في لقاء مع مسرح «نو» وفنون القتال اليابانية ماتسورا ماساتو لـ "الصباح نيوز": القيم التي يحملها مسرح "نو" قادرة على إيجاد أرضية مشتركة مع الجمهور التونسي
من تاكارازوكا في محافظة هيوغو اليابانية إلى اكبر المسارح ودور العرض الباريسي، يجسد ماتسورا ماساتو لقاءا فريدا يجمع بين الانضباط وصرامة فنون القتال وشاعرية الصمت في مسرح "نو".
وهو أحد أقدم الفنون المسرحية في اليابان و يتميز هذا الفن الكلاسيكي بطابعه الرمزي وحركاته البطيئة والمدروسة الى جانب ارتكازه على الإيحاء حيث تحمل كل إيماءة معنى عميقا يتجاوز الظاهر.
وُلد عام 1965، وغادر كلية الآداب بجامعة واسيدا، حيث كان يدرس الفلسفة الشرقية، ليصبح التلميذ الشخصي للمعلم الثامن تيتسونوسوكي كانزه، المصنَّف "كنزا وطنيا حيّا" في مسرح "نو".
قرارٌ شكل منعطفا حاسما في حياته وفي كامل مسيرته الفنية.
ففي هذا النمط المسرحي العريق، لكل حركة معناها، ولكل صمت صداه. وحتى ينمي مهارات التحكم الجسدي، تدرّب ماتسورا ماساتو على عدة فنون قتالية على غرار الكاراتيه، وفن السيف وغيرهم فكان لهذه الاختصاصات الأثر العميق في ممارسة فنه.
ومنذ استقراره في باريس عام 2006، أسّس «مدرسة سايو» لتكون فضاءا لتدريس فنون القتال اليابانية وفق مقاربته الخاصة. وعبر نشاط متواصل بين التعليم والعروض والمحاضرات، حمل هذا التراث إلى فضاءات دولية متعددة، حيث امتد حضوره من أوروبا إلى إفريقيا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، مخاطبا جمهوراً متنوّع الخلفيات والثقافات..
وهو ايضا مؤلف لعدة كتب على غرار"الحكمة وكلمات الأمل للعيش بمرونة" ويؤكد من خلالها أن مسرح «نو» وفنون القتال ليسا مجرد تقنيات أو عروض أدائية وانما هما طريق نحو تناغم الجسد والعقل والروح، وحوار دائم بين الانضباط والروحانية الكونية.
يزور اليوم ماتسورا ماساتو تونس محمّلا بخبرة تمتد لعقود بين المسرح وفنون القتال، ليؤطر دورات تدريبية متقدمة لفائدة طلبة إحدى الجامعات الخاصة.
وفي حوار خصّ به "الصباح نيوز"، يتوقف عند أبرز محطات مسيرته، ورؤيته لمسرح "نو"، وطبيعة العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، إضافة إلى البعد الروحي لفنه وانعكاسه على الجمهورين التونسي والأوروبي.
يشير محدثنا في البداية الى ان مسرح "نو" هو فنّ بالغ الدقة وذو طابع تأملي عميق. فكل حركة، وكل وضعية، وكل لحظة صمت لها أهميتها الجوهرية.
فالبطئ في الحركة يتيح للمشاهد أن يدرك تماما نية الممثل وطاقة حضوره.
فعلى عكس بعض أشكال المسرح التي قد تطغى فيها التقنية أو الأنا، يسعى ممثل "نو" إلى تجاوز ذاته، والتحرر من إرادته الخاصة ليصبح هو الدور ذاته .
اما فيما يتعلق بزيارته الى تونس فقد عبّر ماتسورا ماساتو عن تفاؤله الكبير بحسن استقبال تجربته الفنية مؤكدا أنه يتوقع أن تلقى عروضه ودوراته التدريبية صدى إيجابيا لدى الجمهور التونسي الذي يمتلك حسّا ثقافيا عميقاً وانفتاحاً على الفنون الروحية، معتبراً أن القيم التي يحملها مسرح «نو» وفنون القتال — من انسجام وتأمل وانضباط — قادرة على إيجاد أرضية مشتركة مع الجمهور التونسي.
ولدى الخوض في حيثيات مساره المهني أشار محدثنا الى ان فنون القتال علمته معرفة جسده، وتعزيز قدرته على التركيز موضحا ان السيف أو الكاراتيه أو الأيكيدو ليست مجرد تقنيات قتالية وانما هي اليات تخلق انسجام بين الجسد والعقل موضحا انه من خلال هذا الانضباط الجسدي تتحقق عمق التجربة ودقة التعبير المسرحي.
ولان مسرح نو يتمتع ببعد روحي واضح، أشار محدثنا الى انه يرتبط ارتباطا وثيقا بالتأمل وإيقاظ الوعي اذ لا يتعلق الأمر بأداء دور فحسب، بل بخلق حضور حي وانسجام مع المكان والزمان والجمهور.
قد يجسد الممثل إلها أو روحاً أو طيفاً، ويدخل في حالة من التأمل الفاعل كاشفا في السياق ذاته ان بعض المفاهيم الموجودة في الروحانية الإسلامية، مثل الدائرية والتناغم، نجد صداها في حركاتنا وممارساتنا.
اما فيما يتعلق بالعلاقة بين الأستاذ التلميذ، أورد محدثنا ان هذه العلاقة تعتبر جوهرية ففي التقليد الياباني لا يقدم الأستاذ دروسا نظرية بالمعنى الغربي، بل يتعلم التلميذ من خلال العيش بقربه، ومراقبة حركاته، وإيقاعه وجميع تفاصيله..
حيث يشكّل الأستاذ الجسد والعقل من خلال المثال الحي، وعلى التلميذ أن يكون يقظا، متاحا ومتواضعا.
وفيما يهم تعامل الجمهور الفرنسي مع فنه، أشار محدثنا الى ان الجمهور قد يتفاجئ في البداية بالبطء وكثرة الصمت، لكنه سرعان ما يشعر بالطاقة والعاطفة. حتى دون فهم رموز "نو" بالكامل مبينا انه مع مرور الوقت، لاحظ اهتماما متزايداً بهذه الرحلة نحو التوازن بين الجسد والعقل والروح مشددا في السياق ذاته على ان أن «نو» وفنون القتال ليست مجرد تقنيات أو عروض، بل هي طرق نحو الانضباط والوعي والروحانية.
فهذا الفن يساعد على تجاوز الأنا، وفتح حوار بين الجسد والروح واستعادة الانسجام مع الذات ومع الطبيعة، ومع العالم. وهي الرسالة الكونية التي يسعى محدثنا إلى مشاركتها عبر تعليمها وعرضها على الجمهور التونسي الذي يظل منفتحاً على التجارب الثقافية المختلفة، ومتقبّلاً للفنون التي تعانق البعد الإنساني والروح..
منال حرزي
من تاكارازوكا في محافظة هيوغو اليابانية إلى اكبر المسارح ودور العرض الباريسي، يجسد ماتسورا ماساتو لقاءا فريدا يجمع بين الانضباط وصرامة فنون القتال وشاعرية الصمت في مسرح "نو".
وهو أحد أقدم الفنون المسرحية في اليابان و يتميز هذا الفن الكلاسيكي بطابعه الرمزي وحركاته البطيئة والمدروسة الى جانب ارتكازه على الإيحاء حيث تحمل كل إيماءة معنى عميقا يتجاوز الظاهر.
وُلد عام 1965، وغادر كلية الآداب بجامعة واسيدا، حيث كان يدرس الفلسفة الشرقية، ليصبح التلميذ الشخصي للمعلم الثامن تيتسونوسوكي كانزه، المصنَّف "كنزا وطنيا حيّا" في مسرح "نو".
قرارٌ شكل منعطفا حاسما في حياته وفي كامل مسيرته الفنية.
ففي هذا النمط المسرحي العريق، لكل حركة معناها، ولكل صمت صداه. وحتى ينمي مهارات التحكم الجسدي، تدرّب ماتسورا ماساتو على عدة فنون قتالية على غرار الكاراتيه، وفن السيف وغيرهم فكان لهذه الاختصاصات الأثر العميق في ممارسة فنه.
ومنذ استقراره في باريس عام 2006، أسّس «مدرسة سايو» لتكون فضاءا لتدريس فنون القتال اليابانية وفق مقاربته الخاصة. وعبر نشاط متواصل بين التعليم والعروض والمحاضرات، حمل هذا التراث إلى فضاءات دولية متعددة، حيث امتد حضوره من أوروبا إلى إفريقيا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، مخاطبا جمهوراً متنوّع الخلفيات والثقافات..
وهو ايضا مؤلف لعدة كتب على غرار"الحكمة وكلمات الأمل للعيش بمرونة" ويؤكد من خلالها أن مسرح «نو» وفنون القتال ليسا مجرد تقنيات أو عروض أدائية وانما هما طريق نحو تناغم الجسد والعقل والروح، وحوار دائم بين الانضباط والروحانية الكونية.
يزور اليوم ماتسورا ماساتو تونس محمّلا بخبرة تمتد لعقود بين المسرح وفنون القتال، ليؤطر دورات تدريبية متقدمة لفائدة طلبة إحدى الجامعات الخاصة.
وفي حوار خصّ به "الصباح نيوز"، يتوقف عند أبرز محطات مسيرته، ورؤيته لمسرح "نو"، وطبيعة العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، إضافة إلى البعد الروحي لفنه وانعكاسه على الجمهورين التونسي والأوروبي.
يشير محدثنا في البداية الى ان مسرح "نو" هو فنّ بالغ الدقة وذو طابع تأملي عميق. فكل حركة، وكل وضعية، وكل لحظة صمت لها أهميتها الجوهرية.
فالبطئ في الحركة يتيح للمشاهد أن يدرك تماما نية الممثل وطاقة حضوره.
فعلى عكس بعض أشكال المسرح التي قد تطغى فيها التقنية أو الأنا، يسعى ممثل "نو" إلى تجاوز ذاته، والتحرر من إرادته الخاصة ليصبح هو الدور ذاته .
اما فيما يتعلق بزيارته الى تونس فقد عبّر ماتسورا ماساتو عن تفاؤله الكبير بحسن استقبال تجربته الفنية مؤكدا أنه يتوقع أن تلقى عروضه ودوراته التدريبية صدى إيجابيا لدى الجمهور التونسي الذي يمتلك حسّا ثقافيا عميقاً وانفتاحاً على الفنون الروحية، معتبراً أن القيم التي يحملها مسرح «نو» وفنون القتال — من انسجام وتأمل وانضباط — قادرة على إيجاد أرضية مشتركة مع الجمهور التونسي.
ولدى الخوض في حيثيات مساره المهني أشار محدثنا الى ان فنون القتال علمته معرفة جسده، وتعزيز قدرته على التركيز موضحا ان السيف أو الكاراتيه أو الأيكيدو ليست مجرد تقنيات قتالية وانما هي اليات تخلق انسجام بين الجسد والعقل موضحا انه من خلال هذا الانضباط الجسدي تتحقق عمق التجربة ودقة التعبير المسرحي.
ولان مسرح نو يتمتع ببعد روحي واضح، أشار محدثنا الى انه يرتبط ارتباطا وثيقا بالتأمل وإيقاظ الوعي اذ لا يتعلق الأمر بأداء دور فحسب، بل بخلق حضور حي وانسجام مع المكان والزمان والجمهور.
قد يجسد الممثل إلها أو روحاً أو طيفاً، ويدخل في حالة من التأمل الفاعل كاشفا في السياق ذاته ان بعض المفاهيم الموجودة في الروحانية الإسلامية، مثل الدائرية والتناغم، نجد صداها في حركاتنا وممارساتنا.
اما فيما يتعلق بالعلاقة بين الأستاذ التلميذ، أورد محدثنا ان هذه العلاقة تعتبر جوهرية ففي التقليد الياباني لا يقدم الأستاذ دروسا نظرية بالمعنى الغربي، بل يتعلم التلميذ من خلال العيش بقربه، ومراقبة حركاته، وإيقاعه وجميع تفاصيله..
حيث يشكّل الأستاذ الجسد والعقل من خلال المثال الحي، وعلى التلميذ أن يكون يقظا، متاحا ومتواضعا.
وفيما يهم تعامل الجمهور الفرنسي مع فنه، أشار محدثنا الى ان الجمهور قد يتفاجئ في البداية بالبطء وكثرة الصمت، لكنه سرعان ما يشعر بالطاقة والعاطفة. حتى دون فهم رموز "نو" بالكامل مبينا انه مع مرور الوقت، لاحظ اهتماما متزايداً بهذه الرحلة نحو التوازن بين الجسد والعقل والروح مشددا في السياق ذاته على ان أن «نو» وفنون القتال ليست مجرد تقنيات أو عروض، بل هي طرق نحو الانضباط والوعي والروحانية.
فهذا الفن يساعد على تجاوز الأنا، وفتح حوار بين الجسد والروح واستعادة الانسجام مع الذات ومع الطبيعة، ومع العالم. وهي الرسالة الكونية التي يسعى محدثنا إلى مشاركتها عبر تعليمها وعرضها على الجمهور التونسي الذي يظل منفتحاً على التجارب الثقافية المختلفة، ومتقبّلاً للفنون التي تعانق البعد الإنساني والروح..