إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

موسم الزيتون بصفاقس.. صابة تحت الضغط وتحديات تمتد من الحقل إلى الأسواق

يأتي موسم الزيتون بصفاقس هذا العام في ظرف تتداخل فيه عدة عوامل، من تراجع منتظر في حجم الصابة وتأثيرات التغيرات المناخية، إلى ارتفاع كلفة الإنتاج ونقص اليد العاملة، مروراً بإشكاليات الجني والنقل والعصر والتخزين، وصولاً إلى التسويق والتصدير والقيمة المضافة.
وبينما يستعد الفلاحون للموسم، لم تعلن المصادر الحكومية إلى حد الآن عن موعد انطلاق موسم جني الزيتون، في حين انطلق الموسم الماضي يوم 29 أكتوبر. كما لم تصدر، إلى حد الآن، أرقام رسمية نهائية حول حجم الصابة، وهو ما يفتح المجال أمام تقديرات مختلفة حول موسم يعتبر من أهم المواسم الفلاحية والاقتصادية في تونس.
وفي محاولة لقراءة المشهد من أكثر من زاوية، يجمع هذا التحقيق بين شهادة الفلاح كمال العدواني، ورؤية المختص في السياسات الفلاحية فوزي الزياني، وطرح النائب بمجلس نواب الشعب وعضو لجنة الفلاحة حسن الجربوعي.

 

++ صابة أقل.. لكن الرقم الرسمي لم يصدر بعد

يتوقع الفلاح كمال العدواني أن تسجل صابة هذا الموسم تراجعاً بنحو 40 بالمائة مقارنة بالموسم الماضي، مرجعاً ذلك إلى ظاهرة المعاومة، وارتفاع درجات الحرارة، والتغيرات المناخية، إلى جانب تأخر الأمطار وعدم نزولها في التوقيت المناسب.
ويتحدث العدواني عن تقديرات تتراوح بين 300 و350 ألف طن، مقابل حوالي 500 ألف طن خلال الموسم الماضي، لكنه يعتبر أن حجم الصابة ليس العامل الوحيد الذي سيحدد ملامح الموسم، باعتبار أن الفلاح يواجه في الوقت نفسه ارتفاعاً في مختلف تكاليف الإنتاج.
من جهته، يدعو المختص في السياسات الفلاحية فوزي الزياني إلى عدم التعامل مع التقديرات المتداولة باعتبارها أرقاماً نهائية، مؤكداً أن وزارة الفلاحة هي الجهة الأصلية التي يفترض أن تقدم التقدير الرسمي للإنتاج الوطني.
وأوضح أن عملية التقدير يمكن أن تنطلق منذ شهر جويلية، ثم تتم مراجعتها في نهاية سبتمبر أو خلال شهر أكتوبر، بالاعتماد على المعطيات الميدانية والتقنيات الحديثة، ومنها الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار، إلى جانب عمل المصالح المختصة.
ويعتبر الزياني أن وجود هامش خطأ في التقديرات أمر طبيعي، وحتى إذا بلغ هذا الهامش 5 أو 6 بالمائة، فإنه لا يمثل، في رأيه، إشكالاً كبيراً، لأن الأهم هو وجود تقدير رسمي موحد يمكن أن يبنى عليه التخطيط للموسم.
ويشير إلى أن بعض المندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية، على غرار سوسة وسيدي بوزيد والقصرين وزغوان وغيرها، شرعت في نشر تقديراتها، وهو ما يجعل تجميع هذه المعطيات وإصدار تقدير وطني موحد أمراً ممكناً.
ويرى أن غياب الرقم الرسمي يترك المجال أمام تضارب المعطيات، خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يتحدث البعض عن وفرة في الإنتاج، بينما يذهب آخرون إلى الحديث عن صابة ضعيفة، أحياناً بحسب مصالحهم المرتبطة بالشراء أو البيع.
ولا يفصل الزياني مسألة الإنتاج عن التغيرات المناخية، إذ يؤكد أن ارتفاع درجات الحرارة أصبح من أبرز العوامل المؤثرة في شجرة الزيتون وفي مستوى الإنتاج، وهو ما يجعل الحاجة إلى التقدير العلمي والمتابعة الميدانية أكثر إلحاحاً.
 
++ موعد الجني.. بين القرار الإداري والنضج العلمي
في انتظار تحديد الموعد الرسمي لانطلاق موسم الجني، يوضح الزياني أن اختيار التوقيت لا ينبغي أن يكون اعتباطياً، بل يجب أن يستند إلى تحاليل علمية تحدد درجة نضج الثمار.
ويشير إلى أن معهد الزيتونة يمثل جهة أساسية في هذا الجانب، باعتبار أن نتائج التحاليل المتعلقة بدرجة النضج تساعد على تحديد التوقيت الأنسب للجني، بما يضمن التوازن بين كمية الزيت وجودته.
ويضيف أن تحديد موعد انطلاق الموسم يختلف من ولاية إلى أخرى بحسب الظروف المناخية ونتائج التحاليل، وعادة ما يتم التداول في الموضوع على المستوى الجهوي خلال شهر أكتوبر.
وفي انتظار الإعلان الرسمي، يبقى موسم الجني هذا العام دون موعد محدد، في حين كان الموسم الماضي قد انطلق يوم 29 أكتوبر.
 
++ الفلاح.. موسم كامل من المصاريف قبل وصول الثمار إلى المعصرة
من موقعه كفلاح، يرى كمال العدواني أن الحديث عن موسم الزيتون لا يجب أن يبدأ من يوم الجني فقط، لأن الفلاح يبدأ الإعداد للموسم قبل ذلك بفترة طويلة.
فتهيئة الأرض والأشجار والحراثة والعلاجات وتوفير المعدات والآلات، ثم الجني والنقل والعصر والتخزين والتسويق، كلها مراحل تفرض على الفلاح مصاريف متواصلة.
ويشير إلى أن نقص اليد العاملة أصبح من أبرز الصعوبات التي تواجه الفلاحين، خاصة مع تراجع إقبال الشباب على العمل في القطاع الفلاحي، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الجني، فضلاً عن مصاريف النقل والحراثة والعلاجات وبقية مستلزمات الإنتاج.
ويعتبر أن الوضع يكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى صغار الفلاحين الذين لا يملكون هامشاً مالياً كبيراً يمكنهم من تحمل المصاريف إلى نهاية الموسم.
ولهذا، يدعو إلى مزيد من الدعم المالي وتوفير القروض والتسهيلات الموسمية، حتى يتمكن الفلاح من تمويل موسم الجني والتصرف في إنتاجه دون أن يجد نفسه مضطراً إلى البيع في الوقت الذي تكون فيه الأسعار غير مناسبة.
 
++ الجربوعي: الإشكاليات معروفة والحاجة إلى الانتقال نحو التنفيذ
من زاوية السياسات العمومية، يرى حسن الجربوعي، النائب بمجلس نواب الشعب وعضو لجنة الفلاحة، أن الإشكالات التي يعاني منها قطاع زيت الزيتون لم تعد مجهولة.
ويشير إلى أن أعضاء لجنة الفلاحة طرحوا، على امتداد نحو ثلاث سنوات ونصف، جملة من المشاكل المتعلقة بالقطاع، وقدموا تشخيصاً مفصلاً ومقترحات للحلول على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.
ويؤكد أن الخلاف لم يعد، في رأيه، حول تشخيص المشكلة، لأن مختلف المتدخلين قادرون اليوم على تقديم تشخيص واضح، وإنما يتمثل التحدي في الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ.
ويشير إلى أن هذه المقترحات تم رفعها إلى رئاسة مجلس نواب الشعب، ومنها إلى رئاسة الجمهورية، معتبراً أن المطلوب اليوم هو ترجمة هذه الأفكار إلى إجراءات عملية تتجاوز البيانات والشعارات.
ويأتي ذلك، وفق الجربوعي، في ظل انعقاد مجلس وزاري حول قطاع زيت الزيتون، وهو ما يجعله ينتظر إجراءات عملية تستجيب للمشاكل المطروحة قبل دخول الموسم في مراحله الأساسية.
 
++ شجرة الزيتون.. ثروة تتجاوز حدود القطاع الفلاحي
ويضع الجربوعي قطاع الزيتون في إطار اقتصادي أوسع، معتبراً أن تونس من أبرز الدول المنتجة والمصدرة لزيت الزيتون، وأن هذا القطاع يمثل مصدراً مهماً للعملة الصعبة ويوفر مواطن شغل ويدعم النسيج الاقتصادي.
ويعتبر أن المطلوب ليس فقط المحافظة على الإنتاج، بل خلق ثروة إضافية انطلاقاً من شجرة الزيتون، وذلك من خلال تطوير مختلف حلقات السلسلة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن التعامل مع القطاع يجب أن يقوم على استراتيجية واضحة تشمل الإنتاج والتحويل والتسويق والتصدير، وليس فقط على معالجة مشاكل كل موسم عند حدوثها.
 
++ المكننة.. ضرورة يلتقي حولها الفلاح والمختص
تتقاطع رؤية الجربوعي مع طرح الزياني والعدواني في مسألة اليد العاملة والمكننة.
فالعدواني ينطلق من الواقع اليومي للفلاح الذي يجد صعوبة في توفير العمال ويدفع كلفة أعلى للجني، بينما يرى الزياني أن المكننة أصبحت ضرورة لتسريع عملية جمع المحصول والمحافظة على جودة الثمار، خاصة في المواسم الكبيرة.
أما الجربوعي، فيشير إلى أن نقص اليد العاملة كان من بين الملفات التي طرحت على مستوى لجنة الفلاحة، مع العمل على إيجاد آليات لتطوير المكننة وعصرنة القطاع.
وتبدو المكننة، بهذا المعنى، أحد الحلول المشتركة التي تجمع بين الحاجة العملية للفلاح والحاجة الفنية للمحافظة على جودة المحصول، وبين التوجهات المتعلقة بتحديث القطاع.
 
++ الجني.. أول حلقة في المحافظة على الجودة
يرى الزياني أن جودة زيت الزيتون تبدأ قبل وصول الزيتون إلى المعصرة، أي منذ طريقة الجني.
ويدعو إلى التخلي تدريجياً عن استعمال العصي واعتماد المعدات الحديثة، باعتبار أن الطرق التقليدية قد تؤثر في الثمار وفي الأشجار، فضلاً عن كونها تستغرق وقتاً أطول.
ويشدد على ضرورة نقل الزيتون إلى المعصرة في أقرب وقت ممكن بعد الجني، وتجنب استعمال الأكياس والوسائل التي قد تؤدي إلى تدهور الثمار قبل العصر.
كما يشير إلى أن درجة الحرارة أثناء عملية العصر تمثل عاملاً مهماً في المحافظة على جودة الزيت، داعياً إلى احترام درجات الحرارة المناسبة أثناء المعالجة.
 
++ التخزين.. معركة أخرى للحفاظ على الجودة
بعد العصر، تبدأ مرحلة لا تقل أهمية، وهي التخزين.
ويؤكد الزياني أن الحرارة والضوء والهواء تعد من أبرز العوامل التي تؤثر في زيت الزيتون، ولذلك يجب توفير ظروف تخزين ملائمة، سواء باستعمال خزانات من الفولاذ غير القابل للصدأ أو وسائل التخزين التقليدية المناسبة.
ويعتبر أن التخزين الجيد يمكن أن يمنح الفلاح والمصنع والمصدر قدرة أكبر على التحكم في توقيت التسويق، بدلاً من بيع الزيت تحت ضغط الحاجة إلى السيولة.
وهنا تلتقي الرؤية الفنية للزياني مع مطلب العدواني المتعلق بالتمويل، ومع طرح الجربوعي حول ضرورة تطوير منظومة التخزين، إذ إن قدرة الفلاح على الاحتفاظ بمنتوجه يمكن أن تكون عاملاً مهماً في مواجهة تقلبات الأسعار.
 
++ السوق الداخلية.. استهلاك تونسي يحتاج إلى التطوير
يرى الجربوعي أن الحلول لا ينبغي أن تركز فقط على الأسواق الخارجية، بل يجب أيضاً تطوير السوق الداخلية.
ويشير، استناداً إلى الأرقام التي أوردها، إلى أن معدل استهلاك الفرد من زيت الزيتون في تونس يناهز 2.6 لتر سنوياً، مقابل حوالي 13.6 لتر في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال.
ويعتبر أن رفع الاستهلاك الداخلي يمكن أن يخلق سوقاً إضافية للمنتوج التونسي، بالتوازي مع تطوير الصادرات.
وفي هذا الإطار، يدعو إلى إعادة النظر في أدوار بعض المؤسسات العمومية، ومنها ديوان الأراضي الدولية والديوان الوطني للزيت، وتفعيل دورها بصورة أكبر في السوق المحلية.
التسويق والتصدير.. أين تذهب القيمة المضافة؟
يرى العدواني أن تونس تملك زيت زيتون ذا جودة معروفة في الأسواق الخارجية، لكن جزءاً مهماً من الصادرات يتم في شكل زيت سائب، وهو ما يعني أن جزءاً من القيمة المضافة يبقى خارج تونس.
ويطرح الجربوعي المسألة من زاوية أوسع، داعياً إلى تعزيز تصدير الزيت المعلب وتطوير منظومة التحويل والتسويق.
ويشير إلى أن حصة تونس في السوق الأوروبية ارتفعت، وفق الأرقام التي أوردها، من حوالي 26 ألف طن إلى 57 ألف طن، في وقت ارتفع فيه الإنتاج الوطني من حوالي 150 ألف طن إلى قرابة نصف مليون طن.
ويرى أن تطور الإنتاج يستوجب، بالتوازي، تطوير القدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية ومراجعة آليات التسويق، خاصة أن الفارق بين حجم الإنتاج وحجم الحصة المتاحة في بعض الأسواق يفرض البحث عن أسواق جديدة.
 
++ الدبلوماسية الاقتصادية وفتح أسواق جديدة
لا يتوقف طرح الجربوعي عند التعليب، إذ يدعو إلى إعطاء الدبلوماسية الاقتصادية دوراً أكبر في تسويق زيت الزيتون التونسي وفتح أسواق جديدة.
ويعتبر أن تونس، باعتبارها بلداً منتجاً ومصدراً، تحتاج إلى تطوير علاقات مباشرة مع عدد أكبر من الأسواق وعدم الاقتصار على مسالك محددة.
كما يرى أن التسويق يجب أن يصبح جزءاً من السياسة الاقتصادية للقطاع، وليس مجرد مرحلة تأتي بعد انتهاء الإنتاج.
 
++ أسعار الزيت.. إسبانيا في الواجهة
بالنسبة إلى الفلاح كمال العدواني، فإن تطورات السوق الإسبانية تحظى بمتابعة خاصة، باعتبار إسبانيا من أبرز الفاعلين في سوق زيت الزيتون العالمية، وبالتالي فإن ما يحدث فيها يمكن أن ينعكس على الأسعار.
ويرى أن تطورات الأسعار قد تمنح الفلاح هامشاً أفضل خلال الموسم، لكن ذلك لا يلغي ضرورة معالجة ارتفاع الكلفة، لأن ارتفاع سعر البيع لا يعني بالضرورة ارتفاع هامش الربح إذا ظلت تكاليف الإنتاج مرتفعة.
 
++ ثلاث منظومات.. إنتاج وتحويل وتصدير
يشدد الجربوعي على أن قطاع الزيتون لا يمكن أن يتطور إذا بقيت منظومة الإنتاج منفصلة عن منظومتي التحويل والتصدير.
ويعتبر أن المطلوب هو إرساء تكامل فعلي بين الحلقات الثلاث، بما يسمح بتحويل الإنتاج إلى منتوج ذي قيمة مضافة وتسويقه في الأسواق المناسبة.
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية الزياني الذي يؤكد أن جودة الزيت لا تتحدد في المعصرة فقط، وإنما تتأثر بكل المراحل السابقة واللاحقة، ومع العدواني الذي يركز على حاجة الفلاح إلى التمويل والقدرة على التخزين حتى لا يكون مجبراً على البيع في ظروف غير مواتية.
الأمن خلال موسم الجني
ومن زاوية الفلاح، يطرح أيضاً مسألة الأمن خلال موسم الجني، داعياً إلى تكثيف دوريات الحرس الوطني وإقامة نقاط مراقبة على الطرقات الفلاحية، خاصة خلال الفترة التي ترتفع فيها حركة التنقل داخل المناطق الزراعية.
كما اقترح الاستفادة من الطائرات دون طيار في مراقبة المناطق الفلاحية، معتبراً أن حماية المحصول وممتلكات الفلاحين جزء من نجاح الموسم.
وأكد جربوعي، في تصريح لـ«الصباح نيوز »، أن قدرة الدولة على تأمين موسم سياحي يمتد على ثلاثة أشهر يمكن أن تتوازى، وفق تقديره، مع قدرتها على تأمين المواسم الفلاحية ومناطق الإنتاج، خاصة في ظل تمشي الدولة نحو تعزيز السيادة الغذائية والتعويل على الذات. وشدد على ضرورة تأمين الفلاح وممتلكاته ومحاصيله، قائلاً: «لابد من تأمين الفلاح في قطيعه وتأمين محاصيله»، معتبرًا أن حماية الإنتاج تبدأ من حماية المنتج ومحيطه، بما يضمن استمرارية النشاط الفلاحي ويحافظ على الثروة الوطنية.
 
++ المرجين.. حلقة لا يمكن عزلها عن بقية السلسلة
ويتطرق العدواني كذلك إلى مسألة المرجين، معتبراً أن الإشكال يرتبط أساساً بالمعاصر، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن المعصرة تمثل حلقة من حلقات منظومة زيت الزيتون ولا يمكن عزلها عن بقية القطاع.
فالموسم، في نظره، يبدأ من إعداد الأرض والأشجار، ثم الجني والنقل والعصر والتخزين والتسويق، وبالتالي فإن معالجة الإشكالات البيئية واللوجستية يجب أن تتم ضمن تصور شامل للسلسلة.
 
++ صفاقس.. من موقع الريادة إلى الحاجة إلى استعادة المكانة
تظل صفاقس إحدى أهم مناطق إنتاج الزيتون في تونس، غير أن الجربوعي يشير إلى تراجع ترتيب الجهة وطنياً، معتبراً أن هذا الوضع يستوجب العمل على استعادة مكانتها ودعم فلاحيها.
وتحضر صفاقس في هذا السياق ليس فقط باعتبارها منطقة إنتاج، بل باعتبارها نموذجاً للتحديات التي يعيشها القطاع: فلاحة واسعة، حاجة إلى اليد العاملة، ارتفاع الكلفة، أهمية المعاصر، إشكاليات التخزين والتسويق، وحاجة إلى مزيد من تثمين المنتوج.
 
++ موسم الزيتون.. اختبار للمنظومة بأكملها
تكشف شهادات الأطراف الثلاثة أن موسم الزيتون لا يمكن اختزاله في سؤال واحد يتعلق بحجم الصابة.
فالفلاح كمال العدواني ينقل صورة موسم تثقل كاهله كلفة اليد العاملة ومصاريف الإنتاج والتمويل، ويطالب بظروف أفضل تمكنه من الصمود إلى حين بيع منتوجه.
أما المختص في السياسات الفلاحية فوزي الزياني، فيضع التركيز على المعطيات العلمية، من تقدير الصابة وتحديد موعد الجني إلى المكننة والنقل والعصر والتخزين، معتبراً أن جودة الزيت تبدأ من الحقل وتمتد إلى كامل السلسلة.
في المقابل، يطرح النائب حسن الجربوعي المسألة من زاوية السياسات العمومية، داعياً إلى الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، وتطوير السوق الداخلية، وتعزيز المكننة والتمويل، وربط منظومات الإنتاج والتحويل والتصدير، وفتح أسواق جديدة وتثمين الزيت المعلب.
وبين هذه الرؤى، تبدو التحديات مترابطة أكثر مما هي منفصلة: فلا فائدة من زيادة الإنتاج دون سوق، ولا من سوق واسعة دون منتوج يحافظ على جودته، ولا من جودة عالية إذا ظل جزء كبير من القيمة المضافة خارج البلاد، كما أن الفلاح لن يتمكن من الاستفادة من هذه المنظومة إذا لم تتوفر له القدرة على تمويل موسمه وتخزين إنتاجه وتسويقه في الظروف المناسبة.
ومع انتظار صدور الأرقام الرسمية وتحديد موعد انطلاق موسم الجني، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى صفاقس وتونس عموماً: هل يتحول تراكم التشخيصات والمقترحات إلى إجراءات عملية تعيد للقطاع قدرته على خلق القيمة وتحسين دخل الفلاح وتعزيز موقع زيت الزيتون التونسي في الأسواق العالمية؟
وحيد الداهش 
 
 
 
 
موسم الزيتون بصفاقس.. صابة تحت الضغط وتحديات تمتد من الحقل إلى الأسواق
يأتي موسم الزيتون بصفاقس هذا العام في ظرف تتداخل فيه عدة عوامل، من تراجع منتظر في حجم الصابة وتأثيرات التغيرات المناخية، إلى ارتفاع كلفة الإنتاج ونقص اليد العاملة، مروراً بإشكاليات الجني والنقل والعصر والتخزين، وصولاً إلى التسويق والتصدير والقيمة المضافة.
وبينما يستعد الفلاحون للموسم، لم تعلن المصادر الحكومية إلى حد الآن عن موعد انطلاق موسم جني الزيتون، في حين انطلق الموسم الماضي يوم 29 أكتوبر. كما لم تصدر، إلى حد الآن، أرقام رسمية نهائية حول حجم الصابة، وهو ما يفتح المجال أمام تقديرات مختلفة حول موسم يعتبر من أهم المواسم الفلاحية والاقتصادية في تونس.
وفي محاولة لقراءة المشهد من أكثر من زاوية، يجمع هذا التحقيق بين شهادة الفلاح كمال العدواني، ورؤية المختص في السياسات الفلاحية فوزي الزياني، وطرح النائب بمجلس نواب الشعب وعضو لجنة الفلاحة حسن الجربوعي.

 

++ صابة أقل.. لكن الرقم الرسمي لم يصدر بعد

يتوقع الفلاح كمال العدواني أن تسجل صابة هذا الموسم تراجعاً بنحو 40 بالمائة مقارنة بالموسم الماضي، مرجعاً ذلك إلى ظاهرة المعاومة، وارتفاع درجات الحرارة، والتغيرات المناخية، إلى جانب تأخر الأمطار وعدم نزولها في التوقيت المناسب.
ويتحدث العدواني عن تقديرات تتراوح بين 300 و350 ألف طن، مقابل حوالي 500 ألف طن خلال الموسم الماضي، لكنه يعتبر أن حجم الصابة ليس العامل الوحيد الذي سيحدد ملامح الموسم، باعتبار أن الفلاح يواجه في الوقت نفسه ارتفاعاً في مختلف تكاليف الإنتاج.
من جهته، يدعو المختص في السياسات الفلاحية فوزي الزياني إلى عدم التعامل مع التقديرات المتداولة باعتبارها أرقاماً نهائية، مؤكداً أن وزارة الفلاحة هي الجهة الأصلية التي يفترض أن تقدم التقدير الرسمي للإنتاج الوطني.
وأوضح أن عملية التقدير يمكن أن تنطلق منذ شهر جويلية، ثم تتم مراجعتها في نهاية سبتمبر أو خلال شهر أكتوبر، بالاعتماد على المعطيات الميدانية والتقنيات الحديثة، ومنها الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار، إلى جانب عمل المصالح المختصة.
ويعتبر الزياني أن وجود هامش خطأ في التقديرات أمر طبيعي، وحتى إذا بلغ هذا الهامش 5 أو 6 بالمائة، فإنه لا يمثل، في رأيه، إشكالاً كبيراً، لأن الأهم هو وجود تقدير رسمي موحد يمكن أن يبنى عليه التخطيط للموسم.
ويشير إلى أن بعض المندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية، على غرار سوسة وسيدي بوزيد والقصرين وزغوان وغيرها، شرعت في نشر تقديراتها، وهو ما يجعل تجميع هذه المعطيات وإصدار تقدير وطني موحد أمراً ممكناً.
ويرى أن غياب الرقم الرسمي يترك المجال أمام تضارب المعطيات، خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يتحدث البعض عن وفرة في الإنتاج، بينما يذهب آخرون إلى الحديث عن صابة ضعيفة، أحياناً بحسب مصالحهم المرتبطة بالشراء أو البيع.
ولا يفصل الزياني مسألة الإنتاج عن التغيرات المناخية، إذ يؤكد أن ارتفاع درجات الحرارة أصبح من أبرز العوامل المؤثرة في شجرة الزيتون وفي مستوى الإنتاج، وهو ما يجعل الحاجة إلى التقدير العلمي والمتابعة الميدانية أكثر إلحاحاً.
 
++ موعد الجني.. بين القرار الإداري والنضج العلمي
في انتظار تحديد الموعد الرسمي لانطلاق موسم الجني، يوضح الزياني أن اختيار التوقيت لا ينبغي أن يكون اعتباطياً، بل يجب أن يستند إلى تحاليل علمية تحدد درجة نضج الثمار.
ويشير إلى أن معهد الزيتونة يمثل جهة أساسية في هذا الجانب، باعتبار أن نتائج التحاليل المتعلقة بدرجة النضج تساعد على تحديد التوقيت الأنسب للجني، بما يضمن التوازن بين كمية الزيت وجودته.
ويضيف أن تحديد موعد انطلاق الموسم يختلف من ولاية إلى أخرى بحسب الظروف المناخية ونتائج التحاليل، وعادة ما يتم التداول في الموضوع على المستوى الجهوي خلال شهر أكتوبر.
وفي انتظار الإعلان الرسمي، يبقى موسم الجني هذا العام دون موعد محدد، في حين كان الموسم الماضي قد انطلق يوم 29 أكتوبر.
 
++ الفلاح.. موسم كامل من المصاريف قبل وصول الثمار إلى المعصرة
من موقعه كفلاح، يرى كمال العدواني أن الحديث عن موسم الزيتون لا يجب أن يبدأ من يوم الجني فقط، لأن الفلاح يبدأ الإعداد للموسم قبل ذلك بفترة طويلة.
فتهيئة الأرض والأشجار والحراثة والعلاجات وتوفير المعدات والآلات، ثم الجني والنقل والعصر والتخزين والتسويق، كلها مراحل تفرض على الفلاح مصاريف متواصلة.
ويشير إلى أن نقص اليد العاملة أصبح من أبرز الصعوبات التي تواجه الفلاحين، خاصة مع تراجع إقبال الشباب على العمل في القطاع الفلاحي، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الجني، فضلاً عن مصاريف النقل والحراثة والعلاجات وبقية مستلزمات الإنتاج.
ويعتبر أن الوضع يكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى صغار الفلاحين الذين لا يملكون هامشاً مالياً كبيراً يمكنهم من تحمل المصاريف إلى نهاية الموسم.
ولهذا، يدعو إلى مزيد من الدعم المالي وتوفير القروض والتسهيلات الموسمية، حتى يتمكن الفلاح من تمويل موسم الجني والتصرف في إنتاجه دون أن يجد نفسه مضطراً إلى البيع في الوقت الذي تكون فيه الأسعار غير مناسبة.
 
++ الجربوعي: الإشكاليات معروفة والحاجة إلى الانتقال نحو التنفيذ
من زاوية السياسات العمومية، يرى حسن الجربوعي، النائب بمجلس نواب الشعب وعضو لجنة الفلاحة، أن الإشكالات التي يعاني منها قطاع زيت الزيتون لم تعد مجهولة.
ويشير إلى أن أعضاء لجنة الفلاحة طرحوا، على امتداد نحو ثلاث سنوات ونصف، جملة من المشاكل المتعلقة بالقطاع، وقدموا تشخيصاً مفصلاً ومقترحات للحلول على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.
ويؤكد أن الخلاف لم يعد، في رأيه، حول تشخيص المشكلة، لأن مختلف المتدخلين قادرون اليوم على تقديم تشخيص واضح، وإنما يتمثل التحدي في الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ.
ويشير إلى أن هذه المقترحات تم رفعها إلى رئاسة مجلس نواب الشعب، ومنها إلى رئاسة الجمهورية، معتبراً أن المطلوب اليوم هو ترجمة هذه الأفكار إلى إجراءات عملية تتجاوز البيانات والشعارات.
ويأتي ذلك، وفق الجربوعي، في ظل انعقاد مجلس وزاري حول قطاع زيت الزيتون، وهو ما يجعله ينتظر إجراءات عملية تستجيب للمشاكل المطروحة قبل دخول الموسم في مراحله الأساسية.
 
++ شجرة الزيتون.. ثروة تتجاوز حدود القطاع الفلاحي
ويضع الجربوعي قطاع الزيتون في إطار اقتصادي أوسع، معتبراً أن تونس من أبرز الدول المنتجة والمصدرة لزيت الزيتون، وأن هذا القطاع يمثل مصدراً مهماً للعملة الصعبة ويوفر مواطن شغل ويدعم النسيج الاقتصادي.
ويعتبر أن المطلوب ليس فقط المحافظة على الإنتاج، بل خلق ثروة إضافية انطلاقاً من شجرة الزيتون، وذلك من خلال تطوير مختلف حلقات السلسلة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن التعامل مع القطاع يجب أن يقوم على استراتيجية واضحة تشمل الإنتاج والتحويل والتسويق والتصدير، وليس فقط على معالجة مشاكل كل موسم عند حدوثها.
 
++ المكننة.. ضرورة يلتقي حولها الفلاح والمختص
تتقاطع رؤية الجربوعي مع طرح الزياني والعدواني في مسألة اليد العاملة والمكننة.
فالعدواني ينطلق من الواقع اليومي للفلاح الذي يجد صعوبة في توفير العمال ويدفع كلفة أعلى للجني، بينما يرى الزياني أن المكننة أصبحت ضرورة لتسريع عملية جمع المحصول والمحافظة على جودة الثمار، خاصة في المواسم الكبيرة.
أما الجربوعي، فيشير إلى أن نقص اليد العاملة كان من بين الملفات التي طرحت على مستوى لجنة الفلاحة، مع العمل على إيجاد آليات لتطوير المكننة وعصرنة القطاع.
وتبدو المكننة، بهذا المعنى، أحد الحلول المشتركة التي تجمع بين الحاجة العملية للفلاح والحاجة الفنية للمحافظة على جودة المحصول، وبين التوجهات المتعلقة بتحديث القطاع.
 
++ الجني.. أول حلقة في المحافظة على الجودة
يرى الزياني أن جودة زيت الزيتون تبدأ قبل وصول الزيتون إلى المعصرة، أي منذ طريقة الجني.
ويدعو إلى التخلي تدريجياً عن استعمال العصي واعتماد المعدات الحديثة، باعتبار أن الطرق التقليدية قد تؤثر في الثمار وفي الأشجار، فضلاً عن كونها تستغرق وقتاً أطول.
ويشدد على ضرورة نقل الزيتون إلى المعصرة في أقرب وقت ممكن بعد الجني، وتجنب استعمال الأكياس والوسائل التي قد تؤدي إلى تدهور الثمار قبل العصر.
كما يشير إلى أن درجة الحرارة أثناء عملية العصر تمثل عاملاً مهماً في المحافظة على جودة الزيت، داعياً إلى احترام درجات الحرارة المناسبة أثناء المعالجة.
 
++ التخزين.. معركة أخرى للحفاظ على الجودة
بعد العصر، تبدأ مرحلة لا تقل أهمية، وهي التخزين.
ويؤكد الزياني أن الحرارة والضوء والهواء تعد من أبرز العوامل التي تؤثر في زيت الزيتون، ولذلك يجب توفير ظروف تخزين ملائمة، سواء باستعمال خزانات من الفولاذ غير القابل للصدأ أو وسائل التخزين التقليدية المناسبة.
ويعتبر أن التخزين الجيد يمكن أن يمنح الفلاح والمصنع والمصدر قدرة أكبر على التحكم في توقيت التسويق، بدلاً من بيع الزيت تحت ضغط الحاجة إلى السيولة.
وهنا تلتقي الرؤية الفنية للزياني مع مطلب العدواني المتعلق بالتمويل، ومع طرح الجربوعي حول ضرورة تطوير منظومة التخزين، إذ إن قدرة الفلاح على الاحتفاظ بمنتوجه يمكن أن تكون عاملاً مهماً في مواجهة تقلبات الأسعار.
 
++ السوق الداخلية.. استهلاك تونسي يحتاج إلى التطوير
يرى الجربوعي أن الحلول لا ينبغي أن تركز فقط على الأسواق الخارجية، بل يجب أيضاً تطوير السوق الداخلية.
ويشير، استناداً إلى الأرقام التي أوردها، إلى أن معدل استهلاك الفرد من زيت الزيتون في تونس يناهز 2.6 لتر سنوياً، مقابل حوالي 13.6 لتر في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال.
ويعتبر أن رفع الاستهلاك الداخلي يمكن أن يخلق سوقاً إضافية للمنتوج التونسي، بالتوازي مع تطوير الصادرات.
وفي هذا الإطار، يدعو إلى إعادة النظر في أدوار بعض المؤسسات العمومية، ومنها ديوان الأراضي الدولية والديوان الوطني للزيت، وتفعيل دورها بصورة أكبر في السوق المحلية.
التسويق والتصدير.. أين تذهب القيمة المضافة؟
يرى العدواني أن تونس تملك زيت زيتون ذا جودة معروفة في الأسواق الخارجية، لكن جزءاً مهماً من الصادرات يتم في شكل زيت سائب، وهو ما يعني أن جزءاً من القيمة المضافة يبقى خارج تونس.
ويطرح الجربوعي المسألة من زاوية أوسع، داعياً إلى تعزيز تصدير الزيت المعلب وتطوير منظومة التحويل والتسويق.
ويشير إلى أن حصة تونس في السوق الأوروبية ارتفعت، وفق الأرقام التي أوردها، من حوالي 26 ألف طن إلى 57 ألف طن، في وقت ارتفع فيه الإنتاج الوطني من حوالي 150 ألف طن إلى قرابة نصف مليون طن.
ويرى أن تطور الإنتاج يستوجب، بالتوازي، تطوير القدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية ومراجعة آليات التسويق، خاصة أن الفارق بين حجم الإنتاج وحجم الحصة المتاحة في بعض الأسواق يفرض البحث عن أسواق جديدة.
 
++ الدبلوماسية الاقتصادية وفتح أسواق جديدة
لا يتوقف طرح الجربوعي عند التعليب، إذ يدعو إلى إعطاء الدبلوماسية الاقتصادية دوراً أكبر في تسويق زيت الزيتون التونسي وفتح أسواق جديدة.
ويعتبر أن تونس، باعتبارها بلداً منتجاً ومصدراً، تحتاج إلى تطوير علاقات مباشرة مع عدد أكبر من الأسواق وعدم الاقتصار على مسالك محددة.
كما يرى أن التسويق يجب أن يصبح جزءاً من السياسة الاقتصادية للقطاع، وليس مجرد مرحلة تأتي بعد انتهاء الإنتاج.
 
++ أسعار الزيت.. إسبانيا في الواجهة
بالنسبة إلى الفلاح كمال العدواني، فإن تطورات السوق الإسبانية تحظى بمتابعة خاصة، باعتبار إسبانيا من أبرز الفاعلين في سوق زيت الزيتون العالمية، وبالتالي فإن ما يحدث فيها يمكن أن ينعكس على الأسعار.
ويرى أن تطورات الأسعار قد تمنح الفلاح هامشاً أفضل خلال الموسم، لكن ذلك لا يلغي ضرورة معالجة ارتفاع الكلفة، لأن ارتفاع سعر البيع لا يعني بالضرورة ارتفاع هامش الربح إذا ظلت تكاليف الإنتاج مرتفعة.
 
++ ثلاث منظومات.. إنتاج وتحويل وتصدير
يشدد الجربوعي على أن قطاع الزيتون لا يمكن أن يتطور إذا بقيت منظومة الإنتاج منفصلة عن منظومتي التحويل والتصدير.
ويعتبر أن المطلوب هو إرساء تكامل فعلي بين الحلقات الثلاث، بما يسمح بتحويل الإنتاج إلى منتوج ذي قيمة مضافة وتسويقه في الأسواق المناسبة.
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية الزياني الذي يؤكد أن جودة الزيت لا تتحدد في المعصرة فقط، وإنما تتأثر بكل المراحل السابقة واللاحقة، ومع العدواني الذي يركز على حاجة الفلاح إلى التمويل والقدرة على التخزين حتى لا يكون مجبراً على البيع في ظروف غير مواتية.
الأمن خلال موسم الجني
ومن زاوية الفلاح، يطرح أيضاً مسألة الأمن خلال موسم الجني، داعياً إلى تكثيف دوريات الحرس الوطني وإقامة نقاط مراقبة على الطرقات الفلاحية، خاصة خلال الفترة التي ترتفع فيها حركة التنقل داخل المناطق الزراعية.
كما اقترح الاستفادة من الطائرات دون طيار في مراقبة المناطق الفلاحية، معتبراً أن حماية المحصول وممتلكات الفلاحين جزء من نجاح الموسم.
وأكد جربوعي، في تصريح لـ«الصباح نيوز »، أن قدرة الدولة على تأمين موسم سياحي يمتد على ثلاثة أشهر يمكن أن تتوازى، وفق تقديره، مع قدرتها على تأمين المواسم الفلاحية ومناطق الإنتاج، خاصة في ظل تمشي الدولة نحو تعزيز السيادة الغذائية والتعويل على الذات. وشدد على ضرورة تأمين الفلاح وممتلكاته ومحاصيله، قائلاً: «لابد من تأمين الفلاح في قطيعه وتأمين محاصيله»، معتبرًا أن حماية الإنتاج تبدأ من حماية المنتج ومحيطه، بما يضمن استمرارية النشاط الفلاحي ويحافظ على الثروة الوطنية.
 
++ المرجين.. حلقة لا يمكن عزلها عن بقية السلسلة
ويتطرق العدواني كذلك إلى مسألة المرجين، معتبراً أن الإشكال يرتبط أساساً بالمعاصر، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن المعصرة تمثل حلقة من حلقات منظومة زيت الزيتون ولا يمكن عزلها عن بقية القطاع.
فالموسم، في نظره، يبدأ من إعداد الأرض والأشجار، ثم الجني والنقل والعصر والتخزين والتسويق، وبالتالي فإن معالجة الإشكالات البيئية واللوجستية يجب أن تتم ضمن تصور شامل للسلسلة.
 
++ صفاقس.. من موقع الريادة إلى الحاجة إلى استعادة المكانة
تظل صفاقس إحدى أهم مناطق إنتاج الزيتون في تونس، غير أن الجربوعي يشير إلى تراجع ترتيب الجهة وطنياً، معتبراً أن هذا الوضع يستوجب العمل على استعادة مكانتها ودعم فلاحيها.
وتحضر صفاقس في هذا السياق ليس فقط باعتبارها منطقة إنتاج، بل باعتبارها نموذجاً للتحديات التي يعيشها القطاع: فلاحة واسعة، حاجة إلى اليد العاملة، ارتفاع الكلفة، أهمية المعاصر، إشكاليات التخزين والتسويق، وحاجة إلى مزيد من تثمين المنتوج.
 
++ موسم الزيتون.. اختبار للمنظومة بأكملها
تكشف شهادات الأطراف الثلاثة أن موسم الزيتون لا يمكن اختزاله في سؤال واحد يتعلق بحجم الصابة.
فالفلاح كمال العدواني ينقل صورة موسم تثقل كاهله كلفة اليد العاملة ومصاريف الإنتاج والتمويل، ويطالب بظروف أفضل تمكنه من الصمود إلى حين بيع منتوجه.
أما المختص في السياسات الفلاحية فوزي الزياني، فيضع التركيز على المعطيات العلمية، من تقدير الصابة وتحديد موعد الجني إلى المكننة والنقل والعصر والتخزين، معتبراً أن جودة الزيت تبدأ من الحقل وتمتد إلى كامل السلسلة.
في المقابل، يطرح النائب حسن الجربوعي المسألة من زاوية السياسات العمومية، داعياً إلى الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، وتطوير السوق الداخلية، وتعزيز المكننة والتمويل، وربط منظومات الإنتاج والتحويل والتصدير، وفتح أسواق جديدة وتثمين الزيت المعلب.
وبين هذه الرؤى، تبدو التحديات مترابطة أكثر مما هي منفصلة: فلا فائدة من زيادة الإنتاج دون سوق، ولا من سوق واسعة دون منتوج يحافظ على جودته، ولا من جودة عالية إذا ظل جزء كبير من القيمة المضافة خارج البلاد، كما أن الفلاح لن يتمكن من الاستفادة من هذه المنظومة إذا لم تتوفر له القدرة على تمويل موسمه وتخزين إنتاجه وتسويقه في الظروف المناسبة.
ومع انتظار صدور الأرقام الرسمية وتحديد موعد انطلاق موسم الجني، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى صفاقس وتونس عموماً: هل يتحول تراكم التشخيصات والمقترحات إلى إجراءات عملية تعيد للقطاع قدرته على خلق القيمة وتحسين دخل الفلاح وتعزيز موقع زيت الزيتون التونسي في الأسواق العالمية؟
وحيد الداهش