لم تكن ليلة إليسا على ركح المسرح الروماني بقرطاج، مساء أمس، مجرد حفل غنائي ضمن برمجة الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كانت اختبارا جديدا لقدرة الفنانة اللبنانية على استقطاب جمهور واسع ومتعدد الأجيال، وهو ما أكدته الحشود الغفيرة التي توافدت على المسرح متجاوزة طاقة استيعابه.
منذ الساعات الأولى، كان واضحا أن الجمهور لم يأت فقط لمشاهدة "نجمة عربية" ذات حضور جماهيري كبير، وإنما جاء أيضا للاستماع إلى مجموعة من الأغاني التي ارتبطت بذاكرته العاطفية على امتداد أكثر من عقدين.
ورغم أن طبقة صوت إليسا ومساحتها الصوتية لطالما كانت محل نقاش وانتقاد لدى جزء من المتابعين والنقاد، مقارنة مع أصوات عربية تمتلك إمكانات تقنية ومساحات صوتية أوسع، فإن جمهور إليسا يعرفها ويعرف ما ينتظره منها ومع ذلك يصر على الحضور والاستماع إليها.. وكما يقال في تونس: "اللي سماك غناك"..
ثم إن التجربة الفنية لإليسا أكدت أن "النجاح الموسيقي" في ايامنا هذه لا يقوم بالضرورة على القوة الصوتية وحدها.. ذلك أنها اختارت منذ بداياتها مسارا مختلفا قائما أساسا على الإحساس والكلمة العاطفية واللحن القريب من الجمهور فضلا عن قدرتها على تقديم الأغنية بطريقة تجعل المستمع يتماهى معها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط "قوتها".. فإليسا لم تحاول أن تكون مطربة استعراضية بالمعنى التقليدي بل بنت شخصيتها الفنية على أسلوب خاص أصبح مع مرور السنوات جزءا من هويتها..
في حفل الأمس بدت كل هذه النقاشات المتعلقة بالإمكانات الصوتية في تراجع أمام حقيقة واحدة: الجمهور حضر بأعداد ضخمة وغنى مع إليسا معظم أغانيها.. وبمختلف الفئات العمرية، امتلأت مدارج المسرح الروماني بجمهور جاء لاستعادة اغان ارتبطت بذكريات الحب والفراق والحنين والانكسار والأمل على غرار "أجمل إحساس".. "كرمالك".. "بتمون".. "عبالي حبيبي" وغيرها من الأعمال التي لم تكن رهينة الاستعراض الصوتي بل اعتمدت على الميلودي والكلمة والصورة العاطفية..
وكان واضحا أن العلاقة بين إليسا وجمهورها لم تعد مرتبطة فقط بصوتها، وإنما بما تمثله أغنياتها من ذاكرة جماعية لدى جمهور عربي واسع.
وهذا تحديدا ما يفسر قدرة إليسا على الاستمرار في موقع متقدم داخل الساحة الفنية لسنوات طويلة. فهي لا تراهن فقط على إمكاناتها الصوتية، بل على الاختيار والهوية والذكاء في بناء المنتج الموسيقي.
كما أن أرقام المتابعة والانتشار التي حققتها أعمالها خلال السنوات الأخيرة تؤكد قدرتها على الوصول إلى جمهور يتجاوز الحدود اللبنانية، لتصبح أغنياتها حاضرة في بلدان عربية مختلفة.
وحتى عندما يثار النقاش حول استخدام تقنيات "الـبلاي باك" أو المؤثرات الصوتية في بعض الأعمال والعروض، فإن ذلك لم يمنع الجمهور من مواصلة الاستماع إليها ومتابعتها. فالنجاح الجماهيري، في نهاية المطاف، لا يُقاس فقط بمدى القدرة على استعراض الطبقات الصوتية، وإنما أيضا بقدرة الفنان على بناء علاقة مستمرة مع الجمهور.
جماهيريا يمكن اعتبار حفل إليسا في قرطاج ناجحا بوضوح، بالنظر إلى حجم الحضور والتفاعل الكبير مع الفنانة وأغانيها.
لكن في المقابل، لم يخل الحفل من بعض الملاحظات التي تناقلها عدد من الحاضرين، من بينها أن مدته لم تبلغ الساعتين، فضلا عن غياب عدد من الأغاني التي كان جمهورها ينتظر سماعها، خاصة أن رصيد إليسا يمتد على أكثر من 25 عاما ويضم عددا كبيرا من الألبومات والأغاني الناجحة.
ومع هذا الرصيد الكبير، يصبح من الصعب بطبيعة الحال إرضاء جميع الجمهور في حفل واحد لكن طبيعة جمهور قرطاج الذي دفع مبالغ متفاوتة للحصول على تذاكر الحفل، تجعله ينتظر سهرة طويلة تتناسب مع قيمة الفنانة وحجم الحدث.
إذا كان نجاح إليسا الجماهيري قد بدا واضحا فوق الركح، فإن مسألة التنظيم ظلت من أبرز النقاط التي أثارت استياء عدد من الحاضرين.
فمع الحضور الجماهيري الكبير، ظهرت مجددا إشكالية تأمين أماكن الجمهور، خاصة أن بعض الحاضرين اقتنوا تذاكر بأسعار مرتفعة تتيح لهم الجلوس في الصفوف الأمامية، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام صعوبات في ضمان المقاعد التي دفعوا مقابلها.
وهنا يبرز سؤال يتكرر مع العروض التي تستقطب أسماء نجوم كبرى: هل تملك إدارة المهرجان آلية تنظيمية تتناسب مع حجم الإقبال على هذه الأسماء؟!!
فالنجاح الجماهيري لا ينبغي أن يكون على حساب راحة الجمهور، ولا أن يتحول اقتناء تذكرة باهظة الثمن إلى تجربة من البحث عن مكان أو محاولة الوصول إلى المقعد المضمن في التذكرة.
ومع ارتفاع الإقبال على حفلات النجوم العرب، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى مراجعة آليات الدخول وتوزيع المقاعد ومراقبة احترام تصنيف التذاكر، خاصة في السهرات التي تتجاوز فيها نسب الإقبال طاقة الاستيعاب أو تقترب منها.
ويبقى التحدي هذه المرة خارج الركح.. أن يكون التنظيم في مستوى الحضور الجمهوري، وفي مستوى النجوم الذين تستضيفهم قرطاج، حتى لا يبقى نجاح السهرة فنيا وجماهيريا فقط، بينما تظل تجربة المتفرج بحاجة إلى مزيد من التنظيم والاهتمام...
وليد عبد اللاوي
