إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

البرباشة:حياةٌ تحكمها كمية النفايات

بالنسبة لهم النفايات ملجأهم الوحيد لإنقاذ مايمكن إنقاذه للعيش، ومصدر رزق يديرونه على طريقتهم. لم يعد بالإمكان تجاهل وجودهم بيننا. "أمل" إحداهن، كانت تبدو مشتتة الذهن، عيناها تبحث عن حاويات الفضلات المليئة مهرولةً نحوها بسرعة وساحبةً ابنتها من يدها خوفاً من أن يسبقها أحد منافسيها. كانت ترتدي مريلة بيضاء لولا اتساخها كان من الممكن أن نخلط بينها وبين عاملةٍ في القطاع الصحي.

 هم لا يبحثون عن رفع أرصدتهم في البنوك تحت وطأة أزمة كورونا الخانقة، في شكل مجموعات أو أفراد يتسابق منقبو الفضلات للوصول إلى حاويات النفايات بأرقىأحياء سوسة المدينة. كل همهم جني لقمة العيش في سباق مع الوقت العودة إلىمنازلهم قبل حظر التجول، مفضلين الليل للعمل خوفا من نظرة المجتمع النمطية لهم.ن. حاملين على أكتافهم أكياس مليئة بـالقوارير البلاستيكية أو بقطع الخبز الجافة، جارّين عرباتهم المهترئة نحو حاويات الفضلات لسد رمق عائلاتهم في زمن أصبح فيه إيجاد موطن شغل بمثابة مهمة صعبة.

قبل دقائق قليلة من غروب الشمس، بينما يعود الجميع إلى منازلهم بعد يومٍ مليءٍ بالأحداث، تتحول شوارع وأزقة سوسة إلى أكثر المناطق ازدحاماً بمنقبي.ات الفضلات تحديداً بالقرب من المدينة العتيقة أو الأحياء الراقية كسهلول. هذا المشهد المتكرر يومياً ،والذي يطغى عليه اللون الرمادي،  يكتسب رويداً رويداً ألوانا مختلفة لمجرد انتشار منقبي.ات الفضلات باحثين عن كنزهم المتشح بالأوساخ. نساء ورجال وأطفال بأعمار مختلفة. أغلبهم يواجه ظروفا صعبة كجل العاملين في القطاعات الموازية.

"أمل" أم لثلاثة أطفال. تقطع يومياً 7 كيلومترات من منطقة أولاد بو عون بالقلعة الصغرى لسوسة المدينة، برفقة ابنتها نور التي لم تتجاوز 10 سنوات للبحث على لقمة العيش. حاولت "أمل" البحث عن عمل كمعينة منزلية لكنها فشلت كل محاولاتها في الحصول على وظيفة قارة تكفل مصاريف عائلتها.

تقول "أمل" بنبرة تشي بحجم المعاناة التي تتكبدها يومياً: " أنا مرغمة على امتهان البحث في الفضلات، زوجي لا يشتغل وفي كفالتنا 3 أطفال يدرسون. كل هميأن ينهي أبنائي دراستهم ويظفر كلٌ منهم بمستقبل جيد."

تضيف محدثتنا عن تجربتها في هذه المهنة: " لا تهمني كثيراً نظرة الناس لي في نهاية الأمر رضاء الناس غايةٌ لا تدرك ولست أقوم بعمل مشين كل ما يهمني أن أتمكن من إطعام أطفالي واقتناء ملابس تغطي أجسادهم طيلة السنة"

وفي كثير من الأوقات تعود "أمل" إلى منزلها بعد أكثر من 8 ساعةٍ من البحث المستمر في شوارع سوسة بكميةٍ لا تفوق الكيلوغرام الواحد، والتي لا تساوي أكثر من دينارٍ واحد، لا يكفيلشراء ما يسد رمق عائلةٍ تتكون من 5 أفراد.

منقبو الفضلات أو كما يسميهم البعض "البرباشة" ظاهرة تفاقمت بعد الثورة ليبلغ عدد الناشطين في هذا المجال غير المهيكل أكثر من 70 ألف بكامل تراب الجمهورية، حسب إحصائية قامت بها الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الفني.

رغم غياب احصائيات واضحة في هذا الشَأْنٌ، تؤكد مديرة إدارة التنمية ببلدية سوسة السيدة ابتسام صميدة، أن ظاهرة منقبو الفضلات تفاقمت في السنتين الأخيرتين. كما ترجح أن هذا يعود لمخلفات أزمة كورونا على الاقتصاد التونسي والذي أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة وفقدان مواطن الشغل.

قضاء وقدر

على بعد كيلومترات، بالقرب من المدينة العتيقة بسوسة، ومع اقتراب ساعة حظر الجولان وخفوت حركة المارة، كان "منجي" الكهل الخمسينيجالسا يحاول أن ينال قسطاً من الراحة وعلى محياه الكثير من الإرهاق، ليستعد للعودة الى منزله، خوفا من أن يقوم أحد أعوان الأمن بإيقافهوفرض خطية مالية.

عربته الحديدية كانت مثقلة بالقوارير البلاستيكية والمعدنية ترافقه كظله. بينما كان يجلس بهدوء، مرة إحدى السيارات الشعبية تعالى من مضخم صوتها كلمات اغنية حوماني " ڤــاعدين نعيشو كي الزّبلة في poubella تي فڤــري نڤــري ما نڤـــوم بكري ما نعرف منڤالة تي فڤري نڤري ممّــا .. ما نڤوم بكري نڤري ممّــا

هـــوني خنڤــة برشـــا غمّة ..." ابتسم وقام بالاستعداد للعودة الى منزله.

"منجي" أحد ضحايا أزمة كورونا. لم يتخيل أن الجائحة ستكون سبباً في تغير مجرى حياته. كان ينعم بحياةٍ قارة وموطن شغلٍ يضمن له حياةً مستقرة.

لم يتخلف " منجي" عن عمله ليومٍ واحد لمدة 15 سنة ليجد نفسه يعاني من البطالة كألاف التونسيين. فقد " منجي" شغله منذ 9 أشهر كرئيس قسم المضيفين والمضيفات بإحدى النزل في سوسة، بسبب انخفاض دخله. وجداً نفسه أمام قرارٍ ليس بالهين،الاشتغال في التنقيب عن الفضلات لكن سرعان ما أحب هذا العمل وتأقلم معه.

في حديثه معنا أكد أن الأرزاق بيد الله، وأنه سعيد اليوم بمهنته. فهي تؤمن له ولعائلته حياة محترمة في انتظار العودة لنشاطه السياحي.

يقول وعلى وجه نوع من الراحة: "رغم أنني كنت أمتهن عملا مريحا ولي رصيد بنكي محترم، اليوم أكتفي بما يرزقني به الله من البحث عن قوارير بلاستيكية و خبز جاف طالما أضمن توفير لقمة عيش لعائلتي بعرق جبيني."

يواصل "منجي" موضحا أن ما يسمى بالبرباشة ليست مهنة مقرفة كما يعتقد البعض: " كل ما في الأمر على الشخص أن يستحم جيداً بعد العودة للمنزل. كما أن عمل "البرباش" له دور مهم في رسكلة البلاستيك وفرز النفايات."

مهمة بلدية سوسة الصعبة

بين تفاقم عدد المنقبين عن الفضلات وغياب إحصائيات واضحة تجد بلدية سوسة نفسها أمام مهمة صعبة. في هذا إطار واضح السيد حمادي الخصيبي، مدير البيئة ببلدية سوسة أن بلدية سوسة تسعى للحد من هذه الظاهرة وتنظيم هذا القطاع.

مشيرا أن "التبربيش" ظاهرة قديمة وربما تفاقمها في وسط مدينة سوسة يعود الى تحويل مصب النفايات بحي الزهور وتشديد الحراسة عليه. مفسّرا أن "تشديد الحراسة يعود بالأساس لحماية "البرباشة" من المخاطر الصحية." على حد تعبيره.

كما ثمن دور المجتمع المدني في مد المساعدة للبلدية للحد من هذه الظاهرة، وإدماج هذه الفئة المهمشة في الدورة الاقتصادية والحد من النظر لهم بصفة نمطية.

وفي نفس الإطار أضاف، أن عدم وجود إطار قانوني يحد من دور البلدية في التعامل مع هذه الفئة من المجتمع وإدماجهم اجتماعيا واقتصاديا.

حلول كثيرة وممكنة

رغم تفاقم ظاهرة المنقبي.ات عن الفضلات نجحت عدد من التجارب في تونس إدماج هذه الفئة في الدورة الاقتصادية والحد من الصورة النمطية عنهم.

أكد هادي منصور متفقد بيداغوجي و واحد من مؤسسي "ائتلاف صفر نفايات"، أن المنقبي.ات عن الفضلات كغيرهم من القطاعات الموازية بحاجة لدراسة عميقة سوسيو اجتماعية لتهيئة الأرضية لإدماجهم.

مضيفا" أنه من المهم إدماج هذه الفئة في مرحلة أخذ القرار في الصيغة الطريقة التي يمكن استعمالها لإدماجهم اجتماعيا وخاصة اقتصاديا." مؤكدا أن للبلدية دورا مهم في هذا على الصعيد المحلى.

وفي هذا الإطار أشار أن هناك العديد من التجارب الناجحة التي أشرف عليها، كانت في مدينة صفاقس.حيث قام عدد من المواطنين بجمع المواد البلاستيكية والكرتونية في مقهى وإعداد رزنامة تداول من قبل المنقبي.ات الفضلات حتى تتكافأ الفرص في ما بينهم.ن.

كما أكد أن إحداث أول" جمعية للبرباشة" بالتضامن المنيهلة هو بادرة ممتازة، لأنها تساهم في الاستقرار الاجتماعي لعددٍ كبير من البرباشة في تونس الكبرى عبر إقتناء وسائل لنقل المواد المجمعة على غرار دراجات نارية وعربات وتجهيزات عصرية تسهل عليهم البحث في القمامة في الشوارع وفي المصبات العشوائية عن المواد القابلة للرسكلة، زجاجات وعلب وخبز ومواد أخرى.

ومن ناحيةٍ أخرى أشار الى أنالمنقبي.ات عن الفضلات، قد تعودوا على هذا الوضع السيئ وهم معرضون للأوبئة والأمراض.

قائلاً: "الناس يدركون حصون إنسانيتهم. يجب أن نحذر من عنف النظرة وصفعات الأعين التي يتلقونها من جل المارة طوال اليوم التي تقزم آدميتها بأكداس القمامة."وفي الأخير أصر على وجوب التسريع في إيجاد الإطار التشريعي والتنظيمي لهذا القطاع.

الهجرة بصيص الأمل الوحيد

لم يكمل "محمد" دراسته، ومنذ سن العاشرة بدأ العمل في التنقيب في الفضلات. يمارس المهنة اليوم منذ 8 سنوات. تردد كثيراً في الحديث معنا ورفض التقاط صورةٍ له، رغم إصرارنا أن وجهه الملائكي لن يظهر في الصورة. كان يرتدي قميصاً أصفر مكتوبا عليه باللغة الانجليزية " كن سعيداً".لكن وضعه كانعكس ذلك تماماً، ملابسه لم تخل من الاوساخ. كان يتنفس بصعوبة من شدة التعب منحنيا على أكياسه الرمادية القذرة المليئة بما تمكن من جمعه.

توفي والد "محمد" وهو في السابعة وفقدت أمه يدها وهو في العاشرة من عمره. وجد نفسه في البداية يتسول مع والدته، خاصة وأن أغلب المقاهي التي قصدها للعمل كنادل رفضوا تشغيله بسبب سنه.

هدفه الوحيد هو الهجرة بطريقة قانونية أو غير قانونية هو والدته لأوروبا.

يقول مقتنعا: "هذا البلد لامكان لي فيه، أنا أحاول بفضل هذه المهنة تجميع المال لأرحل في أقرب فرصة من تونس برفقة والدتي."

كغيره من العاملين في هذا القطاع المهمش يجني "محمد" يوميا بين 20 و30 دينار، يحاول أن يوفر نصف المبلغ ليرحل في شهر أوت لإيطاليا.

اسماء مبارك

البرباشة:حياةٌ تحكمها كمية النفايات

بالنسبة لهم النفايات ملجأهم الوحيد لإنقاذ مايمكن إنقاذه للعيش، ومصدر رزق يديرونه على طريقتهم. لم يعد بالإمكان تجاهل وجودهم بيننا. "أمل" إحداهن، كانت تبدو مشتتة الذهن، عيناها تبحث عن حاويات الفضلات المليئة مهرولةً نحوها بسرعة وساحبةً ابنتها من يدها خوفاً من أن يسبقها أحد منافسيها. كانت ترتدي مريلة بيضاء لولا اتساخها كان من الممكن أن نخلط بينها وبين عاملةٍ في القطاع الصحي.

 هم لا يبحثون عن رفع أرصدتهم في البنوك تحت وطأة أزمة كورونا الخانقة، في شكل مجموعات أو أفراد يتسابق منقبو الفضلات للوصول إلى حاويات النفايات بأرقىأحياء سوسة المدينة. كل همهم جني لقمة العيش في سباق مع الوقت العودة إلىمنازلهم قبل حظر التجول، مفضلين الليل للعمل خوفا من نظرة المجتمع النمطية لهم.ن. حاملين على أكتافهم أكياس مليئة بـالقوارير البلاستيكية أو بقطع الخبز الجافة، جارّين عرباتهم المهترئة نحو حاويات الفضلات لسد رمق عائلاتهم في زمن أصبح فيه إيجاد موطن شغل بمثابة مهمة صعبة.

قبل دقائق قليلة من غروب الشمس، بينما يعود الجميع إلى منازلهم بعد يومٍ مليءٍ بالأحداث، تتحول شوارع وأزقة سوسة إلى أكثر المناطق ازدحاماً بمنقبي.ات الفضلات تحديداً بالقرب من المدينة العتيقة أو الأحياء الراقية كسهلول. هذا المشهد المتكرر يومياً ،والذي يطغى عليه اللون الرمادي،  يكتسب رويداً رويداً ألوانا مختلفة لمجرد انتشار منقبي.ات الفضلات باحثين عن كنزهم المتشح بالأوساخ. نساء ورجال وأطفال بأعمار مختلفة. أغلبهم يواجه ظروفا صعبة كجل العاملين في القطاعات الموازية.

"أمل" أم لثلاثة أطفال. تقطع يومياً 7 كيلومترات من منطقة أولاد بو عون بالقلعة الصغرى لسوسة المدينة، برفقة ابنتها نور التي لم تتجاوز 10 سنوات للبحث على لقمة العيش. حاولت "أمل" البحث عن عمل كمعينة منزلية لكنها فشلت كل محاولاتها في الحصول على وظيفة قارة تكفل مصاريف عائلتها.

تقول "أمل" بنبرة تشي بحجم المعاناة التي تتكبدها يومياً: " أنا مرغمة على امتهان البحث في الفضلات، زوجي لا يشتغل وفي كفالتنا 3 أطفال يدرسون. كل هميأن ينهي أبنائي دراستهم ويظفر كلٌ منهم بمستقبل جيد."

تضيف محدثتنا عن تجربتها في هذه المهنة: " لا تهمني كثيراً نظرة الناس لي في نهاية الأمر رضاء الناس غايةٌ لا تدرك ولست أقوم بعمل مشين كل ما يهمني أن أتمكن من إطعام أطفالي واقتناء ملابس تغطي أجسادهم طيلة السنة"

وفي كثير من الأوقات تعود "أمل" إلى منزلها بعد أكثر من 8 ساعةٍ من البحث المستمر في شوارع سوسة بكميةٍ لا تفوق الكيلوغرام الواحد، والتي لا تساوي أكثر من دينارٍ واحد، لا يكفيلشراء ما يسد رمق عائلةٍ تتكون من 5 أفراد.

منقبو الفضلات أو كما يسميهم البعض "البرباشة" ظاهرة تفاقمت بعد الثورة ليبلغ عدد الناشطين في هذا المجال غير المهيكل أكثر من 70 ألف بكامل تراب الجمهورية، حسب إحصائية قامت بها الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الفني.

رغم غياب احصائيات واضحة في هذا الشَأْنٌ، تؤكد مديرة إدارة التنمية ببلدية سوسة السيدة ابتسام صميدة، أن ظاهرة منقبو الفضلات تفاقمت في السنتين الأخيرتين. كما ترجح أن هذا يعود لمخلفات أزمة كورونا على الاقتصاد التونسي والذي أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة وفقدان مواطن الشغل.

قضاء وقدر

على بعد كيلومترات، بالقرب من المدينة العتيقة بسوسة، ومع اقتراب ساعة حظر الجولان وخفوت حركة المارة، كان "منجي" الكهل الخمسينيجالسا يحاول أن ينال قسطاً من الراحة وعلى محياه الكثير من الإرهاق، ليستعد للعودة الى منزله، خوفا من أن يقوم أحد أعوان الأمن بإيقافهوفرض خطية مالية.

عربته الحديدية كانت مثقلة بالقوارير البلاستيكية والمعدنية ترافقه كظله. بينما كان يجلس بهدوء، مرة إحدى السيارات الشعبية تعالى من مضخم صوتها كلمات اغنية حوماني " ڤــاعدين نعيشو كي الزّبلة في poubella تي فڤــري نڤــري ما نڤـــوم بكري ما نعرف منڤالة تي فڤري نڤري ممّــا .. ما نڤوم بكري نڤري ممّــا

هـــوني خنڤــة برشـــا غمّة ..." ابتسم وقام بالاستعداد للعودة الى منزله.

"منجي" أحد ضحايا أزمة كورونا. لم يتخيل أن الجائحة ستكون سبباً في تغير مجرى حياته. كان ينعم بحياةٍ قارة وموطن شغلٍ يضمن له حياةً مستقرة.

لم يتخلف " منجي" عن عمله ليومٍ واحد لمدة 15 سنة ليجد نفسه يعاني من البطالة كألاف التونسيين. فقد " منجي" شغله منذ 9 أشهر كرئيس قسم المضيفين والمضيفات بإحدى النزل في سوسة، بسبب انخفاض دخله. وجداً نفسه أمام قرارٍ ليس بالهين،الاشتغال في التنقيب عن الفضلات لكن سرعان ما أحب هذا العمل وتأقلم معه.

في حديثه معنا أكد أن الأرزاق بيد الله، وأنه سعيد اليوم بمهنته. فهي تؤمن له ولعائلته حياة محترمة في انتظار العودة لنشاطه السياحي.

يقول وعلى وجه نوع من الراحة: "رغم أنني كنت أمتهن عملا مريحا ولي رصيد بنكي محترم، اليوم أكتفي بما يرزقني به الله من البحث عن قوارير بلاستيكية و خبز جاف طالما أضمن توفير لقمة عيش لعائلتي بعرق جبيني."

يواصل "منجي" موضحا أن ما يسمى بالبرباشة ليست مهنة مقرفة كما يعتقد البعض: " كل ما في الأمر على الشخص أن يستحم جيداً بعد العودة للمنزل. كما أن عمل "البرباش" له دور مهم في رسكلة البلاستيك وفرز النفايات."

مهمة بلدية سوسة الصعبة

بين تفاقم عدد المنقبين عن الفضلات وغياب إحصائيات واضحة تجد بلدية سوسة نفسها أمام مهمة صعبة. في هذا إطار واضح السيد حمادي الخصيبي، مدير البيئة ببلدية سوسة أن بلدية سوسة تسعى للحد من هذه الظاهرة وتنظيم هذا القطاع.

مشيرا أن "التبربيش" ظاهرة قديمة وربما تفاقمها في وسط مدينة سوسة يعود الى تحويل مصب النفايات بحي الزهور وتشديد الحراسة عليه. مفسّرا أن "تشديد الحراسة يعود بالأساس لحماية "البرباشة" من المخاطر الصحية." على حد تعبيره.

كما ثمن دور المجتمع المدني في مد المساعدة للبلدية للحد من هذه الظاهرة، وإدماج هذه الفئة المهمشة في الدورة الاقتصادية والحد من النظر لهم بصفة نمطية.

وفي نفس الإطار أضاف، أن عدم وجود إطار قانوني يحد من دور البلدية في التعامل مع هذه الفئة من المجتمع وإدماجهم اجتماعيا واقتصاديا.

حلول كثيرة وممكنة

رغم تفاقم ظاهرة المنقبي.ات عن الفضلات نجحت عدد من التجارب في تونس إدماج هذه الفئة في الدورة الاقتصادية والحد من الصورة النمطية عنهم.

أكد هادي منصور متفقد بيداغوجي و واحد من مؤسسي "ائتلاف صفر نفايات"، أن المنقبي.ات عن الفضلات كغيرهم من القطاعات الموازية بحاجة لدراسة عميقة سوسيو اجتماعية لتهيئة الأرضية لإدماجهم.

مضيفا" أنه من المهم إدماج هذه الفئة في مرحلة أخذ القرار في الصيغة الطريقة التي يمكن استعمالها لإدماجهم اجتماعيا وخاصة اقتصاديا." مؤكدا أن للبلدية دورا مهم في هذا على الصعيد المحلى.

وفي هذا الإطار أشار أن هناك العديد من التجارب الناجحة التي أشرف عليها، كانت في مدينة صفاقس.حيث قام عدد من المواطنين بجمع المواد البلاستيكية والكرتونية في مقهى وإعداد رزنامة تداول من قبل المنقبي.ات الفضلات حتى تتكافأ الفرص في ما بينهم.ن.

كما أكد أن إحداث أول" جمعية للبرباشة" بالتضامن المنيهلة هو بادرة ممتازة، لأنها تساهم في الاستقرار الاجتماعي لعددٍ كبير من البرباشة في تونس الكبرى عبر إقتناء وسائل لنقل المواد المجمعة على غرار دراجات نارية وعربات وتجهيزات عصرية تسهل عليهم البحث في القمامة في الشوارع وفي المصبات العشوائية عن المواد القابلة للرسكلة، زجاجات وعلب وخبز ومواد أخرى.

ومن ناحيةٍ أخرى أشار الى أنالمنقبي.ات عن الفضلات، قد تعودوا على هذا الوضع السيئ وهم معرضون للأوبئة والأمراض.

قائلاً: "الناس يدركون حصون إنسانيتهم. يجب أن نحذر من عنف النظرة وصفعات الأعين التي يتلقونها من جل المارة طوال اليوم التي تقزم آدميتها بأكداس القمامة."وفي الأخير أصر على وجوب التسريع في إيجاد الإطار التشريعي والتنظيمي لهذا القطاع.

الهجرة بصيص الأمل الوحيد

لم يكمل "محمد" دراسته، ومنذ سن العاشرة بدأ العمل في التنقيب في الفضلات. يمارس المهنة اليوم منذ 8 سنوات. تردد كثيراً في الحديث معنا ورفض التقاط صورةٍ له، رغم إصرارنا أن وجهه الملائكي لن يظهر في الصورة. كان يرتدي قميصاً أصفر مكتوبا عليه باللغة الانجليزية " كن سعيداً".لكن وضعه كانعكس ذلك تماماً، ملابسه لم تخل من الاوساخ. كان يتنفس بصعوبة من شدة التعب منحنيا على أكياسه الرمادية القذرة المليئة بما تمكن من جمعه.

توفي والد "محمد" وهو في السابعة وفقدت أمه يدها وهو في العاشرة من عمره. وجد نفسه في البداية يتسول مع والدته، خاصة وأن أغلب المقاهي التي قصدها للعمل كنادل رفضوا تشغيله بسبب سنه.

هدفه الوحيد هو الهجرة بطريقة قانونية أو غير قانونية هو والدته لأوروبا.

يقول مقتنعا: "هذا البلد لامكان لي فيه، أنا أحاول بفضل هذه المهنة تجميع المال لأرحل في أقرب فرصة من تونس برفقة والدتي."

كغيره من العاملين في هذا القطاع المهمش يجني "محمد" يوميا بين 20 و30 دينار، يحاول أن يوفر نصف المبلغ ليرحل في شهر أوت لإيطاليا.

اسماء مبارك