لم تكن سهرة الفنان العالمي سامي يوسف على ركح المسرح الأثري بقرطاج مجرد حفل موسيقي يضاف إلى سجل الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كانت تجربة إنسانية وروحية استثنائية تجاوزت مفهوم الفرجة التقليدية لتتحول إلى حالة من التأمل الجماعي، امتزج فيها الفن بالتصوف، والموسيقى بحوار الحضارات، فبدت مدارج قرطاج وكأنها تعيش طقسا جماليا نادرا يصعب تكراره..
منذ اللحظات الأولى لاعتلائه الركح برفقة مجموعته الموسيقية العالمية "فونس صوفيا"، بدا واضحا أن سامي يوسف لا يسعى إلى إحياء حفل غنائي بالمعنى المتعارف عليه، وإنما إلى اصطحاب جمهوره في رحلة موسيقية عابرة للحدود والثقافات.. رحلة تتجاور فيها المقامات الشرقية مع الأنغام الأندلسية، وتلتقي فيها الروحانيات الإسلامية مع لغات موسيقية عالمية، في مشهد يعكس إيمانه الدائم بأن الموسيقى لغة قادرة على توحيد البشر مهما اختلفت أصولهم وهوياتهم..
ولم يكن هذا التلاقح الثقافي مجرد شعار يرفع على الركح، بل تجسد في كل تفاصيل العرض..من تنوع العازفين والآلات الموسيقية القادمة من مدارس موسيقية مختلفة، إلى الحضور اللافت لمغنية جمعت بين الجذور المغربية و"الصوت الملائكي"، لتضيف بصوتها بعدا آخر إلى هذا الحوار الحضاري الذي صنعه سامي يوسف بعناية، مؤكدا مرة أخرى أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى مصدر ثراء وجمال..نفس الشيء بالنسبة للمغني الاسباني الذي أبدع في أدائه من حيث التمكن من المقامات وانسجامه المتفرد مع بقية الفرقة..
توالت الأغاني التي صنعت شهرة الفنان العالمي، فصدحت حنجرته بأغان خالدة مثل "مدد" (أيا روضة العشاق) و"حسبي ربي"، لتتحول مدارج قرطاج إلى كورال ضخم يردد الكلمات في انسجام لافت.. غير أن أكثر ما ميز هذه السهرة لم يكن حجم التفاعل، بل طبيعته..ففي زمن اعتادت فيه المهرجانات على التصفيق المتواصل والرقص والصياح فرض سامي يوسف إيقاعا مختلفا تماما. عشرات الآلاف الذين توافدوا من مختلف الفئات العمرية لم يكونوا يبحثون عن حفلة صاخبة، بل عن لحظات إنصات.. جلس الجمهور مصغيا لكل تفصيل، يتابع كل انتقالة موسيقية وكل أداء صوتي بكل خشوع، حتى بدا الصمت نفسه جزءا من العرض.
واللافت أن هذا المشهد استمر حتى خلال المقاطع ذات الإيقاعات القوية والسريعة، إذ لم تتحول المدارج إلى فضاء للرقص كما يحدث عادة، ولم تطغ الحركات الجماعية أو التصفيق العشوائي، بل ظل الإنصات سيد الموقف، في مشهد نادر يعكس قدرة سامي يوسف على فرض عالمه الفني الخاص.. عالم يتأسس على التأمل أكثر مما يقوم على الاستعراض وعلى الإصغاء أكثر مما يعتمد على الإثارة..
ولعل هذا ما جعل العرض يبدو أقرب إلى تجربة صوفية جماعية، حيث لم يكن الجمهور متلقيا فقط بل شريكا في صناعة اللحظة يردد حين يستوجب المقام الترديد ويصمت حين يصبح الصمت أبلغ من الكلام.
هكذا نجح سامي يوسف في تقديم إحدى أكثر سهرات مهرجان قرطاج الدولي تميزا، مؤكدا أن الموسيقى ليست مجرد أصوات وآلات، بل رسالة إنسانية قادرة على مد الجسور بين الشعوب والثقافات والأديان. وعلى ركح قرطاج، حيث تعاقبت عبر آلاف السنين حضارات وإمبراطوريات مختلفة، بدا هذا التلاقي الموسيقي امتدادا طبيعيا لتاريخ المكان ورسالة جديدة مفادها أن الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود.. وأن الجمال يظل اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع!..
وليد عبد اللاوي
لم تكن سهرة الفنان العالمي سامي يوسف على ركح المسرح الأثري بقرطاج مجرد حفل موسيقي يضاف إلى سجل الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كانت تجربة إنسانية وروحية استثنائية تجاوزت مفهوم الفرجة التقليدية لتتحول إلى حالة من التأمل الجماعي، امتزج فيها الفن بالتصوف، والموسيقى بحوار الحضارات، فبدت مدارج قرطاج وكأنها تعيش طقسا جماليا نادرا يصعب تكراره..
منذ اللحظات الأولى لاعتلائه الركح برفقة مجموعته الموسيقية العالمية "فونس صوفيا"، بدا واضحا أن سامي يوسف لا يسعى إلى إحياء حفل غنائي بالمعنى المتعارف عليه، وإنما إلى اصطحاب جمهوره في رحلة موسيقية عابرة للحدود والثقافات.. رحلة تتجاور فيها المقامات الشرقية مع الأنغام الأندلسية، وتلتقي فيها الروحانيات الإسلامية مع لغات موسيقية عالمية، في مشهد يعكس إيمانه الدائم بأن الموسيقى لغة قادرة على توحيد البشر مهما اختلفت أصولهم وهوياتهم..
ولم يكن هذا التلاقح الثقافي مجرد شعار يرفع على الركح، بل تجسد في كل تفاصيل العرض..من تنوع العازفين والآلات الموسيقية القادمة من مدارس موسيقية مختلفة، إلى الحضور اللافت لمغنية جمعت بين الجذور المغربية و"الصوت الملائكي"، لتضيف بصوتها بعدا آخر إلى هذا الحوار الحضاري الذي صنعه سامي يوسف بعناية، مؤكدا مرة أخرى أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى مصدر ثراء وجمال..نفس الشيء بالنسبة للمغني الاسباني الذي أبدع في أدائه من حيث التمكن من المقامات وانسجامه المتفرد مع بقية الفرقة..
توالت الأغاني التي صنعت شهرة الفنان العالمي، فصدحت حنجرته بأغان خالدة مثل "مدد" (أيا روضة العشاق) و"حسبي ربي"، لتتحول مدارج قرطاج إلى كورال ضخم يردد الكلمات في انسجام لافت.. غير أن أكثر ما ميز هذه السهرة لم يكن حجم التفاعل، بل طبيعته..ففي زمن اعتادت فيه المهرجانات على التصفيق المتواصل والرقص والصياح فرض سامي يوسف إيقاعا مختلفا تماما. عشرات الآلاف الذين توافدوا من مختلف الفئات العمرية لم يكونوا يبحثون عن حفلة صاخبة، بل عن لحظات إنصات.. جلس الجمهور مصغيا لكل تفصيل، يتابع كل انتقالة موسيقية وكل أداء صوتي بكل خشوع، حتى بدا الصمت نفسه جزءا من العرض.
واللافت أن هذا المشهد استمر حتى خلال المقاطع ذات الإيقاعات القوية والسريعة، إذ لم تتحول المدارج إلى فضاء للرقص كما يحدث عادة، ولم تطغ الحركات الجماعية أو التصفيق العشوائي، بل ظل الإنصات سيد الموقف، في مشهد نادر يعكس قدرة سامي يوسف على فرض عالمه الفني الخاص.. عالم يتأسس على التأمل أكثر مما يقوم على الاستعراض وعلى الإصغاء أكثر مما يعتمد على الإثارة..
ولعل هذا ما جعل العرض يبدو أقرب إلى تجربة صوفية جماعية، حيث لم يكن الجمهور متلقيا فقط بل شريكا في صناعة اللحظة يردد حين يستوجب المقام الترديد ويصمت حين يصبح الصمت أبلغ من الكلام.
هكذا نجح سامي يوسف في تقديم إحدى أكثر سهرات مهرجان قرطاج الدولي تميزا، مؤكدا أن الموسيقى ليست مجرد أصوات وآلات، بل رسالة إنسانية قادرة على مد الجسور بين الشعوب والثقافات والأديان. وعلى ركح قرطاج، حيث تعاقبت عبر آلاف السنين حضارات وإمبراطوريات مختلفة، بدا هذا التلاقي الموسيقي امتدادا طبيعيا لتاريخ المكان ورسالة جديدة مفادها أن الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود.. وأن الجمال يظل اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع!..