إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

عاملات فلاحيّات.. "أسيرات نقل مَشؤوم وجُحود وضُعف أجور"

خلال جولة بعدد من أرياف ولاية سوسة (أين تعتبر المرأة الرّيفيّة أوفر حظّا نسبيا مقارنة بوضع المرأة بالمناطق الدّاخليّة والشمال الغربي)، التقت "الصباح نيوز" عددا من الرّيفيّات اللّاتي أجمعن على الدور الحيوي والتّنموي الذي تضطلع به المرأة الرّيفيّة واستعرضن شريط معاناتهنّ اليوميّة ومسلسل كفاحهنّ وتضحيّاتهنّ المتواصل من أجل تأمين لقمة العيش رغم النكران والجحود وغياب أبسط أشكال المرافقة وحتّى التّأمين..
 
إنّ الحوادث المروريّة القاتلة التي جدّت بعديد الطّرقات وذهب ضحيّتها عشرات العاملات نتيجة للظّروف القاسية وغير الآمنة التي يتمّ فيها نقل العاملات للالتحاق بالضّيعات لخير دليل على حجم معاناة المرأة العاملة بالقطاع الفلاحي وماتلقاه من تهميش.
 
 ورُغم تحسّن وضعها نسبيّا، فإنّ الواقع يفرض اتخاذ  إجراءات ثوريّة وقرارات تضبط آليّات قادرة على دعم قدرات الفتيات الرّيفيّات من أجل صقل مواهبهنّ وتطوير قدراتهنّ المهنيّة والحرفيّة بإعادة تفعيل برامج التّنمية الرّيفيّة والسّعي جدّيا لإيلاء المرأة الرّيفيّة ما تستحقّه من أهميّة وتشريكها الفعلي في التّخطيط لمستقبلها وتشريكها في وضع برامج تستجيب حقّا لاحتياجاتها وتطلعاتها وحاجيات بيئتها.
 
كما ان المرأة الريفية في حاجة إلى فضاءات الإصغاء والتعبير عن مشاغلهن إلى جانب تقديم الدّعم المادّي وإسناد قروض وحوافز لتمكين الرّيفيّات من فرص إحداث مشاريع صغرى تكفل لهنّ موارد رزق وتأمين دخل قارّ بما يضمن تحقيق إدماج المرأة الرّيفيّة في حلقة التّنمية وتقليص الفجوات على الصّعيديْن الإجتماعي والاقتصاديّ بشكل يضمن فرص مشاركتها في الحياة العامّة ضمن مقاربة تشاركيّة بينها وبين الرجل تقوم على مبدأ المساواة وتكافئ الفرص وتقطع مع عديد الممارسات السائدة في المجتمع الذكوري الجاحد الذي يتغافل عن الدّور الحيويّ الذي تضطلع به المرأة الرّيفيّة في الحلقة الإقتصاديّة والتّنمويّة ويتناسى دورها المؤثّر على الصّعيديْن الإجتماعي والإقتصاديّ، حيث تتكفل المرأة الناشطة في القطاع الفلاحي بتوفير الأمن الغذائي لأسرتها وللمجتمع في وقت لا تزال تعيش فيه الفلاّحات وضعا تشوبه العديد من الإشكاليّات وتعترضه الكثير من التحديّات ممّا يجعل مستقبلها يكتنفه الكثير من الغموض واللّبس في ظلّ عدم تفعيل عديد التّشريعات وغياب إرادة لتحسين أوضاعهن.
 
"الصّباح نيوز" عاينت خلال جولة فجريّة فصول مسرحيّة يوميّة من المعاناة والتّضحيّات تكون بطلاتها فلاّحات شابّات عاملات وأخريات متزوّجات همّهن ومبلغ رجائهنّ توفير لقمة عيش بعيدا عن منطق الحسابات فغاية المُراد توفير مبلغ يسدّ جانبا من النفقات.
 
 ظروف نقل مُهينة وأجور زهيدة 
 
بداية من  الساعات الأولى من الفجر وقبل انبلاج الصّباح، تضرب مجموعة من النسوة موعدا مع تفاصيل يوم قد يخفي في طياته طارئا أو حدثا يقلب حياتهنّ وحياة أسرهمّ رأسا على عقب حيث يتكرّر ذات المشهد في عدد من المحطّات المعروفة لدى العاملات الفلاّحات بمنطقة منزل المحطّة من معتمدية سيدي بوعلي وبلعوم من معتمديّة القلعة الكبرى ومنطقة النقر من معتمدية القلعة الصغرى وغيرها.
  من هناك تتجمّع العاملات في القطاع الفلاحيّ بعد أن تكنّ قد أعددن فطور الصّباح ووجبة الغداء لبقيّة أفراد العائلة واقتطعن منها ما يسدّ رمق الجوع ويهفّت ثورة الأمعاء الخاوية.
من بعيد تلمح العاملات شاحنة مكشوفة أقبلت على مهل تتهادى بين الثّنايا مخافة أن تفقد شيئا من هيكلها المهترئ لتُسارع إليها الفلاّحات غير عابئات ولا مكترثات فمبلغ همّهنّ الظّفر بمكان للوقوف فوق ظهر العربة ليتدخّل صاحب الشاحنة متوعّدا بالطّرد وإنزال كلّ من تُبدي سرّا أو جهرا امتعاضا أو استنكارا من ظروف النّقل التي يحرص فيها صاحب الشّاحنة على الزجّ بأكبر عدد ممكن من النّسوة وسط الصّندوق الخلفيّ للشّاحنة بشكل يضمن فقط نقل أكبر عدد من العاملات في رحلة واحدة تُرغم خلالها الرّاكبات على الوقوف طوال السّفرة.
 
 أكدت سعيدة (أمّ الخمسة أطفال) أنّها أصبحت تعاني من عديد أمراض الرّوماتيزم ممّا جعلها غير قادرة على ثني ركبتيها ويديها، وأرجعت ذلك إلى تأثير السنوات العديدة أنّى كانت تلقي بنفسها في شاحنة مكشوفة تجعل جسدها وأجساد رفقتها في مرمى عبث النسمات الفجريّة الباردة ووخزات البرد المستفزّة سواء في طريق التوجّه للعمل أو وقت الرّجوع منه والذي غالبا ما يتزامن مع حلول الظّلام مشدّدة على ساعات العمل التي تتجاوز في بعض المناسبات العشر ساعات مقابل بضعة دنانير وأجر لا يتناسب مع حجم المجهود ولا التّضحية.
وعن المخاطر الكثيرة التي تحفّ بعمليّة نقل العاملات اعتبرت إحدى الفلاّحات أنّ سلامتها وسلامة رفيقاتها تكون على كفّ عفريت بمجرّد أن تطأ قدمها سطح الصّندوق ممّا يجعل من وقت مغادرتها المنزل كلّ صباح توقيتا تغلب عليه الشّجون والمشاعر الجيّاشة المطبوعة بالألم والرّهبة من تفاصيل يوم قد يحصل فيه المحظور الذي يضع حدّا لحياتها و يحرمها من عيالها..
 
أنور قلالة
 
عاملات فلاحيّات.. "أسيرات نقل مَشؤوم وجُحود وضُعف أجور"
خلال جولة بعدد من أرياف ولاية سوسة (أين تعتبر المرأة الرّيفيّة أوفر حظّا نسبيا مقارنة بوضع المرأة بالمناطق الدّاخليّة والشمال الغربي)، التقت "الصباح نيوز" عددا من الرّيفيّات اللّاتي أجمعن على الدور الحيوي والتّنموي الذي تضطلع به المرأة الرّيفيّة واستعرضن شريط معاناتهنّ اليوميّة ومسلسل كفاحهنّ وتضحيّاتهنّ المتواصل من أجل تأمين لقمة العيش رغم النكران والجحود وغياب أبسط أشكال المرافقة وحتّى التّأمين..
 
إنّ الحوادث المروريّة القاتلة التي جدّت بعديد الطّرقات وذهب ضحيّتها عشرات العاملات نتيجة للظّروف القاسية وغير الآمنة التي يتمّ فيها نقل العاملات للالتحاق بالضّيعات لخير دليل على حجم معاناة المرأة العاملة بالقطاع الفلاحي وماتلقاه من تهميش.
 
 ورُغم تحسّن وضعها نسبيّا، فإنّ الواقع يفرض اتخاذ  إجراءات ثوريّة وقرارات تضبط آليّات قادرة على دعم قدرات الفتيات الرّيفيّات من أجل صقل مواهبهنّ وتطوير قدراتهنّ المهنيّة والحرفيّة بإعادة تفعيل برامج التّنمية الرّيفيّة والسّعي جدّيا لإيلاء المرأة الرّيفيّة ما تستحقّه من أهميّة وتشريكها الفعلي في التّخطيط لمستقبلها وتشريكها في وضع برامج تستجيب حقّا لاحتياجاتها وتطلعاتها وحاجيات بيئتها.
 
كما ان المرأة الريفية في حاجة إلى فضاءات الإصغاء والتعبير عن مشاغلهن إلى جانب تقديم الدّعم المادّي وإسناد قروض وحوافز لتمكين الرّيفيّات من فرص إحداث مشاريع صغرى تكفل لهنّ موارد رزق وتأمين دخل قارّ بما يضمن تحقيق إدماج المرأة الرّيفيّة في حلقة التّنمية وتقليص الفجوات على الصّعيديْن الإجتماعي والاقتصاديّ بشكل يضمن فرص مشاركتها في الحياة العامّة ضمن مقاربة تشاركيّة بينها وبين الرجل تقوم على مبدأ المساواة وتكافئ الفرص وتقطع مع عديد الممارسات السائدة في المجتمع الذكوري الجاحد الذي يتغافل عن الدّور الحيويّ الذي تضطلع به المرأة الرّيفيّة في الحلقة الإقتصاديّة والتّنمويّة ويتناسى دورها المؤثّر على الصّعيديْن الإجتماعي والإقتصاديّ، حيث تتكفل المرأة الناشطة في القطاع الفلاحي بتوفير الأمن الغذائي لأسرتها وللمجتمع في وقت لا تزال تعيش فيه الفلاّحات وضعا تشوبه العديد من الإشكاليّات وتعترضه الكثير من التحديّات ممّا يجعل مستقبلها يكتنفه الكثير من الغموض واللّبس في ظلّ عدم تفعيل عديد التّشريعات وغياب إرادة لتحسين أوضاعهن.
 
"الصّباح نيوز" عاينت خلال جولة فجريّة فصول مسرحيّة يوميّة من المعاناة والتّضحيّات تكون بطلاتها فلاّحات شابّات عاملات وأخريات متزوّجات همّهن ومبلغ رجائهنّ توفير لقمة عيش بعيدا عن منطق الحسابات فغاية المُراد توفير مبلغ يسدّ جانبا من النفقات.
 
 ظروف نقل مُهينة وأجور زهيدة 
 
بداية من  الساعات الأولى من الفجر وقبل انبلاج الصّباح، تضرب مجموعة من النسوة موعدا مع تفاصيل يوم قد يخفي في طياته طارئا أو حدثا يقلب حياتهنّ وحياة أسرهمّ رأسا على عقب حيث يتكرّر ذات المشهد في عدد من المحطّات المعروفة لدى العاملات الفلاّحات بمنطقة منزل المحطّة من معتمدية سيدي بوعلي وبلعوم من معتمديّة القلعة الكبرى ومنطقة النقر من معتمدية القلعة الصغرى وغيرها.
  من هناك تتجمّع العاملات في القطاع الفلاحيّ بعد أن تكنّ قد أعددن فطور الصّباح ووجبة الغداء لبقيّة أفراد العائلة واقتطعن منها ما يسدّ رمق الجوع ويهفّت ثورة الأمعاء الخاوية.
من بعيد تلمح العاملات شاحنة مكشوفة أقبلت على مهل تتهادى بين الثّنايا مخافة أن تفقد شيئا من هيكلها المهترئ لتُسارع إليها الفلاّحات غير عابئات ولا مكترثات فمبلغ همّهنّ الظّفر بمكان للوقوف فوق ظهر العربة ليتدخّل صاحب الشاحنة متوعّدا بالطّرد وإنزال كلّ من تُبدي سرّا أو جهرا امتعاضا أو استنكارا من ظروف النّقل التي يحرص فيها صاحب الشّاحنة على الزجّ بأكبر عدد ممكن من النّسوة وسط الصّندوق الخلفيّ للشّاحنة بشكل يضمن فقط نقل أكبر عدد من العاملات في رحلة واحدة تُرغم خلالها الرّاكبات على الوقوف طوال السّفرة.
 
 أكدت سعيدة (أمّ الخمسة أطفال) أنّها أصبحت تعاني من عديد أمراض الرّوماتيزم ممّا جعلها غير قادرة على ثني ركبتيها ويديها، وأرجعت ذلك إلى تأثير السنوات العديدة أنّى كانت تلقي بنفسها في شاحنة مكشوفة تجعل جسدها وأجساد رفقتها في مرمى عبث النسمات الفجريّة الباردة ووخزات البرد المستفزّة سواء في طريق التوجّه للعمل أو وقت الرّجوع منه والذي غالبا ما يتزامن مع حلول الظّلام مشدّدة على ساعات العمل التي تتجاوز في بعض المناسبات العشر ساعات مقابل بضعة دنانير وأجر لا يتناسب مع حجم المجهود ولا التّضحية.
وعن المخاطر الكثيرة التي تحفّ بعمليّة نقل العاملات اعتبرت إحدى الفلاّحات أنّ سلامتها وسلامة رفيقاتها تكون على كفّ عفريت بمجرّد أن تطأ قدمها سطح الصّندوق ممّا يجعل من وقت مغادرتها المنزل كلّ صباح توقيتا تغلب عليه الشّجون والمشاعر الجيّاشة المطبوعة بالألم والرّهبة من تفاصيل يوم قد يحصل فيه المحظور الذي يضع حدّا لحياتها و يحرمها من عيالها..
 
أنور قلالة