إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

"الكبوط" أولى عروض أيام قرطاج لفنون العرائس.. الإنسان المعاصر والتآكل الصامت

بعد الافتتاح الرسمي لفعاليات الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس التي تحتفي بحدث استثنائي هذا العام وهو خمسينية تأسيس المركز الوطني لفن العرائس، توجه الجمهور إلى قاعة المبدعين الشبان لمواكبة أول عروض الدورة مع عرض "الكبوط".
 ويمثل هذا العرض آخر إنتاجات المركز الوطني لفنّ العرائس، في اقتبـاس وإخراج لأميـر العيوني عن قصة" المعطف" للكاتب الروسي نيكولاي ڤوڤول.
 و"الكبوط" من تصميم حسان السلامي في السينوغرافيا، وتصوّر وتصميم العرائس وليد الوسيعي، وأداء وتحريك عبد السلام الجمل وفاطمة الزهراء مرواني وأسامة الماكني وهيثم الوناسي وخلود الثابت وخلود الناعس. وقد ساعد في الإخراج كلّ من أميمة المجادي وأسامة الماكني.

الإنسان المعاصر والتآكل الصامت
على ركح "الكبوط" اختار المخرج أن يروي الحكاية عبر خيوط غير مرئية تشدّ الدمى كما تشدّ الحياة البشر إلى أقدارهم الصامتة، فالخيط غير المرئي الذي يقود الدمية هو ذاته النظام والوظيفة والروتين والحاجة.. فلم يعد الإنسان فاعلا وقائدا، بل أصبح سجينا لقيود غير مرئية وأسيرا لعبودية معاصرة.
منذ اللحظات الأولى، يكشف العرض عن كائن/ إنسان يتآكل ببطء بسبب عمل روتيني بارد يستهلكه ويمتص إنسانيته. هي قصة موظف يقع ضحية استنزاف هادئ يشبه تسرب الرمل من بين الأصابع. كان هذا الموظف البائس يحلم بشراء معطف جديد، بعد أن استعصى معطفه القديم عن الترقيع. وبعد تضحيات وتشقف وحرمان، كانت فرحة الموظف هستيرية بعد أن حصل أخيرا على المعطف المنتظر... ولكن الفرحة انقلبت إلى مأساة بعد أن حدث للمعطف ما لم يكن في الحسبان! 

تراجيديا الزمن الحديث
في اشتغال متمكن على السينوغرافيا، بدت الأشياء أكبر من الشخصيات، فالكراسي والمكاتب والتفاصيل اليومية، كلها متضخمة كأن العالم نفسه خرج عن حجمه الطبيعي. توظيف هذه المبالغة البصرية لم يكن عبثا، بل هي دلالة رمزية على أنّ الفضاء يتبدل، لكن الاختناق ثابت. البيت لا يمنح دفئا، والعمل لا يمنح معنى، والشارع لا يمنح خلاصا. لا تختلف الأمكنة لأنها جميعا تنتمي إلى النظام ذاته، نظام يطلب من الإنسان أن يعمل كالآلة، وأن يعيش في روتين قاتل.
 اختارت مسرحية "الكبوط" الصمت كلغة ثانية أكثر ترميزا وتأثيرا...فلغة العيون الزجاجية للدمى، ولغة الحركة المتكررة، ولغة الجسد الذي يؤدي الفعل ذاته حتى يفقد علاقته به.. كلها عناصر تشير إلى معاناة الإنسان المعاصر الذي يغرق في دوامة البؤس واليأس بالرغم من مظاهر الحداثة الكاذبة.
احتلت الموسيقى في "الكبوط" موقعا مهما فهي لا ترافق الحدث، بل تكشف ما تحجبه الصورة، وما صمت عنه النص. فمرة تأتي كهمس داخلي، ومرة كنبض قلق، ومرة كسخرية خفية من احتفال لا معنى له. فكانت صوت الروح حين يعجز الجسد عن الكلام.

المأساة الهادئة
لا تدين مسرحية "الكبوط" شخصا بل وضعا، ولا تنتقد فردا بل زمنا، إنها مسرحية عن الإنسان حين يصبح رقما، وظيفة، توقيعا، حركة ميكانيكية بين الصباح والمساء... عن ذلك التعب الذي لا ينتج راحة، والعمل الذي لا يمنح كرامة، والحياة التي تُعاش دون متعة.
ومع ذلك، لا يسقط العرض في اليأس المطلق، فمجرد تحويل هذا الصمت إلى فن، وهذا الاختناق إلى صورة، هو شكل من أشكال المقاومة. إنّ هذه المسرحية العرائسية لا تقدّم حلولا، بل تتنج وعيا يضعنا أمام هشاشتنا، ويجبرنا على رؤية دوّامة حياتنا المعاصرة دون تجميل.
في استعارة مجازية مكثفة وعميقة، يتحوّل "الكبوط" إلى معطف رمزي يرتديه الإنسان الحديث، يدفئه قليلا لكنه يثقله كثيرا.
في النهاية، مسرحية "الكبوط" وعرائسها تؤكد أنّ أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يتألم، بل أن يعتاد الألم حتى يتوقف عن الإحساس به !

 "الكبوط" أولى عروض أيام قرطاج لفنون العرائس.. الإنسان المعاصر والتآكل الصامت

بعد الافتتاح الرسمي لفعاليات الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس التي تحتفي بحدث استثنائي هذا العام وهو خمسينية تأسيس المركز الوطني لفن العرائس، توجه الجمهور إلى قاعة المبدعين الشبان لمواكبة أول عروض الدورة مع عرض "الكبوط".
 ويمثل هذا العرض آخر إنتاجات المركز الوطني لفنّ العرائس، في اقتبـاس وإخراج لأميـر العيوني عن قصة" المعطف" للكاتب الروسي نيكولاي ڤوڤول.
 و"الكبوط" من تصميم حسان السلامي في السينوغرافيا، وتصوّر وتصميم العرائس وليد الوسيعي، وأداء وتحريك عبد السلام الجمل وفاطمة الزهراء مرواني وأسامة الماكني وهيثم الوناسي وخلود الثابت وخلود الناعس. وقد ساعد في الإخراج كلّ من أميمة المجادي وأسامة الماكني.

الإنسان المعاصر والتآكل الصامت
على ركح "الكبوط" اختار المخرج أن يروي الحكاية عبر خيوط غير مرئية تشدّ الدمى كما تشدّ الحياة البشر إلى أقدارهم الصامتة، فالخيط غير المرئي الذي يقود الدمية هو ذاته النظام والوظيفة والروتين والحاجة.. فلم يعد الإنسان فاعلا وقائدا، بل أصبح سجينا لقيود غير مرئية وأسيرا لعبودية معاصرة.
منذ اللحظات الأولى، يكشف العرض عن كائن/ إنسان يتآكل ببطء بسبب عمل روتيني بارد يستهلكه ويمتص إنسانيته. هي قصة موظف يقع ضحية استنزاف هادئ يشبه تسرب الرمل من بين الأصابع. كان هذا الموظف البائس يحلم بشراء معطف جديد، بعد أن استعصى معطفه القديم عن الترقيع. وبعد تضحيات وتشقف وحرمان، كانت فرحة الموظف هستيرية بعد أن حصل أخيرا على المعطف المنتظر... ولكن الفرحة انقلبت إلى مأساة بعد أن حدث للمعطف ما لم يكن في الحسبان! 

تراجيديا الزمن الحديث
في اشتغال متمكن على السينوغرافيا، بدت الأشياء أكبر من الشخصيات، فالكراسي والمكاتب والتفاصيل اليومية، كلها متضخمة كأن العالم نفسه خرج عن حجمه الطبيعي. توظيف هذه المبالغة البصرية لم يكن عبثا، بل هي دلالة رمزية على أنّ الفضاء يتبدل، لكن الاختناق ثابت. البيت لا يمنح دفئا، والعمل لا يمنح معنى، والشارع لا يمنح خلاصا. لا تختلف الأمكنة لأنها جميعا تنتمي إلى النظام ذاته، نظام يطلب من الإنسان أن يعمل كالآلة، وأن يعيش في روتين قاتل.
 اختارت مسرحية "الكبوط" الصمت كلغة ثانية أكثر ترميزا وتأثيرا...فلغة العيون الزجاجية للدمى، ولغة الحركة المتكررة، ولغة الجسد الذي يؤدي الفعل ذاته حتى يفقد علاقته به.. كلها عناصر تشير إلى معاناة الإنسان المعاصر الذي يغرق في دوامة البؤس واليأس بالرغم من مظاهر الحداثة الكاذبة.
احتلت الموسيقى في "الكبوط" موقعا مهما فهي لا ترافق الحدث، بل تكشف ما تحجبه الصورة، وما صمت عنه النص. فمرة تأتي كهمس داخلي، ومرة كنبض قلق، ومرة كسخرية خفية من احتفال لا معنى له. فكانت صوت الروح حين يعجز الجسد عن الكلام.

المأساة الهادئة
لا تدين مسرحية "الكبوط" شخصا بل وضعا، ولا تنتقد فردا بل زمنا، إنها مسرحية عن الإنسان حين يصبح رقما، وظيفة، توقيعا، حركة ميكانيكية بين الصباح والمساء... عن ذلك التعب الذي لا ينتج راحة، والعمل الذي لا يمنح كرامة، والحياة التي تُعاش دون متعة.
ومع ذلك، لا يسقط العرض في اليأس المطلق، فمجرد تحويل هذا الصمت إلى فن، وهذا الاختناق إلى صورة، هو شكل من أشكال المقاومة. إنّ هذه المسرحية العرائسية لا تقدّم حلولا، بل تتنج وعيا يضعنا أمام هشاشتنا، ويجبرنا على رؤية دوّامة حياتنا المعاصرة دون تجميل.
في استعارة مجازية مكثفة وعميقة، يتحوّل "الكبوط" إلى معطف رمزي يرتديه الإنسان الحديث، يدفئه قليلا لكنه يثقله كثيرا.
في النهاية، مسرحية "الكبوط" وعرائسها تؤكد أنّ أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يتألم، بل أن يعتاد الألم حتى يتوقف عن الإحساس به !