إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أستاذ التاريخ الحديث مصطفى التليلي لـ "الصباح": "تحديد العطل والأعياد قرار سياسي.. وتغيير عيد الثورة من 14 جانفي إلى 17 ديسمبر لن يطول.."

"لتاريخ 14 جانفي صبغة وطنية، سجل رحيل بن علي وكان موعد تحول في مسار سلسلة من التحركات التي عاشتها عدد من ولايات الجمهورية"

 

تونس- الصباح

الأقوياء أو المنتصرون هم من يكتبون التاريخ، قولة كانت أول ما خطر على بالي عندما أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد منتصف شهر ديسمبر أن يوم العطلة الذي كان يتزامن مع 14 جانفي من كل سنة قد تغير ليصبح يوم 17 ديسمبر من كل سنة، فهل هذا ما يمكن أن نفسر به محاولة التغيير الحاصل اليوم؟ وهل أن ذلك سيلغي محطة 14 جانفي مع ما عرفته من زخم وأحداث، وما كان لها من وقع في قلوب التونسيين والسياسيين والنقابيين والنشطاء الذين خرجوا للاحتجاج والتعبير عن غضبهم ورفضهم، ليكون نفس التاريخ الموعد الفصل الذي انتهت معه حقبة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ولينطلق بعد ذلك مسار جديد بفاعلين جدد وقوى سياسية مختلفة..

وهنا وبعد أن بهت تاريخ 14 جانفي وسط روزنامة عطل التونسيين، وتحول إلى يوم عادي بدوام عمل كامل، يقول مصطفى التليلي أستاذ التعليم العالي في التاريخ الحديث بجامعة تونس، أن مقولة أن التاريخ يكتب من قبل المنتصرين، فيها جزء من الصواب لكن هي أيضا تحمل جزءا كبيرا من قصر النظر، فبقدر ما يكتب التاريخ الأقوياء والمنتصرون، هناك مكر للتاريخ يتيح ويسمح لمن كتب التاريخ على حسابهم، قلب الطاولة وإعادة كتابته من جديد بمنظور آخر. واستشهد في هذا الإطار أستاذ التاريخ الحديث، بالسكان الأصليين للولايات المتحدة الأمريكية الذين ولفترة طويلة جدا تم تصويرهم من قبل الغزاة الأوروبيين، كمجتمعات متوحشة وغير متحضرة، اليوم وبعد أن ارتفعت أصوات حتى من أبناء المجتمعات الأوروبية، وجدت المجال للقول أن ما وقع كان جريمة في حق الإنسانية وأن السكان الأصليين قد تعرضوا للإبادة.

ويخلص مصطفى التليلي إلى أن مقولة أن التاريخ يكتب من قبل الأقوياء هي مقولة مؤقتة قابلة للنقض، فالتاريخ يعيد تصحيح نفسه في كل مرة ويسمح باستمرار لقراءات أخرى. ويشير في ذات السياق إلى أن دراسات ومدارس للتاريخ جاءت لتقديم نقد للقراءات الاستعمارية وإعطاء الكلمة لمن كانوا محتلين تأخذ بعين الاعتبار من كتب على حسابهم التاريخ.

وفي علاقة بتغيير عطلة عيد الثورة من 14 جانفي إلى 17 ديسمبر، أفاد التليلي أن تحديد العطل والأعياد ارتبط أساسا بقرار سياسي. موضحا انه من الضروري الإشارة في تناولنا للتاريخين، إلى أن هناك مشكل مصطلحات في استعمال كلمة "الثورة" وهي نقطة تستوجب التدقيق، كما انه لا يجب استسهال استعمالها وتحويلها إلى أمر بديهي. والأجدر حسب رأيه أن تعرف هذه المرحلة قراءات للمختصين من مؤرخين وعلماء اجتماع ومختصين في العلوم السياسية للبحث والتمحيص والقراءة، هل أن ما وقع بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 كان ثورة أو هو مسار وانتفاضة عرفت هنات وانتكاسات..؟

وفي قراءة مجردة للموعدين، أفاد مصطفى التليلي أن 17 ديسمبر 2010 يمثل تاريخ انتحار أحد الباعة المتجولين حرقا في ولاية سيدي بوزيد وما رافق الحدث من حالة احتقان وغضب للمواطنين، وكان يمكن أن تنسى الحادثة على غرار أحداث مماثلة سجلت قبلها بنحو السنة في ولاية المنستير، ولكن ونظرا لأنها جاءت في ظرفية سياسية واجتماعية واقتصادية ذات خصوصية جعلتها تأخذ أبعادا، ومكنتها من تكون بوابة لانطلاقة جملة من التحركات الاجتماعية المتتالية والتي شملت اغلب ولايات الجمهورية.

وذكر انه لولا التحركات التي خاضتها مجموعة من النقابيين والقوى السياسية والحقوقيين ومطالبتهم بفتح تحقيق وما عرفته مناطق كالرقاب والوردانين ودقاش وخاصة تالة والقصرين وما سجلته من ضحايا وتصعيد للقمع البوليسي ما كان لذلك المسار أن يأخذ المنحى الذي أخذه، أين تحول الحراك إلى حراك وطني انطلق بإضرابات جهوية في سيدي بوزيد والقصرين وقفصة وصفاقس ليصل إلى إضراب عام وطني يوم 14 جانفي بما حمله من مد جماهيري ومشاركة واسعة لمختلف قطاعات ومكونات المجتمع التونسي السياسية والثقافية والاجتماعية اخذ معها الصبغة الوطنية وكان موعدا للتحول في المسار وهو رحيل بن علي وانهيار السلطة ودخول تونس إلى مسار جديد..

وطبقا لما سبق، يشير أستاذ التاريخ الحديث مصطفى التليلي، إلى أن التحول الذي وقع بين 17 ديسمبر/ 14 جانفي يجب قراءته في تواصله وتراكماته وتعرجاته، وهو ما لا يمكن معه أن نعتبر 14 جانفي تاريخا عابرا أو عاديا أو هو مؤامرة على 17 ديسمبر كما يقول رئيس الجمهورية قيس سعيد. ويضيف، مسار ما بعد 14 جانفي للأسف شهد انتكاسات وارتدادات وتدخلات خارجية وتوظيف للأحداث بطريقة سلبية أجهضت نوعا ما أحلام التونسيين وتسببت في تأخير البلاد وتلويث الحياة السياسية، لكن هذا لا يمنع أننا في حاجة إلى العودة للأحلام الأولى بنفس جديد واستكمال المشروع الوطني التونسي ببناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها وحرياتهم وتضمن لهم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وكشف التليلي، وهذا النفس الجديد، لا يملك القدرة على تغيير أو طمس تواريخ وأحداث عاشها التونسيون، واعتقد انه لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تكتب التاريخ مهما كانت مشروعيتها، فمن الضروري أن تستأنس بقراءات المؤرخين والمختصين. ورأى أن التغيير المسجل مسالة وقت لن يطول كثيرا وسرعان ما سيتم إعادة النظر فيه طال الزمان أو قصر. وما وقع بعد الثورة ومحاولة كتابة التاريخ على مقاس من كانوا في السلطة عبر تهميش مواعيد تاريخية كعيد الشهداء 9 افريل أو عيد الاستقلال 20 مارس أو شخصيات وطنية كالحبيب بورقيبة، لم تدم طويلا وسرعان ما سجلت عودة قوية لتلك المواعيد والرموز، وحتى من كانوا من خصومهم حاولوا في النهاية الاعتراف بهم.

وتجدر الإشارة في نفس الوقت إلى أن نحو الـ100 شخصية وطنية وسياسية وحقوقية قد أصدرت أمس بيانا نددت فيه بمحاولات طمس تاريخ 14 جانفي، بما يحمله من أهمية لدى فئة عريضة من التونسيين خاصة أنه ارتبط برحيل رمز نظام الحكم الاستبدادي الذي تواصل لأكثر من خمسين سنة، معبرة عن "رفضها للأمر الرئاسي الذي يسعى للقطع  مع التاريخ النضالي للشعب ومحو ذاكرته في معركته من اجل الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية"، ودعت في نفس الوقت "إلى النزول يوم 14 جانفي إلى التحركات الميدانية أمام البنك المركزي وكذلك في شارع الثورة دفاعا عن حريتنا وحقنا في تقرير مصيرنا نحو تونس ديمقراطية اجتماعية تعددية عادلة، وذلك مع أخذ الاحتياطات الصحية اللازمة والالتزام قدر الإمكان بالتباعد الاجتماعي، تفاديا للعدوى."

ريم سوودي

أستاذ التاريخ الحديث مصطفى التليلي لـ "الصباح": "تحديد العطل والأعياد قرار سياسي.. وتغيير عيد الثورة من 14 جانفي إلى 17 ديسمبر لن يطول.."

"لتاريخ 14 جانفي صبغة وطنية، سجل رحيل بن علي وكان موعد تحول في مسار سلسلة من التحركات التي عاشتها عدد من ولايات الجمهورية"

 

تونس- الصباح

الأقوياء أو المنتصرون هم من يكتبون التاريخ، قولة كانت أول ما خطر على بالي عندما أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد منتصف شهر ديسمبر أن يوم العطلة الذي كان يتزامن مع 14 جانفي من كل سنة قد تغير ليصبح يوم 17 ديسمبر من كل سنة، فهل هذا ما يمكن أن نفسر به محاولة التغيير الحاصل اليوم؟ وهل أن ذلك سيلغي محطة 14 جانفي مع ما عرفته من زخم وأحداث، وما كان لها من وقع في قلوب التونسيين والسياسيين والنقابيين والنشطاء الذين خرجوا للاحتجاج والتعبير عن غضبهم ورفضهم، ليكون نفس التاريخ الموعد الفصل الذي انتهت معه حقبة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ولينطلق بعد ذلك مسار جديد بفاعلين جدد وقوى سياسية مختلفة..

وهنا وبعد أن بهت تاريخ 14 جانفي وسط روزنامة عطل التونسيين، وتحول إلى يوم عادي بدوام عمل كامل، يقول مصطفى التليلي أستاذ التعليم العالي في التاريخ الحديث بجامعة تونس، أن مقولة أن التاريخ يكتب من قبل المنتصرين، فيها جزء من الصواب لكن هي أيضا تحمل جزءا كبيرا من قصر النظر، فبقدر ما يكتب التاريخ الأقوياء والمنتصرون، هناك مكر للتاريخ يتيح ويسمح لمن كتب التاريخ على حسابهم، قلب الطاولة وإعادة كتابته من جديد بمنظور آخر. واستشهد في هذا الإطار أستاذ التاريخ الحديث، بالسكان الأصليين للولايات المتحدة الأمريكية الذين ولفترة طويلة جدا تم تصويرهم من قبل الغزاة الأوروبيين، كمجتمعات متوحشة وغير متحضرة، اليوم وبعد أن ارتفعت أصوات حتى من أبناء المجتمعات الأوروبية، وجدت المجال للقول أن ما وقع كان جريمة في حق الإنسانية وأن السكان الأصليين قد تعرضوا للإبادة.

ويخلص مصطفى التليلي إلى أن مقولة أن التاريخ يكتب من قبل الأقوياء هي مقولة مؤقتة قابلة للنقض، فالتاريخ يعيد تصحيح نفسه في كل مرة ويسمح باستمرار لقراءات أخرى. ويشير في ذات السياق إلى أن دراسات ومدارس للتاريخ جاءت لتقديم نقد للقراءات الاستعمارية وإعطاء الكلمة لمن كانوا محتلين تأخذ بعين الاعتبار من كتب على حسابهم التاريخ.

وفي علاقة بتغيير عطلة عيد الثورة من 14 جانفي إلى 17 ديسمبر، أفاد التليلي أن تحديد العطل والأعياد ارتبط أساسا بقرار سياسي. موضحا انه من الضروري الإشارة في تناولنا للتاريخين، إلى أن هناك مشكل مصطلحات في استعمال كلمة "الثورة" وهي نقطة تستوجب التدقيق، كما انه لا يجب استسهال استعمالها وتحويلها إلى أمر بديهي. والأجدر حسب رأيه أن تعرف هذه المرحلة قراءات للمختصين من مؤرخين وعلماء اجتماع ومختصين في العلوم السياسية للبحث والتمحيص والقراءة، هل أن ما وقع بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 كان ثورة أو هو مسار وانتفاضة عرفت هنات وانتكاسات..؟

وفي قراءة مجردة للموعدين، أفاد مصطفى التليلي أن 17 ديسمبر 2010 يمثل تاريخ انتحار أحد الباعة المتجولين حرقا في ولاية سيدي بوزيد وما رافق الحدث من حالة احتقان وغضب للمواطنين، وكان يمكن أن تنسى الحادثة على غرار أحداث مماثلة سجلت قبلها بنحو السنة في ولاية المنستير، ولكن ونظرا لأنها جاءت في ظرفية سياسية واجتماعية واقتصادية ذات خصوصية جعلتها تأخذ أبعادا، ومكنتها من تكون بوابة لانطلاقة جملة من التحركات الاجتماعية المتتالية والتي شملت اغلب ولايات الجمهورية.

وذكر انه لولا التحركات التي خاضتها مجموعة من النقابيين والقوى السياسية والحقوقيين ومطالبتهم بفتح تحقيق وما عرفته مناطق كالرقاب والوردانين ودقاش وخاصة تالة والقصرين وما سجلته من ضحايا وتصعيد للقمع البوليسي ما كان لذلك المسار أن يأخذ المنحى الذي أخذه، أين تحول الحراك إلى حراك وطني انطلق بإضرابات جهوية في سيدي بوزيد والقصرين وقفصة وصفاقس ليصل إلى إضراب عام وطني يوم 14 جانفي بما حمله من مد جماهيري ومشاركة واسعة لمختلف قطاعات ومكونات المجتمع التونسي السياسية والثقافية والاجتماعية اخذ معها الصبغة الوطنية وكان موعدا للتحول في المسار وهو رحيل بن علي وانهيار السلطة ودخول تونس إلى مسار جديد..

وطبقا لما سبق، يشير أستاذ التاريخ الحديث مصطفى التليلي، إلى أن التحول الذي وقع بين 17 ديسمبر/ 14 جانفي يجب قراءته في تواصله وتراكماته وتعرجاته، وهو ما لا يمكن معه أن نعتبر 14 جانفي تاريخا عابرا أو عاديا أو هو مؤامرة على 17 ديسمبر كما يقول رئيس الجمهورية قيس سعيد. ويضيف، مسار ما بعد 14 جانفي للأسف شهد انتكاسات وارتدادات وتدخلات خارجية وتوظيف للأحداث بطريقة سلبية أجهضت نوعا ما أحلام التونسيين وتسببت في تأخير البلاد وتلويث الحياة السياسية، لكن هذا لا يمنع أننا في حاجة إلى العودة للأحلام الأولى بنفس جديد واستكمال المشروع الوطني التونسي ببناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها وحرياتهم وتضمن لهم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وكشف التليلي، وهذا النفس الجديد، لا يملك القدرة على تغيير أو طمس تواريخ وأحداث عاشها التونسيون، واعتقد انه لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تكتب التاريخ مهما كانت مشروعيتها، فمن الضروري أن تستأنس بقراءات المؤرخين والمختصين. ورأى أن التغيير المسجل مسالة وقت لن يطول كثيرا وسرعان ما سيتم إعادة النظر فيه طال الزمان أو قصر. وما وقع بعد الثورة ومحاولة كتابة التاريخ على مقاس من كانوا في السلطة عبر تهميش مواعيد تاريخية كعيد الشهداء 9 افريل أو عيد الاستقلال 20 مارس أو شخصيات وطنية كالحبيب بورقيبة، لم تدم طويلا وسرعان ما سجلت عودة قوية لتلك المواعيد والرموز، وحتى من كانوا من خصومهم حاولوا في النهاية الاعتراف بهم.

وتجدر الإشارة في نفس الوقت إلى أن نحو الـ100 شخصية وطنية وسياسية وحقوقية قد أصدرت أمس بيانا نددت فيه بمحاولات طمس تاريخ 14 جانفي، بما يحمله من أهمية لدى فئة عريضة من التونسيين خاصة أنه ارتبط برحيل رمز نظام الحكم الاستبدادي الذي تواصل لأكثر من خمسين سنة، معبرة عن "رفضها للأمر الرئاسي الذي يسعى للقطع  مع التاريخ النضالي للشعب ومحو ذاكرته في معركته من اجل الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية"، ودعت في نفس الوقت "إلى النزول يوم 14 جانفي إلى التحركات الميدانية أمام البنك المركزي وكذلك في شارع الثورة دفاعا عن حريتنا وحقنا في تقرير مصيرنا نحو تونس ديمقراطية اجتماعية تعددية عادلة، وذلك مع أخذ الاحتياطات الصحية اللازمة والالتزام قدر الإمكان بالتباعد الاجتماعي، تفاديا للعدوى."

ريم سوودي