إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مختص في القانون لـ"الصباح نيوز": "السجل العدلي أحد أكثر الآليات القانونية حساسية.. وهو منظومة توثيق لا وصم اجتماعي"

*" البطاقة عدد1 هي القلب الحقيقي للسجل العدلي".. و"الذاكرة الجزائية الكاملة للدولة"
 
 
 السجل العدلي.. وثيقة رسمية تصدرها وزارة العدل، تتضمن المعطيات المتعلقة بالأحكام الجزائية الصادرة ضد شخص معين إن وجدت طبعا.
ويضم السجل العدلي ببلادنا ثلاث بطاقات، ولكل واحدة استعمالاتها ومضمونها، وهم البطاقة عدد 1 وعدد 2 والبطاقة الأكثر تداولا عدد3 وهي بطاقة السوابق العدلية".
"الصباح نيوز" تطرقت لموضوع السجل العدلي مع مختص في القانون واستطلعت رأيه حول دواعي استعمالات هذه البطاقات المهمة خاصة وان البعض منها يتضمن أحكاما قضائية وما مدى إمكانية مراجعتها او محوها، وما مدى تطبيقها بخصوص ما يهم جرائم الأطفال وهل يمكن أن تستثنى هذه الفئة من بعض الإجراءات لتحقيق مبدأ العدالة الإصلاحية.
 
في هذا السياق، أفادنا المختص في القانون أسامة الخزامي أن السجل العدلي في القانون التونسي يعد إحدى أكثر الآليات القانونية حساسية، لما يحمله من تداخل دقيق بين منطق الردع الجزائي، ومتطلبات الأمن العام، وضمانات حقوق الإنسان ولا سيما الحق في الإصلاح وإعادة الإدماج الاجتماعي. 
 
وأضاف الخزامي ان السجل العدلي، أو ما يُتداول عاميا بـ«السوابق العدلية»، لا يُفهم كأداة عقابية ثابتة، بل كمنظومة تضبط المسار الجزائي للفرد في الزمن، وتخضع لمنطق المراجعة والإصلاح، فالمشرع وضع إطارا مؤسساتيا صارما لمسار المعلومة الجزائية، منذ لحظة صدور الحكم إلى غاية إمكانية محوه أو إصلاحه، بما يعكس فلسفة قانونية قائمة على التوازن بين حماية المجتمع وعدم تكريس الوصم الإجرامي.
وكشف في ذات السياق ان السجل العدلي كمنظومة توثيق لا كوصم اجتماعي، حيث يُحمّل الفصل 361 من مجلة الإجراءات الجزائية كتاب المحاكم مسؤولية جوهرية تتمثل في توثيق جميع الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح بدفاتر خاصة، مع بيان الهوية الكاملة للمحكوم عليه وملخص القضية والحكم الصادر فيها..
وأشار الى أن هذا الإجراء لا يهدف إلى التشهير، بل إلى ضمان دقة المعلومة الجزائية ومركزيّتها من خلال إحالتها وجوبيا إلى مصلحة الهوية العدلية في آجال قصيرة، بما يمنع التلاعب أو الإخفاء.
ويلاحظ محدثنا أن المشرع شدد أكثر في ما يتعلق بالأطفال، إذ أقر مسك دفاتر خاصة لا يطلع عليها العموم، وهو ما يعكس وعيا مبكرا بخطورة الوصم الإجرامي في سن التكوين، وترسيخا لمبدأ خصوصية العدالة الجزائية للأحداث.
 
مصلحة الهوية العدلية ودورها المركزي
قال الاستاذ الخزامي انه بمقتضى الفصل 362 من مجلة الإجراءات الجزائية، تتولى مصلحة الهوية العدلية جمع البطاقات عدد 1، وهي القلب الحقيقي للسجل العدلي، وتُسند لها صلاحية تسليم مضامين منها في شكل بطاقات عدد 2 أو 3.. وهذا التمركز المؤسسي للمعلومة الجزائية يُعدّ ضمانة إجرائية ضد التوظيف العشوائي أو الإداري للسجل العدلي خارج الإطار القضائي.
وأكد ان البطاقة عدد 1 الذاكرة الجزائية الكاملة للدولة حيث
يُفصّل الفصل 363 من  مجلة الإجراءات الجزائية محتوى البطاقة عدد 1، لتشمل:
- جميع الأحكام النهائية في الجنايات والجنح،
- الأحكام الصادرة ضد الأطفال فوق سن 13 سنة،
- الأحكام التأديبية الماسة بالحقوق المدنية،
- قرارات المراقبة الإدارية وتحجير الإقامة،
- قرارات الطرد ضد الأجانب،
- أحكام الإفلاس.
 
لكن الأهم في السياسة العقابية، هو أن البطاقة عدد 1 لا تقتصر على تسجيل الإدانة، بل تدوّن كذلك مسار الإصلاح : العفو، إبدال العقاب، السراح الشرطي، استرداد الحقوق، وانقضاء العقوبة، وهو ما يؤكد أن السجل العدلي ليس سجل إدانة فقط، بل سجل تطوّر الوضعية الجزائية للشخص.
كما أن التنصيص الصريح على حذف البطاقات التي شملها العفو العام أو أُلغيت بحكم قضائي، يقطع مع فكرة الأبدية الإجرامية، ويؤسس لمبدأ «الحق في النسيان الجزائي».
 
 خصوصية الطفل ومبدأ العدالة الإصلاحية
يُجسّد الفصل  364 مجلة الإجراءات الجزائية، أحد أكثر مظاهر العدالة الإصلاحية وضوحًا في التشريع التونسي، إذ يمنح حاكم الأحداث سلطة إبطال البطاقة عدد 1 إذا ثبت ارتداع الطفل بعد مرور ثلاث سنوات من تنفيذ الوسيلة المتخذة ضده. 
ويضيف محدثنا ان هذا الإجراء لا يُعدّ امتيازا، بل اعترافا بأن الغاية من العقاب في قضاء الأحداث ليست الردع العام وإنما  إعادة التوجيه الاجتماعي.
وإعدام البطاقة نهائيًا وعدم التنصيص عليها في السجل العدلي، يؤكد أن المشرّع لا يريد للطفل أن يُعرّف قانونيًا بماضيه، بل بمستقبله.
 
تدرّج النفاذ إلى السجل العدلي وحماية المعطيات
يشير الاستاذ الخزامي ان الفصل 365 من مجلة الإجراءات الجزائية،يكرس مبدأ التدرّج في النفاذ إلى المعلومة الجزائية: البطاقة عدد 2 لا تُسلّم إلا للسلطة القضائية، والبطاقة عدد 3 تُسلّم حصريًا لصاحبها، بمحتوى محدود، ولا تشمل إلا الأحكام غير الممحوة قانونًا.
 
 إصلاح السجل العدلي كضمانة قضائية
 يذكر محدثنا ايضا ان الفصل 366 من مجلة الإجراءات الجزائية أقر إمكانية إصلاح السجل العدلي عبر القضاء، وتحديدا بحجرة الشورى، بعد أخذ رأي النيابة العمومية وهو ما يمنح للفرد وسيلة قانونية لمواجهة استمرار أثر الإدانة متى انتفت مبرراتها..  ويخضع السجل العدلي لمبدأ الرقابة القضائية لا الإدارية.
وكشف الاستاذ الخزامي انه من منظوره كمختص في القانون وعلوم الإجرام، لا يمكن اختزال السجل العدلي في كونه «سوابق»، بل هو أداة قانونية لضبط العلاقة بين الجريمة والمجتمع والفرد عبر الزمن. فالمشرّع التونسي، من خلال النص حاول أن يوازن بين:
حق المجتمع في المعرفة والحماية، وحق الفرد في الإصلاح، والكرامة، وإعادة الإدماج.
وعليه، فإن السجل العدلي في فلسفته القانونية ليس آلية وصم، بل اختبار دائم لمدى إنسانية السياسة الجزائية للدولة التونسية.
سعيدة الميساوي
IMG-20260217-WA0045.jpg
 
orientini.com_bulletin_numéro_2_tunisie.png
 
 
 
 
 
 مختص في القانون لـ"الصباح نيوز": "السجل العدلي أحد أكثر الآليات القانونية حساسية.. وهو منظومة توثيق لا وصم اجتماعي"
*" البطاقة عدد1 هي القلب الحقيقي للسجل العدلي".. و"الذاكرة الجزائية الكاملة للدولة"
 
 
 السجل العدلي.. وثيقة رسمية تصدرها وزارة العدل، تتضمن المعطيات المتعلقة بالأحكام الجزائية الصادرة ضد شخص معين إن وجدت طبعا.
ويضم السجل العدلي ببلادنا ثلاث بطاقات، ولكل واحدة استعمالاتها ومضمونها، وهم البطاقة عدد 1 وعدد 2 والبطاقة الأكثر تداولا عدد3 وهي بطاقة السوابق العدلية".
"الصباح نيوز" تطرقت لموضوع السجل العدلي مع مختص في القانون واستطلعت رأيه حول دواعي استعمالات هذه البطاقات المهمة خاصة وان البعض منها يتضمن أحكاما قضائية وما مدى إمكانية مراجعتها او محوها، وما مدى تطبيقها بخصوص ما يهم جرائم الأطفال وهل يمكن أن تستثنى هذه الفئة من بعض الإجراءات لتحقيق مبدأ العدالة الإصلاحية.
 
في هذا السياق، أفادنا المختص في القانون أسامة الخزامي أن السجل العدلي في القانون التونسي يعد إحدى أكثر الآليات القانونية حساسية، لما يحمله من تداخل دقيق بين منطق الردع الجزائي، ومتطلبات الأمن العام، وضمانات حقوق الإنسان ولا سيما الحق في الإصلاح وإعادة الإدماج الاجتماعي. 
 
وأضاف الخزامي ان السجل العدلي، أو ما يُتداول عاميا بـ«السوابق العدلية»، لا يُفهم كأداة عقابية ثابتة، بل كمنظومة تضبط المسار الجزائي للفرد في الزمن، وتخضع لمنطق المراجعة والإصلاح، فالمشرع وضع إطارا مؤسساتيا صارما لمسار المعلومة الجزائية، منذ لحظة صدور الحكم إلى غاية إمكانية محوه أو إصلاحه، بما يعكس فلسفة قانونية قائمة على التوازن بين حماية المجتمع وعدم تكريس الوصم الإجرامي.
وكشف في ذات السياق ان السجل العدلي كمنظومة توثيق لا كوصم اجتماعي، حيث يُحمّل الفصل 361 من مجلة الإجراءات الجزائية كتاب المحاكم مسؤولية جوهرية تتمثل في توثيق جميع الأحكام الصادرة في الجنايات والجنح بدفاتر خاصة، مع بيان الهوية الكاملة للمحكوم عليه وملخص القضية والحكم الصادر فيها..
وأشار الى أن هذا الإجراء لا يهدف إلى التشهير، بل إلى ضمان دقة المعلومة الجزائية ومركزيّتها من خلال إحالتها وجوبيا إلى مصلحة الهوية العدلية في آجال قصيرة، بما يمنع التلاعب أو الإخفاء.
ويلاحظ محدثنا أن المشرع شدد أكثر في ما يتعلق بالأطفال، إذ أقر مسك دفاتر خاصة لا يطلع عليها العموم، وهو ما يعكس وعيا مبكرا بخطورة الوصم الإجرامي في سن التكوين، وترسيخا لمبدأ خصوصية العدالة الجزائية للأحداث.
 
مصلحة الهوية العدلية ودورها المركزي
قال الاستاذ الخزامي انه بمقتضى الفصل 362 من مجلة الإجراءات الجزائية، تتولى مصلحة الهوية العدلية جمع البطاقات عدد 1، وهي القلب الحقيقي للسجل العدلي، وتُسند لها صلاحية تسليم مضامين منها في شكل بطاقات عدد 2 أو 3.. وهذا التمركز المؤسسي للمعلومة الجزائية يُعدّ ضمانة إجرائية ضد التوظيف العشوائي أو الإداري للسجل العدلي خارج الإطار القضائي.
وأكد ان البطاقة عدد 1 الذاكرة الجزائية الكاملة للدولة حيث
يُفصّل الفصل 363 من  مجلة الإجراءات الجزائية محتوى البطاقة عدد 1، لتشمل:
- جميع الأحكام النهائية في الجنايات والجنح،
- الأحكام الصادرة ضد الأطفال فوق سن 13 سنة،
- الأحكام التأديبية الماسة بالحقوق المدنية،
- قرارات المراقبة الإدارية وتحجير الإقامة،
- قرارات الطرد ضد الأجانب،
- أحكام الإفلاس.
 
لكن الأهم في السياسة العقابية، هو أن البطاقة عدد 1 لا تقتصر على تسجيل الإدانة، بل تدوّن كذلك مسار الإصلاح : العفو، إبدال العقاب، السراح الشرطي، استرداد الحقوق، وانقضاء العقوبة، وهو ما يؤكد أن السجل العدلي ليس سجل إدانة فقط، بل سجل تطوّر الوضعية الجزائية للشخص.
كما أن التنصيص الصريح على حذف البطاقات التي شملها العفو العام أو أُلغيت بحكم قضائي، يقطع مع فكرة الأبدية الإجرامية، ويؤسس لمبدأ «الحق في النسيان الجزائي».
 
 خصوصية الطفل ومبدأ العدالة الإصلاحية
يُجسّد الفصل  364 مجلة الإجراءات الجزائية، أحد أكثر مظاهر العدالة الإصلاحية وضوحًا في التشريع التونسي، إذ يمنح حاكم الأحداث سلطة إبطال البطاقة عدد 1 إذا ثبت ارتداع الطفل بعد مرور ثلاث سنوات من تنفيذ الوسيلة المتخذة ضده. 
ويضيف محدثنا ان هذا الإجراء لا يُعدّ امتيازا، بل اعترافا بأن الغاية من العقاب في قضاء الأحداث ليست الردع العام وإنما  إعادة التوجيه الاجتماعي.
وإعدام البطاقة نهائيًا وعدم التنصيص عليها في السجل العدلي، يؤكد أن المشرّع لا يريد للطفل أن يُعرّف قانونيًا بماضيه، بل بمستقبله.
 
تدرّج النفاذ إلى السجل العدلي وحماية المعطيات
يشير الاستاذ الخزامي ان الفصل 365 من مجلة الإجراءات الجزائية،يكرس مبدأ التدرّج في النفاذ إلى المعلومة الجزائية: البطاقة عدد 2 لا تُسلّم إلا للسلطة القضائية، والبطاقة عدد 3 تُسلّم حصريًا لصاحبها، بمحتوى محدود، ولا تشمل إلا الأحكام غير الممحوة قانونًا.
 
 إصلاح السجل العدلي كضمانة قضائية
 يذكر محدثنا ايضا ان الفصل 366 من مجلة الإجراءات الجزائية أقر إمكانية إصلاح السجل العدلي عبر القضاء، وتحديدا بحجرة الشورى، بعد أخذ رأي النيابة العمومية وهو ما يمنح للفرد وسيلة قانونية لمواجهة استمرار أثر الإدانة متى انتفت مبرراتها..  ويخضع السجل العدلي لمبدأ الرقابة القضائية لا الإدارية.
وكشف الاستاذ الخزامي انه من منظوره كمختص في القانون وعلوم الإجرام، لا يمكن اختزال السجل العدلي في كونه «سوابق»، بل هو أداة قانونية لضبط العلاقة بين الجريمة والمجتمع والفرد عبر الزمن. فالمشرّع التونسي، من خلال النص حاول أن يوازن بين:
حق المجتمع في المعرفة والحماية، وحق الفرد في الإصلاح، والكرامة، وإعادة الإدماج.
وعليه، فإن السجل العدلي في فلسفته القانونية ليس آلية وصم، بل اختبار دائم لمدى إنسانية السياسة الجزائية للدولة التونسية.
سعيدة الميساوي
IMG-20260217-WA0045.jpg
 
orientini.com_bulletin_numéro_2_tunisie.png