكهة شرقية وتونسية على العروض الموسيقية.
في قرطاج، كان حضوره مرة أخرى لافتا، إذ منح عددا من المقاطع الموسيقية بعدا إضافيا، وأكد أن العازف المتمكن قادر على أن يكون جزءا من فرادة العرض، لا مجرد عنصر مرافق للصوت.
أما الجمهور، فكان حاضرا بقوة منذ بداية السهرة، إذ غصت مدارج المسرح الأثري بقرطاج بالحاضرين، الذين جاؤوا من مختلف الأعمار لمتابعة يارا، قبل أن يتحولوا مع تقدم الحفل إلى كتلة واحدة من التصفيق والغناء والتفاعل.
وبينما كان البعض ينتظر أن تكون السهرة مجرد موعد رومانسي هادئ مع الأغنية اللبنانية، فاجأت يارا الحاضرين بتنوع اختياراتها وقدرتها على الانتقال بين الأنماط واللهجات، محافظة في الوقت ذاته على هويتها الصوتية وأسلوبها الخاص.
ومع نهاية الحفل، بدا الانطباع الغالب بين الحاضرين واضحا.. يارا كانت في حجم قرطاج..
فالكثير ممن تابعوا السهرة أجمعوا، بعد الحفل، على أن الفنانة اللبنانية أثبتت أحقيتها باعتلاء ركح المسرح الأثري، ليس فقط بفضل الحضور الجماهيري الكبير، وإنما أيضا بفضل أدائها الحي، وتنوع برنامجها، وتفاعلها مع الجمهور، وقدرتها على تقديم أغانيها القديمة والحديثة بالروح نفسها..
سهرة يارا في قرطاج لم تكن مجرد حفل لفنانة عربية أمام جمهور تونسي، بل كانت اختبارا حقيقيا للصوت والحضور والتواصل، وقد نجحت في تجاوزه بامتياز.
الأغاني تنوعت والنتيجة كانت واحدة: جمهور قرطاج يغني.. يارا تبدع.. والرهان ينتصر..
وليد عبد اللاوي
في سهرة استثنائية احتضنها المسرح الأثري بقرطاج ليلة أمس، نجحت الفنانة اللبنانية يارا في كسب رهان الحضور والأداء، مقدّمة حفلا راقيا ومتنوعا حظي بإجماع جماهيري لافت، في ليلة غصّت خلالها مدارج المسرح بالجمهور من مختلف الفئات العمرية، وسط أجواء احتفالية وتفاعل متواصل مع مختلف فقرات العرض.
ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحا أن يارا كانت أمام اختبار حقيقي، فاعتلاء ركح قرطاج ليس مجرد موعد غنائي عابر،وإنما محطة فنية لها خصوصيتها أمام جمهور تونسي معروف بحسه الموسيقي وقدرته على التفاعل، لكنه في المقابل لا يجامل الفنان حين يتعلق الأمر بالأداء الحي.
وربما كانت هذه النقطة بالذات أحد أبرز رهانات السهرة، خاصة وأن البعض كان يتساءل عن مدى قدرة يارا على نقل صوتها من الاستوديو والتسجيلات إلى المسرح وهل ستنجح في المحافظة على المستوى نفسه الذي اعتاد الجمهور سماعه في الأغاني المسجلة.
لكن يارا بددت تلك التوقعات منذ أغنياتها الأولى، وقدمت أداء لافتا أثبت أن صوتها في الحفلات المباشرة لا يقل حضورا عن صوتها في التسجيلات. بل إن العديد من الحاضرين وجدوا أنفسهم أمام أداء شديد الدقة والثبات وكأنهم يستمعون إليها عبر إحدى المنصات الرقمية أو من خلال قناة على "يوتيوب"، غير أن الصوت هذه المرة كان حيا ومباشرا وعلى ركح المسرح الأثري بقرطاج.
ما كان لافتا أيضا هو أن جزءا كبيرا من البرنامج جاء استجابة مباشرة لرغبات الجمهور، الذي لم يكتف بالاستماع بل تحول إلى طرف أساسي في رسم ملامح السهرة من خلال طلب عدد من أغاني يارا التي ارتبط بها على امتداد مسيرتها.
ومن بين أبرز اللحظات التي تفاعل معها الجمهور، أداء أغنية "ما بعرف" إحدى أشهر أغاني يارا اللبنانية والتي لا تزال تحظى بمكانة خاصة لدى جمهورها. كما كان لأغنية "بيت حبيبي" وقع خاص، إذ رافق الجمهور الفنانة في عدد من مقاطعها، في مشهد يعكس مدى حضور هذه الأغنية في الذاكرة الفنية لمحبي يارا.
ولم تغب أيضا أغنية "صدفة" التي طلبها الجمهور وأبدعت يارا في أدائها، إلى جانب "إنت مني"، وهي من الأعمال التي ارتبطت ببدايات حضورها الفني ورسخت مكانتها لدى جمهور الأغنية اللبنانية والعربية.
كما حرصت يارا كذلك على تقديم عدد من إصداراتها الحديثة، من بينها "مثل القمر" و"ع قلبي شو غالي" لتؤكد أن الحفل لم يكن مجرد استعادة لأعمالها القديمة والناجحة، وإنما كان أيضا مناسبة لتقديم وجهها الفني الحالي وربط جمهورها بمختلف مراحل تجربتها.
وإلى جانب الأغاني اللبنانية، اختارت يارا أن تمنح السهرة مساحة للهجات الموسيقية العربية الأخرى فتنقلت بين الأغنية اللبنانية والخليجية قبل أن تقترب أكثر من الجمهور التونسي من خلال أداء أغنية "جاري يا حمودة" التي شكلت واحدة من أكثر لحظات الحفل تفاعلا.
اختيار يارا للأغنية التونسية لم يكن مجرد إضافة عابرة إلى البرنامج، بل بدا وكأنه رسالة محبة إلى الجمهور الذي احتضنها، خصوصا وأن الأغنية معروفة على نطاق واسع لدى التونسيين، وقد تفاعل معها الحاضرون بالغناء والتصفيق في مشهد أضفى على السهرة نكهة تونسية خاصة.
ولم يكن الصوت وحده عنوان نجاح الحفل، إذ أضفت تلقائية يارا وعفويتها في التعامل مع الجمهور مزيدا من الحميمية على السهرة. فقد بدت مرتاحة فوق الركح، تتفاعل مع الحاضرين وتبادلهم الحماس وتترك مساحة للجمهور ليشاركها الغناء.. وهو ما جعل المسافة بينها وبين الحاضرين تتقلص تدريجيا.
هذه التلقائية انعكست أيضا على طريقة تقديم الأغاني، حيث لم تكن السهرة مجرد تنفيذ حرفي لبرنامج موسيقي، بل بدت أقرب إلى حوار غنائي مفتوح بين الفنانة والجمهور خاصة عندما كانت طلبات الحاضرين تتعالى بأسماء الأغاني التي يريدون سماعها.
وفي الجانب الموسيقي، كان للفرقة بقيادة المايسترو يوسف بلهاني حضور مميز، حيث قدم العازفون أداء متماسكا منح الأغاني توزيعات موسيقية غنية، وأبرز في الوقت نفسه المهارات الفردية لأعضاء الفرقة.
وكان عازف الناي حسين بن ميلود أحد أبرز نجوم هذه الفرقة، حيث ترك بصمته الخاصة من خلال عزفه وتمكنه اللافت.. ويبدو أن ابن ميلود أصبح من الأسماء التي يصعب أن تمر مشاركتها في حفل خاص بفنان أجنبي في تونس دون أن تلفت الانتباه، لما يمتلكه من قدرة على تطويع الناي وإضفاء نكهة شرقية وتونسية على العروض الموسيقية.
في قرطاج، كان حضوره مرة أخرى لافتا، إذ منح عددا من المقاطع الموسيقية بعدا إضافيا، وأكد أن العازف المتمكن قادر على أن يكون جزءا من فرادة العرض، لا مجرد عنصر مرافق للصوت.
أما الجمهور، فكان حاضرا بقوة منذ بداية السهرة، إذ غصت مدارج المسرح الأثري بقرطاج بالحاضرين، الذين جاؤوا من مختلف الأعمار لمتابعة يارا، قبل أن يتحولوا مع تقدم الحفل إلى كتلة واحدة من التصفيق والغناء والتفاعل.
وبينما كان البعض ينتظر أن تكون السهرة مجرد موعد رومانسي هادئ مع الأغنية اللبنانية، فاجأت يارا الحاضرين بتنوع اختياراتها وقدرتها على الانتقال بين الأنماط واللهجات، محافظة في الوقت ذاته على هويتها الصوتية وأسلوبها الخاص.
ومع نهاية الحفل، بدا الانطباع الغالب بين الحاضرين واضحا.. يارا كانت في حجم قرطاج..
فالكثير ممن تابعوا السهرة أجمعوا، بعد الحفل، على أن الفنانة اللبنانية أثبتت أحقيتها باعتلاء ركح المسرح الأثري، ليس فقط بفضل الحضور الجماهيري الكبير، وإنما أيضا بفضل أدائها الحي، وتنوع برنامجها، وتفاعلها مع الجمهور، وقدرتها على تقديم أغانيها القديمة والحديثة بالروح نفسها..
سهرة يارا في قرطاج لم تكن مجرد حفل لفنانة عربية أمام جمهور تونسي، بل كانت اختبارا حقيقيا للصوت والحضور والتواصل، وقد نجحت في تجاوزه بامتياز.
الأغاني تنوعت والنتيجة كانت واحدة: جمهور قرطاج يغني.. يارا تبدع.. والرهان ينتصر..