تزخر جزيرة جربة بأحواش تم تشييدها منذ عقود بعيدة في التاريخ، وتتميّز هذه المعالم بخصوصيات فريدة لا نجدها إلا في هذه الجزيرة الحالمة.
وقد لعبت هذه الأحواش أدوارًا مُتعددة وأساسية في حياة أهالي جربة، حيث لم تكن مُجرد مساكن، بل فضاءات معيشية مُتكاملة تجمع بين البعد الاجتماعي والثقافي والبيئي.
ومع تقدّم الزمن، أصبحت هذه المعالم التراثية مُهددة بالاندثار والانهيار نتيجة الإهمال وتغيّر أنماط العيش، غير أنّ هذا الواقع لم يمرّ دون وعي، إذ سعى العديد من المُهتمين على غرار كل من محمد نبيل سليمان ومحمد عزني مهندسين معماريين ومهتميْن بأحواش جربة إلى إطلاق مبادرات جادة تهدف إلى ترميم هذه الأحواش وصيانتها، حفاظًا على مكانتها وقيمتها التاريخية.
الحوش الجربي.. أكثر من مسكن
وأكد المهندسان لـ"الصباح نيوز" ان "الحوش الجربي" ليس مُجرّد بناء تقليدي، بل هو تعبير حي عن فلسفة عيش متكاملة.
وقالا أنّ المواطن "الجربي" استطاع عبر قرون أن يطوّر نموذجًا معماريًا يستجيب بذكاء لمتطلبات البيئة المحلية، حيث الحرارة المرتفعة والرياح القوية، فكان الحل في تصميم داخلي منغلق حول فناء مركزي (Patio)، يُوفّر التهوية الطبيعية ويخلق توازنًا حراريًا مريحًا.
وتعتمد هذه العمارة على مواد محلية بسيطة مثل الجير والحجر، لكنها توظّف بذكاء كبير، ما يجعل "الحوش" نموذجًا مُبكرًا لما يُعرف اليوم بالعمارة المستدامة.
الجدران السميكة، الألوان الفاتحة، الأقواس، والقباب،.. كلها عناصر تساهم في خلق بيئة معيشية صحية ومتناغمة.
البعد الاجتماعي.. "الحوش" كفضاء للحياة
يُمثّل "الحوش الجربي"، وفق محمد نبيل سليمان ومحمد عزني أيضًا نواة الحياة الاجتماعية، حيث يتجاوز دوره كمسكن ليصبح فضاءً للتفاعل الإنساني. في داخله تنشأ الأجيال، وتُبنى العلاقات، وتتجسّد قيم التضامن والتكافل.
الفناء الداخلي كان ولا يزال القلب النابض لـ"الحوش"، فهو فضاء للراحة النفسية، ومكان للقاء اليومي، ومجال للتربية غير المباشرة، حيث يتعلّم الأطفال القيم من خلال العيش المشترك. هذا النموذج يعكس توازنًا نادرًا بين الخصوصية والانفتاح، بين الفرد والمجموعة.
قيمة معمارية عالمية
في سياق عالمي يبحث عن حلول سكنية مُستدامة، يبرز الحوش الجربي كمرجع حقيقي يمكن الاستفادة منه. فهو يقدّم حلولًا بسيطة وفعّالة لمشاكل التهوية، الطاقة، والراحة، دون الاعتماد على التكنولوجيا المعقّدة.
إن هذا النموذج المعماري لا يمكن استنساخه بسهولة، لأنه مرتبط بثقافة ومحيط خاص، لكنه يمكن أن يُلهم العديد من المشاريع الحديثة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الإنسان وبيئته.
التحديات وخطر الاندثار
رغم هذه القيمة الكبيرة، تواجه الأحواش اليوم تحديات حقيقية، من بينها الإهمال وغياب الصيانة، تغيّر نمط العيش، تفكك الملكية العائلية، ضغط العمران الحديث...
كل هذه العوامل تُهدّد هذا التراث بالزوال، وهو ما يستوجب تدخلاً عاجلاً ومنظمًا.
نحو استراتيجية شاملة للحفاظ
إن حماية "الأحواش الجربية" تتطلب رؤية واضحة تقوم على عدة محاور أولاها الجرد والتوثيق عبر إعداد قاعدة بيانات شاملة لكل الأحواش، ثانيا الترميم الواعي باستخدام تقنيات ومواد تحافظ على الأصالة، ثالثا تكوين الحرفيين بهدف نقل المعرفة التقليدية للأجيال الجديدة، رابعا التثمين الاقتصادي من خلال تحويل الأحواش إلى فضاءات سياحية وثقافية، خامسا التوعية المجتمعية لترسيخ قيمة هذا التراث لدى السكان، وسادسا من التراث إلى المستقبل.
إن "الحوش الجربي" ليس مُجرد موروث من الماضي، بل هو مشروع للمستقبل، فهو يقدّم نموذجًا إنسانيًا ومعماريًا يمكن أن يُساهم في إعادة التفكير في طرق السكن الحديثة.
كما أنّ الحفاظ على "الحوش الجربي" هو في الحقيقة حفاظ على هوية جربة، وعلى ذاكرة جماعية غنية، وعلى إمكانية بناء مستقبل أكثر توازنًا واستدامة بحسب ذات المصادر..
ميمون التونسي
