إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

القيروان.. حرفة صناعة وإصلاح آلات الطرب على حافة الاندثار

في أزقة المدينة العتيقة بـالقيروان وتحديدا في حومة الشرفة لا يزال صدى الإيقاع ينبض بخفوت داخل ورشة صغيرة تتناثر فيها قطع الخشب وجلود مشدودة بعناية. هناك، التقينا الحرفي الطيب دعدوشة، منهمكا في ترميم آلة إيقاعية كأنها تحكي تاريخا طويلا من الفن الشعبي.
بيدين متعبتين ولكن بخبرة متجذرة، يواصل دعدوشة عمله اليومي متمسكا بحرفة ورثها عن والده. يقول وهو يضبط شدّ الجلد على إطار خشبي: “تعلمت الحرفة بالملاحظة كنت أراقب والدي لساعات طويلة حتى أتقنت أسرارها”. لم تكن هناك مدارس أو تكوين رسمي بل شغف وصبر وذاكرة بصرية تختزن التفاصيل.
لكن هذا الشغف وفق حديثه، لم يعد كافيا لمقاومة التحديات المتزايدة. فغلاء المواد الأولية من خشب وجلود ونحاس، بات يثقل كاهل الحرفيين ويهدد استمرارية نشاطهم. “كنا نعمل بأريحية في السابق أما اليوم فتكلفة الإنتاج ارتفعت كثيرا وأحيانا نضطر للعمل دون ربح يذكر” يضيف بنبرة يختلط فيها الأسى بالواقعية.
ورغم ذلك، لا تزال ورشته تستقطب حرفاء من مختلف معتمديات ولاية القيروان بل ومن ولايات الجنوب وحتى من العاصمة تونس، بحثا عن جودة لم تعد متوفرة إلا لدى قلة قليلة من الحرفيين الذين حافظوا على هذا الإرث.
المعضلة الأكبر، حسب دعدوشة، لا تكمن فقط في التكاليف بل في غياب الخلف. “الشباب اليوم لا يقبل على تعلم الحرفة. الكل يبحث عن العمل السريع أو الوظائف الحديثة ولا أحد يريد أن يتعب سنوات ليتقن صنعة تقليدية”، يقولها بحسرة واضحة.
وبين جدران هذه الورشة، يبدو أن المعركة ليست فقط من أجل لقمة العيش بل من أجل بقاء ذاكرة فنية وثقافية مهددة بالزوال. آلات الإيقاع التي تصنع هنا ليست مجرد أدوات موسيقية بل قطع من روح التراث القيرواني تحمل في طياتها قصص أفراح ومناسبات وأهازيج شعبية.
في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى دعم هذا القطاع سواء عبر التكوين أو الإحاطة أو الترويج، حتى لا يتحول صمت هذه الورشات إلى إعلان نهائي عن اندثار حرفة كانت يومًا تنبض بالحياة.
هنا في حومة الشرفة، لا يزال الطيب دعدوشة يقاوم النسيان... بإيقاع يكاد يخفت.


ريبورتاج: مروان الدعلول 

 

1000045721.jpg1000045717.jpg1000045718.jpg1000045719.jpg1000045723.jpg

القيروان.. حرفة صناعة وإصلاح آلات الطرب على حافة الاندثار

في أزقة المدينة العتيقة بـالقيروان وتحديدا في حومة الشرفة لا يزال صدى الإيقاع ينبض بخفوت داخل ورشة صغيرة تتناثر فيها قطع الخشب وجلود مشدودة بعناية. هناك، التقينا الحرفي الطيب دعدوشة، منهمكا في ترميم آلة إيقاعية كأنها تحكي تاريخا طويلا من الفن الشعبي.
بيدين متعبتين ولكن بخبرة متجذرة، يواصل دعدوشة عمله اليومي متمسكا بحرفة ورثها عن والده. يقول وهو يضبط شدّ الجلد على إطار خشبي: “تعلمت الحرفة بالملاحظة كنت أراقب والدي لساعات طويلة حتى أتقنت أسرارها”. لم تكن هناك مدارس أو تكوين رسمي بل شغف وصبر وذاكرة بصرية تختزن التفاصيل.
لكن هذا الشغف وفق حديثه، لم يعد كافيا لمقاومة التحديات المتزايدة. فغلاء المواد الأولية من خشب وجلود ونحاس، بات يثقل كاهل الحرفيين ويهدد استمرارية نشاطهم. “كنا نعمل بأريحية في السابق أما اليوم فتكلفة الإنتاج ارتفعت كثيرا وأحيانا نضطر للعمل دون ربح يذكر” يضيف بنبرة يختلط فيها الأسى بالواقعية.
ورغم ذلك، لا تزال ورشته تستقطب حرفاء من مختلف معتمديات ولاية القيروان بل ومن ولايات الجنوب وحتى من العاصمة تونس، بحثا عن جودة لم تعد متوفرة إلا لدى قلة قليلة من الحرفيين الذين حافظوا على هذا الإرث.
المعضلة الأكبر، حسب دعدوشة، لا تكمن فقط في التكاليف بل في غياب الخلف. “الشباب اليوم لا يقبل على تعلم الحرفة. الكل يبحث عن العمل السريع أو الوظائف الحديثة ولا أحد يريد أن يتعب سنوات ليتقن صنعة تقليدية”، يقولها بحسرة واضحة.
وبين جدران هذه الورشة، يبدو أن المعركة ليست فقط من أجل لقمة العيش بل من أجل بقاء ذاكرة فنية وثقافية مهددة بالزوال. آلات الإيقاع التي تصنع هنا ليست مجرد أدوات موسيقية بل قطع من روح التراث القيرواني تحمل في طياتها قصص أفراح ومناسبات وأهازيج شعبية.
في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى دعم هذا القطاع سواء عبر التكوين أو الإحاطة أو الترويج، حتى لا يتحول صمت هذه الورشات إلى إعلان نهائي عن اندثار حرفة كانت يومًا تنبض بالحياة.
هنا في حومة الشرفة، لا يزال الطيب دعدوشة يقاوم النسيان... بإيقاع يكاد يخفت.


ريبورتاج: مروان الدعلول 

 

1000045721.jpg1000045717.jpg1000045718.jpg1000045719.jpg1000045723.jpg