إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مازالت صورهم تملأ الشاشات وتتناقلها القنوات.. "رموز" 14 جانفي 2011 في الشارع الرمز.. أين هم؟



تونس – الصباح

تبقى ذكرى 14 جانفي محركا قويا للذاكرة الجماعية حول محطة هامة في تاريخ تونس المعاصر والقريب، صنعت ربيعا جديدا حافلا بأحداث ومستجدات سياسية واجتماعية، كان لها وقع كبير ليس على وضع تونس فحسب وإنما تتعداه لتشمل المنطقة العربية بالأساس نظرا لما عرفته هذه البلدان والشعوب من تغييرات وتطورات على مستويات عديدة. ولعل من بين ما تستحضره هذه المناسبة وبقطع النظر عن الأحداث الدامية ومشاهد العنف في المواجهات بين المواطنين المنتفضين من ناحية والأمن من ناحية أخرى هي تلك الصور والأسماء التي خلدت في الذاكرة الجماعية وتداولتها وسائل إعلام عالمية وظلت مرجعا في شبكات التواصل الاجتماعي ونحتت وجودها كأيقونات ثورة "الياسمين" 2011، بما تحمله من دلالات ومعان ورمزية.

فمشهد الفيديو للمحامي والناشط السياسي عبد الناصر العويني الذي تم تصويره مساء 14 جانفي 2011 لا تزال وقع كلماته وهو يردد عبارته الشهيرة "بن علي هرب" قائما للعام الحادي عشر على التوالي، نظرا لما حمله ذلك الخطاب وأحالت عليه تلك المشاهد من نقلة مفصلية في الوضع العام في تونس في تلك المرحلة التاريخية، في علاقة بحرية التعبير والدور الذي لعبه العويني بطريقة "عفوية" في تحفيز التونسيين للخروج والتحرر من هاجس الخوف والرهبة من آليات القمع وتكميم الأفواه التي كانت مسيطرة على المشهد العام في منظومة الرئيس المخلوع الراحل زين العابدين بن علي.

مشاهد أخرى تظل محفورة في الذاكرة حول نفس الذكرى تلك التي كانت تونس العاصمة وتحديدا شارع بورقيبة الرمز مسرحا لها هي التي تبين المناضلة راضية النصراوي أمام وزارة الداخلية تخاطب أحد رجال الأمن للمطالبة بإطلاق سراح زوجها حمة الهمامي بعد إيقافه في نفس الفترة، وهي اليوم تعاني من المرض مما استوجب اقامتها منذ فترة بالمستشفى العسكري.

 ولعل القاسم المشترك بين جل هذه الصور الرمز والمشاهد الثرية بالمعاني والدلالات هو أنه تم التقاطها بعفوية في المنعرج الحاسم من الثورة وسط العاصمة ولاقت كلها رواجا واسعا في وسائل إعلام دولية عربية كانت أو غيرها. ومن بينها أيضا صور الشاب وديع الجلاصي الذي كان محمولا على الأعناق وهو يرفع قفصا فيه حمامة بيضاء وعلم تونس بما تحيل إليه الصور من دلالة عن توق الشباب الثائر للتحرر من قيود القمع والفقر والبطالة. وغير بعيد عن نفس المكان تداولت وسائل إعلام عالمية صورة "العم جمال" أو ما أصبح يعرف بـ"كابتن خبزة" وهو يوجه "خبزة" إلى رجال الأمن في نفس الشارع الرمز. وهي صورة كانت حمالة رسائل عديدة أيضا لثورة الفقراء والمهمشين في تلك المرحلة مقابل ما تداوله البعض من استثراء فاحش لفئة معينة من المقربين من بن علي والفاعلين في المنظومة الحاكمة آنذاك. وتداولت بعض وسائل الإعلام أن هذا الأخير مر بظروف جد صعبة في السنوات الأخيرة أودت به للإقامة بإحدى دور المسنين.

فمناطق ونواح عديدة من الجمهورية التونسية تظل شاهدة على أحداث دموية كانت نتائجها سقوط بعض الشهداء من الشباب المنتفض حاملا شعارات "الكرامة الوطنية والحرية والتشغيل"، أو ممن تعرضوا لإصابات وجروح خلفت لبعضهم إعاقات وعاهات دائمة. الأمر الذي يجعل هذه الذكرى مناسبة أليمة لم يستطع لمكتو بنارها تجاوزها طالما أن الوضع ازداد سوءا بعد أن عمقت المنظومة البديلة التي حكمت البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة الجراح وضاعفت الآلام نظرا لنسفها لأحلام وانتظارات الجميع داخل تونس وخارجها بتحويل وجهة الثورة والمطالب الأساسية التي قامت عليها إلى استحقاقات أخرى تحت غطاء "السياسي والإيديولوجي" مما ساهم في تعميق الجراح وتردي الأوضاع وتراكم الأزمات على نحو أفقد هذه الذكرى معناها وحولها إلى مناسبة للاحتجاج والتحركات والانتفاضات والصدام مع آلة القمع الأمنية.

وهو تقريبا العامل الذي دفع أحمد الحفناوي صاحب مقولة "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية"، ليعبر عن تحسره وندمه على الوضع الذي أصبحت عليه البلاد في السنوات الأخيرة خاصة بعد ما لاقاه من صعوبات ومضايقات خلال السنوات الأخيرة أجبرته على التفريط في مقهى كان يملكه بعد تعرضه للحرق لأنه رفض التحزب والانخراط في أي توجه سياسي.

فمشاهد وصور عديدة أخرى تعكس في رمزيتها تاريخا حافلا بالأحداث بإجماع أغلب التونسيين على ضرورة دحر المنظومة القمعية والديكتاتورية التي كانت قائمة على غرار مشاهد وقوف أهل الثقافة والفنون أمام المسرح البلدي وما تعرضوا له من قمع بوليسي وأيضا المشاهد التي تبين خروج حوالي ألف محام من قصر العدالة وتوجههم إلى شارع بورقيبة وهم يرتدون الزي المهني. كما هو الشأن بالنسبة لأصحاب "البلوز" الأبيض من الأطباء والعاملين في قطاع الصحة بما يعكس تحركا قطاعيا موسعا كان الاتحاد العام التونسي للشغل دافعا لتحريكه وتوسيع قاعدة الاحتجاجات في كامل جهات الجمهورية.

فمثل هذه الصور والمشاهد لا تزال تطالع التونسيين إلى اليوم في إحالة تأكيد على أن زمن الثورة لا يزال قائما رغم تعاقب السنوات وتغير المنظومات والحكومات المتعاقبة على الدولة منذ 2011 إلى اليوم لأن أمل تحقيق المطالب والانتظارات التي ذهب ضحيتها عدد من شباب تونس لا يزال قائما عسى أن يشفي جانبا من غليل التونسيين ويحد من وطأة الألم والحسرة.

نزيهة الغضباني

مازالت صورهم تملأ الشاشات وتتناقلها القنوات.. "رموز" 14 جانفي 2011 في الشارع الرمز.. أين هم؟



تونس – الصباح

تبقى ذكرى 14 جانفي محركا قويا للذاكرة الجماعية حول محطة هامة في تاريخ تونس المعاصر والقريب، صنعت ربيعا جديدا حافلا بأحداث ومستجدات سياسية واجتماعية، كان لها وقع كبير ليس على وضع تونس فحسب وإنما تتعداه لتشمل المنطقة العربية بالأساس نظرا لما عرفته هذه البلدان والشعوب من تغييرات وتطورات على مستويات عديدة. ولعل من بين ما تستحضره هذه المناسبة وبقطع النظر عن الأحداث الدامية ومشاهد العنف في المواجهات بين المواطنين المنتفضين من ناحية والأمن من ناحية أخرى هي تلك الصور والأسماء التي خلدت في الذاكرة الجماعية وتداولتها وسائل إعلام عالمية وظلت مرجعا في شبكات التواصل الاجتماعي ونحتت وجودها كأيقونات ثورة "الياسمين" 2011، بما تحمله من دلالات ومعان ورمزية.

فمشهد الفيديو للمحامي والناشط السياسي عبد الناصر العويني الذي تم تصويره مساء 14 جانفي 2011 لا تزال وقع كلماته وهو يردد عبارته الشهيرة "بن علي هرب" قائما للعام الحادي عشر على التوالي، نظرا لما حمله ذلك الخطاب وأحالت عليه تلك المشاهد من نقلة مفصلية في الوضع العام في تونس في تلك المرحلة التاريخية، في علاقة بحرية التعبير والدور الذي لعبه العويني بطريقة "عفوية" في تحفيز التونسيين للخروج والتحرر من هاجس الخوف والرهبة من آليات القمع وتكميم الأفواه التي كانت مسيطرة على المشهد العام في منظومة الرئيس المخلوع الراحل زين العابدين بن علي.

مشاهد أخرى تظل محفورة في الذاكرة حول نفس الذكرى تلك التي كانت تونس العاصمة وتحديدا شارع بورقيبة الرمز مسرحا لها هي التي تبين المناضلة راضية النصراوي أمام وزارة الداخلية تخاطب أحد رجال الأمن للمطالبة بإطلاق سراح زوجها حمة الهمامي بعد إيقافه في نفس الفترة، وهي اليوم تعاني من المرض مما استوجب اقامتها منذ فترة بالمستشفى العسكري.

 ولعل القاسم المشترك بين جل هذه الصور الرمز والمشاهد الثرية بالمعاني والدلالات هو أنه تم التقاطها بعفوية في المنعرج الحاسم من الثورة وسط العاصمة ولاقت كلها رواجا واسعا في وسائل إعلام دولية عربية كانت أو غيرها. ومن بينها أيضا صور الشاب وديع الجلاصي الذي كان محمولا على الأعناق وهو يرفع قفصا فيه حمامة بيضاء وعلم تونس بما تحيل إليه الصور من دلالة عن توق الشباب الثائر للتحرر من قيود القمع والفقر والبطالة. وغير بعيد عن نفس المكان تداولت وسائل إعلام عالمية صورة "العم جمال" أو ما أصبح يعرف بـ"كابتن خبزة" وهو يوجه "خبزة" إلى رجال الأمن في نفس الشارع الرمز. وهي صورة كانت حمالة رسائل عديدة أيضا لثورة الفقراء والمهمشين في تلك المرحلة مقابل ما تداوله البعض من استثراء فاحش لفئة معينة من المقربين من بن علي والفاعلين في المنظومة الحاكمة آنذاك. وتداولت بعض وسائل الإعلام أن هذا الأخير مر بظروف جد صعبة في السنوات الأخيرة أودت به للإقامة بإحدى دور المسنين.

فمناطق ونواح عديدة من الجمهورية التونسية تظل شاهدة على أحداث دموية كانت نتائجها سقوط بعض الشهداء من الشباب المنتفض حاملا شعارات "الكرامة الوطنية والحرية والتشغيل"، أو ممن تعرضوا لإصابات وجروح خلفت لبعضهم إعاقات وعاهات دائمة. الأمر الذي يجعل هذه الذكرى مناسبة أليمة لم يستطع لمكتو بنارها تجاوزها طالما أن الوضع ازداد سوءا بعد أن عمقت المنظومة البديلة التي حكمت البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة الجراح وضاعفت الآلام نظرا لنسفها لأحلام وانتظارات الجميع داخل تونس وخارجها بتحويل وجهة الثورة والمطالب الأساسية التي قامت عليها إلى استحقاقات أخرى تحت غطاء "السياسي والإيديولوجي" مما ساهم في تعميق الجراح وتردي الأوضاع وتراكم الأزمات على نحو أفقد هذه الذكرى معناها وحولها إلى مناسبة للاحتجاج والتحركات والانتفاضات والصدام مع آلة القمع الأمنية.

وهو تقريبا العامل الذي دفع أحمد الحفناوي صاحب مقولة "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية"، ليعبر عن تحسره وندمه على الوضع الذي أصبحت عليه البلاد في السنوات الأخيرة خاصة بعد ما لاقاه من صعوبات ومضايقات خلال السنوات الأخيرة أجبرته على التفريط في مقهى كان يملكه بعد تعرضه للحرق لأنه رفض التحزب والانخراط في أي توجه سياسي.

فمشاهد وصور عديدة أخرى تعكس في رمزيتها تاريخا حافلا بالأحداث بإجماع أغلب التونسيين على ضرورة دحر المنظومة القمعية والديكتاتورية التي كانت قائمة على غرار مشاهد وقوف أهل الثقافة والفنون أمام المسرح البلدي وما تعرضوا له من قمع بوليسي وأيضا المشاهد التي تبين خروج حوالي ألف محام من قصر العدالة وتوجههم إلى شارع بورقيبة وهم يرتدون الزي المهني. كما هو الشأن بالنسبة لأصحاب "البلوز" الأبيض من الأطباء والعاملين في قطاع الصحة بما يعكس تحركا قطاعيا موسعا كان الاتحاد العام التونسي للشغل دافعا لتحريكه وتوسيع قاعدة الاحتجاجات في كامل جهات الجمهورية.

فمثل هذه الصور والمشاهد لا تزال تطالع التونسيين إلى اليوم في إحالة تأكيد على أن زمن الثورة لا يزال قائما رغم تعاقب السنوات وتغير المنظومات والحكومات المتعاقبة على الدولة منذ 2011 إلى اليوم لأن أمل تحقيق المطالب والانتظارات التي ذهب ضحيتها عدد من شباب تونس لا يزال قائما عسى أن يشفي جانبا من غليل التونسيين ويحد من وطأة الألم والحسرة.

نزيهة الغضباني