عاد اسم عبد الرحمن ابن خلدون إلى واجهة النقاش، وأصبح ترندا هذه الأيام على خلفية ترشيح "مقدمة ابن خلدون" ضمن ملف مشترك بين تونس والجزائر ومصر وتركيا لإدراجها في سجل ذاكرة العالم التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"..
وقد أعاد هذا الترشيح إلى الواجهة إشكالية الانتماء وأحقية الاحتفاء بإرث أحد أبرز المفكرين الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية، وفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى العلاقة بين التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية.
فبين تونسيين يتمسّكون بحقّ المولد والنشأة، وجزائريين يستحضرون الأرض التي شهدت جانبا مهما من تجربته الفكرية واحتضنت كتابة "المقدمة"، ومصريين يذكّرون بسنواته الأخيرة وما تقلّده من مناصب علمية وقضائية، فضلا عن حضور تركيا في الملف المشترك، يتجدّد السؤال: لمن ينتمي عبد الرحمن ابن خلدون؟ وأيّ بلد يحقّ له أن يقدّمه بوصفه جزءا من رصيده الحضاري؟
لعلّ العودة إلى المسار التاريخي للرجل تمثّل المدخل الأهم لفهم هذا الجدل بعيدا عن الأحكام المتسرّعة. فقد وُلد ابن خلدون في تونس سنة 1332، ونشأ في كنف أسرة عريقة، وتلقّى تعليمه في بيئة علمية ارتبطت بجامع الزيتونة وعلماء عصره، قبل أن يخوض تجربة سياسية وإدارية مع الدولة الحفصية. وكانت تونس بذلك نقطة البداية في مسيرته، والمكان الذي تشكّلت فيه ملامح شخصيته العلمية والفكرية الأولى.
غير أنّ حياة ابن خلدون لم تتوقف عند حدود مسقط رأسه، فقد قادته تحوّلات عصره وصراعاته السياسية إلى التنقّل بين مدن وبلدان عديدة، من بينها فاس وغرناطة وبجاية وتلمسان، قبل أن يقيم في قلعة بني سلامة بالجزائر، حيث تفرّغ للتأليف ووضع الأسس الأولى لمشروعه الفكري والتاريخي الذي ستصبح "المقدمة" أشهر أجزائه. ثم عاد إلى تونس لاستكمال عمله وتنقيحه، قبل أن يغادرها نحو مصر حيث قضّى سنوات طويلة من حياته وتولّى التدريس في الأزهر ومشيخة المالكية، وعاش محطات مهمة من تجربته العلمية والقضائية.
وهكذا، لا يمكن فهم تجربة ابن خلدون من خلال محطة واحدة أو مكان منفرد؛ فتونس تحتل موقعا مركزيا في قصة مولده ونشأته، والجزائر حاضرة في مرحلة أساسية من مراحل إنتاجه الفكري، ومصر شاهدة على جانب مهم من حياته العلمية والمهنية، فيما يندرج حضور تركيا ضمن مسار التعاون الثقافي المرتبط بترشيح مؤلّفه. وهي محطات تتفاوت طبيعتها وأهميتها التاريخية، لكنها تكشف جميعها عن حياة رجل تجاوزت تجربته حدود المكان الواحد.
لكن، ما الذي يجعل "مقدمة ابن خلدون" تستحق كل هذا الاهتمام، إلى حدّ أن تتقاطع حولها جهود أربع دول؟
لا تكمن أهمية ابن خلدون في كونه شخصية تاريخية تتنازع البلدان أحقية الانتساب إليها فحسب، بل في كونه مفكرا أحدث تحوّلا عميقا في فهم التاريخ والمجتمع. ففي كتابه الشهير، لم يكتف بسرد أخبار الملوك والدول والحروب، بل سعى إلى تفسير أسباب قيام الدول وسقوطها، وتحليل طبيعة العمران البشري، والعصبية، والاقتصاد، والتعليم، والعلاقة بين السلطة والمجتمع.
لقد تجاوز ابن خلدون بذلك منهج جمع الأخبار وروايتها إلى محاولة فهم القوانين والعوامل التي تتحكّم في حركة المجتمعات وتحولاتها. ومن هنا، اكتسبت أفكاره مكانة بارزة في تاريخ الفكر الإنساني، وأصبحت أعماله موضوعا للبحث والدراسة خارج الفضاء العربي والإسلامي لما تتضمنه من أسئلة لا تزال متصلة بواقع المجتمعات الحديثة.
إن قيمة "المقدمة" لا تنبع من ارتباطها بمكان تأليفها وحده بل من قدرتها على تجاوز زمنها، ومن الأسئلة التي طرحتها بشأن السلطة والمجتمع والاقتصاد والعمران، وهي أسئلة ما زالت تحتفظ براهنيتها رغم مرور قرون على كتابتها. كما أن ترشيحها لإدراجها في سجل ذاكرة العالم التابع لليونسكو يسلّط الضوء على أهمية صون هذا المؤلّف والتعريف به باعتباره جزءًا من الذاكرة الفكرية الإنسانية.
وفي خضم هذا الجدل، قد يكون من المفهوم أن يتمسّك التونسيون بابن خلدون باعتباره أحد أبرز أعلامهم التاريخيين..وأن يستحضر الجزائريون دور أرضهم في احتضان مرحلة حاسمة من حياته الفكرية، وأن تعتزّ مصر بما شهدته من محطات علمية وقضائية في مسيرته. غير أنّ الاعتزاز الوطني لا يستوجب بالضرورة تحويل التاريخ إلى سباق لإثبات الملكية ولا يجعل من إرث المفكر الكبير مجالا للإقصاء أو المفاضلة المطلقة بين البلدان..
وليد عبد اللاوي
عاد اسم عبد الرحمن ابن خلدون إلى واجهة النقاش، وأصبح ترندا هذه الأيام على خلفية ترشيح "مقدمة ابن خلدون" ضمن ملف مشترك بين تونس والجزائر ومصر وتركيا لإدراجها في سجل ذاكرة العالم التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"..
وقد أعاد هذا الترشيح إلى الواجهة إشكالية الانتماء وأحقية الاحتفاء بإرث أحد أبرز المفكرين الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية، وفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى العلاقة بين التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية.
فبين تونسيين يتمسّكون بحقّ المولد والنشأة، وجزائريين يستحضرون الأرض التي شهدت جانبا مهما من تجربته الفكرية واحتضنت كتابة "المقدمة"، ومصريين يذكّرون بسنواته الأخيرة وما تقلّده من مناصب علمية وقضائية، فضلا عن حضور تركيا في الملف المشترك، يتجدّد السؤال: لمن ينتمي عبد الرحمن ابن خلدون؟ وأيّ بلد يحقّ له أن يقدّمه بوصفه جزءا من رصيده الحضاري؟
لعلّ العودة إلى المسار التاريخي للرجل تمثّل المدخل الأهم لفهم هذا الجدل بعيدا عن الأحكام المتسرّعة. فقد وُلد ابن خلدون في تونس سنة 1332، ونشأ في كنف أسرة عريقة، وتلقّى تعليمه في بيئة علمية ارتبطت بجامع الزيتونة وعلماء عصره، قبل أن يخوض تجربة سياسية وإدارية مع الدولة الحفصية. وكانت تونس بذلك نقطة البداية في مسيرته، والمكان الذي تشكّلت فيه ملامح شخصيته العلمية والفكرية الأولى.
غير أنّ حياة ابن خلدون لم تتوقف عند حدود مسقط رأسه، فقد قادته تحوّلات عصره وصراعاته السياسية إلى التنقّل بين مدن وبلدان عديدة، من بينها فاس وغرناطة وبجاية وتلمسان، قبل أن يقيم في قلعة بني سلامة بالجزائر، حيث تفرّغ للتأليف ووضع الأسس الأولى لمشروعه الفكري والتاريخي الذي ستصبح "المقدمة" أشهر أجزائه. ثم عاد إلى تونس لاستكمال عمله وتنقيحه، قبل أن يغادرها نحو مصر حيث قضّى سنوات طويلة من حياته وتولّى التدريس في الأزهر ومشيخة المالكية، وعاش محطات مهمة من تجربته العلمية والقضائية.
وهكذا، لا يمكن فهم تجربة ابن خلدون من خلال محطة واحدة أو مكان منفرد؛ فتونس تحتل موقعا مركزيا في قصة مولده ونشأته، والجزائر حاضرة في مرحلة أساسية من مراحل إنتاجه الفكري، ومصر شاهدة على جانب مهم من حياته العلمية والمهنية، فيما يندرج حضور تركيا ضمن مسار التعاون الثقافي المرتبط بترشيح مؤلّفه. وهي محطات تتفاوت طبيعتها وأهميتها التاريخية، لكنها تكشف جميعها عن حياة رجل تجاوزت تجربته حدود المكان الواحد.
لكن، ما الذي يجعل "مقدمة ابن خلدون" تستحق كل هذا الاهتمام، إلى حدّ أن تتقاطع حولها جهود أربع دول؟
لا تكمن أهمية ابن خلدون في كونه شخصية تاريخية تتنازع البلدان أحقية الانتساب إليها فحسب، بل في كونه مفكرا أحدث تحوّلا عميقا في فهم التاريخ والمجتمع. ففي كتابه الشهير، لم يكتف بسرد أخبار الملوك والدول والحروب، بل سعى إلى تفسير أسباب قيام الدول وسقوطها، وتحليل طبيعة العمران البشري، والعصبية، والاقتصاد، والتعليم، والعلاقة بين السلطة والمجتمع.
لقد تجاوز ابن خلدون بذلك منهج جمع الأخبار وروايتها إلى محاولة فهم القوانين والعوامل التي تتحكّم في حركة المجتمعات وتحولاتها. ومن هنا، اكتسبت أفكاره مكانة بارزة في تاريخ الفكر الإنساني، وأصبحت أعماله موضوعا للبحث والدراسة خارج الفضاء العربي والإسلامي لما تتضمنه من أسئلة لا تزال متصلة بواقع المجتمعات الحديثة.
إن قيمة "المقدمة" لا تنبع من ارتباطها بمكان تأليفها وحده بل من قدرتها على تجاوز زمنها، ومن الأسئلة التي طرحتها بشأن السلطة والمجتمع والاقتصاد والعمران، وهي أسئلة ما زالت تحتفظ براهنيتها رغم مرور قرون على كتابتها. كما أن ترشيحها لإدراجها في سجل ذاكرة العالم التابع لليونسكو يسلّط الضوء على أهمية صون هذا المؤلّف والتعريف به باعتباره جزءًا من الذاكرة الفكرية الإنسانية.
وفي خضم هذا الجدل، قد يكون من المفهوم أن يتمسّك التونسيون بابن خلدون باعتباره أحد أبرز أعلامهم التاريخيين..وأن يستحضر الجزائريون دور أرضهم في احتضان مرحلة حاسمة من حياته الفكرية، وأن تعتزّ مصر بما شهدته من محطات علمية وقضائية في مسيرته. غير أنّ الاعتزاز الوطني لا يستوجب بالضرورة تحويل التاريخ إلى سباق لإثبات الملكية ولا يجعل من إرث المفكر الكبير مجالا للإقصاء أو المفاضلة المطلقة بين البلدان..