إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الزربية القيروانية..خيوط تحكي مجد مدينة بين الأصالة والصمود

داخل أزقة المدينة العتيقة بالقيروان حيث تمتزج رائحة التاريخ بصوت الحياة اليومية، تتقدم خطوات الزائر نحو عالم مختلف… عالم لا يُرى فقط بل يلمس بخيوط الصوف وألوان التراث. هناك في فضاءات العرض وورش الحرف تقف الزربية القيروانية شاهدة على قرن ونصف من الإبداع والصبر والهوية.
بين جدران العرض… ذاكرة منسوجة
في أحد الفضاءات المخصصة للتراث، تتراص الزرابي كلوحات فنية معلقة على الجدران كل قطعة منها تبدو وكأنها تروي حكاية منفردة. تتداخل الألوان بين الأحمر القاني والبيج الطبيعي والأسود بينما تبرز زخارف المحراب والأشكال الهندسية التي تشكل هوية الزربية القيروانية.
داخل هذا الفضاء، يتوقف الزائر طويلا أمام قطع نادرة محفوظة بعناية داخل متحف الزربية بالقيروان حيث لا يعرض المنتج فقط، بل يروى تاريخه أيضا: حرفة بدأت تتبلور منذ القرن التاسع عشر وترتبط في الذاكرة الشعبية باسم الحرفية “كاملة بنت محمد الشاوش” سنة 1830.
 
حضور نسائي يصنع الجمال في صمت
خارج قاعات العرض تتغير الصورة. في أحد البيوت القديمة، جلست نساء فوق الأرض حول منسج خشبي، تتحرك أيديهن بإيقاع ثابت بينما يملأ صوت احتكاك الخيوط المكان. هنا، الزربية لا تعرض… بل تولد.
إحدى الحرفيات تشير إلى تفاصيل العمل قائلة إن كل عقدة تحتاج إلى تركيز دقيق وإن أي خطأ بسيط قد يغير شكل اللوحة بأكملها. في هذه اللحظات، يظهر بوضوح أن الزربية ليست منتوجا بل وقتا طويلا من الحياة ينسج بصبر.
لكن خلف هذا المشهد التقليدي، يلوح قلق صامت حيث عدد الحرفيات يتراجع وأصوات المناسج أصبحت أقل من الماضي.
 
من زمن الازدهار إلى ضغط السوق
خلال العقود الماضية، عاشت الزربية القيروانية فترات انتعاش كبيرة حين كانت تصدر إلى الخارج وتعتبر من أبرز المنتوجات التقليدية التونسية. كانت الأسواق نشيطة، والطلب مرتفعا والقيروان تعرف كعاصمة حقيقية للنسيج اليدوي.
اليوم، المشهد مختلف. فارتفاع أسعار الصوف وتكاليف الإنتاج وضعف التسويق كلها عوامل جعلت الحرفة تواجه صعوبات حقيقية في الاستمرار بنفس القوة.
في سوق المدينة، لم تعد الحركة كما كانت، بعض المحلات تقلص نشاطها وأخرى تحاول الصمود عبر عرض الزرابي للسياح الذين يمرون بسرعة بين الأزقة.
 
تحديات الحرفة في زمن التحول
في حديث مع عدد من المهتمين بالقطاع، تتكرر نفس الإشكالات: غياب الشباب، ضعف الدعم المباشر وتراجع قنوات الترويج الحديثة كما أن الوسطاء أصبحوا جزء من المعادلة مما يزيد من صعوبة وصول الحرفية إلى سعر عادل لمنتوجها.
ورغم هذه الصعوبات، لا تزال بعض الورشات تعمل بإصرار، محافظة على تقنيات تقليدية دقيقة وعلى رأسها العقدة اليدوية التي تمنح الزربية قوتها وقيمتها الفنية.
 
محاولات إنقاذ وصوت لا ينقطع
في المقابل، تتواصل جهود مؤسسات الحرف والصناعات التقليدية لدعم القطاع عبر التكوين والمشاركة في المعارض وتحسين الجودة إضافة إلى محاولة ربط الحرفة بالسياحة الثقافية التي تشهد بدورها تحولات مستمرة.
لكن على أرض الواقع، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة جعل الزربية نشاطا اقتصاديا مربحا للحرفية نفسها وليس فقط رمزا تراثيا للعرض.
 
ختام ميداني
مع غروب الشمس فوق أسوار القيروان، تخفت أصوات المدينة تدريجيا  لكن داخل البيوت تستمر الأيدي في الحركة. خيط يدخل وآخر يخرج… وبينهما تنسج قصة مدينة كاملة.
الزربية القيروانية هي حياة تعاش بصمت. وبين مجد الماضي وضغط الحاضر يبقى السؤال مفتوحا: كيف يمكن لهذا الخيط أن لا ينقطع؟؟.
مروان الدعلول 
 
 WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.27.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.27_3.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.28.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.30_1.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.30_2.jpeg
 الزربية القيروانية..خيوط تحكي مجد مدينة بين الأصالة والصمود
داخل أزقة المدينة العتيقة بالقيروان حيث تمتزج رائحة التاريخ بصوت الحياة اليومية، تتقدم خطوات الزائر نحو عالم مختلف… عالم لا يُرى فقط بل يلمس بخيوط الصوف وألوان التراث. هناك في فضاءات العرض وورش الحرف تقف الزربية القيروانية شاهدة على قرن ونصف من الإبداع والصبر والهوية.
بين جدران العرض… ذاكرة منسوجة
في أحد الفضاءات المخصصة للتراث، تتراص الزرابي كلوحات فنية معلقة على الجدران كل قطعة منها تبدو وكأنها تروي حكاية منفردة. تتداخل الألوان بين الأحمر القاني والبيج الطبيعي والأسود بينما تبرز زخارف المحراب والأشكال الهندسية التي تشكل هوية الزربية القيروانية.
داخل هذا الفضاء، يتوقف الزائر طويلا أمام قطع نادرة محفوظة بعناية داخل متحف الزربية بالقيروان حيث لا يعرض المنتج فقط، بل يروى تاريخه أيضا: حرفة بدأت تتبلور منذ القرن التاسع عشر وترتبط في الذاكرة الشعبية باسم الحرفية “كاملة بنت محمد الشاوش” سنة 1830.
 
حضور نسائي يصنع الجمال في صمت
خارج قاعات العرض تتغير الصورة. في أحد البيوت القديمة، جلست نساء فوق الأرض حول منسج خشبي، تتحرك أيديهن بإيقاع ثابت بينما يملأ صوت احتكاك الخيوط المكان. هنا، الزربية لا تعرض… بل تولد.
إحدى الحرفيات تشير إلى تفاصيل العمل قائلة إن كل عقدة تحتاج إلى تركيز دقيق وإن أي خطأ بسيط قد يغير شكل اللوحة بأكملها. في هذه اللحظات، يظهر بوضوح أن الزربية ليست منتوجا بل وقتا طويلا من الحياة ينسج بصبر.
لكن خلف هذا المشهد التقليدي، يلوح قلق صامت حيث عدد الحرفيات يتراجع وأصوات المناسج أصبحت أقل من الماضي.
 
من زمن الازدهار إلى ضغط السوق
خلال العقود الماضية، عاشت الزربية القيروانية فترات انتعاش كبيرة حين كانت تصدر إلى الخارج وتعتبر من أبرز المنتوجات التقليدية التونسية. كانت الأسواق نشيطة، والطلب مرتفعا والقيروان تعرف كعاصمة حقيقية للنسيج اليدوي.
اليوم، المشهد مختلف. فارتفاع أسعار الصوف وتكاليف الإنتاج وضعف التسويق كلها عوامل جعلت الحرفة تواجه صعوبات حقيقية في الاستمرار بنفس القوة.
في سوق المدينة، لم تعد الحركة كما كانت، بعض المحلات تقلص نشاطها وأخرى تحاول الصمود عبر عرض الزرابي للسياح الذين يمرون بسرعة بين الأزقة.
 
تحديات الحرفة في زمن التحول
في حديث مع عدد من المهتمين بالقطاع، تتكرر نفس الإشكالات: غياب الشباب، ضعف الدعم المباشر وتراجع قنوات الترويج الحديثة كما أن الوسطاء أصبحوا جزء من المعادلة مما يزيد من صعوبة وصول الحرفية إلى سعر عادل لمنتوجها.
ورغم هذه الصعوبات، لا تزال بعض الورشات تعمل بإصرار، محافظة على تقنيات تقليدية دقيقة وعلى رأسها العقدة اليدوية التي تمنح الزربية قوتها وقيمتها الفنية.
 
محاولات إنقاذ وصوت لا ينقطع
في المقابل، تتواصل جهود مؤسسات الحرف والصناعات التقليدية لدعم القطاع عبر التكوين والمشاركة في المعارض وتحسين الجودة إضافة إلى محاولة ربط الحرفة بالسياحة الثقافية التي تشهد بدورها تحولات مستمرة.
لكن على أرض الواقع، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة جعل الزربية نشاطا اقتصاديا مربحا للحرفية نفسها وليس فقط رمزا تراثيا للعرض.
 
ختام ميداني
مع غروب الشمس فوق أسوار القيروان، تخفت أصوات المدينة تدريجيا  لكن داخل البيوت تستمر الأيدي في الحركة. خيط يدخل وآخر يخرج… وبينهما تنسج قصة مدينة كاملة.
الزربية القيروانية هي حياة تعاش بصمت. وبين مجد الماضي وضغط الحاضر يبقى السؤال مفتوحا: كيف يمكن لهذا الخيط أن لا ينقطع؟؟.
مروان الدعلول 
 
 WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.27.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.27_3.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.28.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.30_1.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-04-17_at_13.04.30_2.jpeg