إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مُمثلو منظمة "رواد الأعمال" خلال جلسة استماع بالبرلمان: إصلاح مجلة الصرف ينبغي أن يُبنى على فلسفة اقتصادية جديدة

عقدت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب جلسة عمل، يوم أمس الاثنين 11 ماي 2026، بحضور ماهر الكتاري رئيس اللجنة وظافر الصغيري نائب الرئيس وزينة جيب الله المقررة وكل من النواب آمال المؤدب ومسعود قريرة وعلي زغدود ومحمد بن حسين، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة. 
وقد خصصت هذه الجلسة للاستماع إلى ممثلي المنظمة الوطنية لرواد الأعمال، وذلك في سياق نقاش وطني متنامي حول ضرورة مراجعة المنظومة التشريعية والرقابية المنظمة للصرف، بما يستجيب للتحولات البنيوية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وخاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المالية، وحركية رؤوس الأموال، وتطور أنماط المبادلات التجارية والخدماتية العابرة للحدود.
وفي مستهل الجلسة، أكد  ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال أن إصلاح مجلة الصرف لم يعد مجرد تعديل قانوني ظرفي أو مراجعة تقنية لبعض الإجراءات الإدارية، بل أصبح يمثل خيارا استراتيجيا يرتبط مباشرة بإعادة تموقع الاقتصاد التونسي داخل المنظومة الاقتصادية العالمية ، وبمدى قدرة الدولة التونسية على الانتقال من نموذج اقتصادي قائم أساسا على الرقابة المسبقة والتقييد الإداري إلى نموذج اقتصادي أكثر انفتاحا ومرونة وتنافسية، يقوم على تحفيز المبادرة الخاصة، واستقطاب الاستثمار، وتعزيز الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأوضح المتدخلون أن المنظومة الحالية للصرف تستند في جزء كبير منها إلى فلسفة تشريعية تعود إلى مراحل اقتصادية سابقة اتسمت بهيمنة المقاربة الحمائية والرقابة الصارمة على حركة الأموال والعملات الأجنبية، وهي مقاربة أصبحت، وفق تقديرهم، محدودة النجاعة في ظل التحولات العميقة التي عرفتها المنظومات الاقتصادية والمالية الدولية، خاصة مع تصاعد دور الاقتصاد اللامادي، وتنامي أهمية الخدمات الرقمية، وظهور أنماط جديدة من المعاملات العابرة للحدود التي تعتمد على السرعة والمرونة والتكامل المالي والتكنولوجي.
وفي هذا الإطار، بيّن ممثلو المنظمة أن المؤسسات الناشئة ورواد الأعمال في تونس يواجهون صعوبات هيكلية مرتبطة بتعقيد الإجراءات الإدارية الخاصة بفتح الحسابات بالعملة الأجنبية، والحصول على التراخيص المتعلقة بالتحويلات المالية، والنفاذ إلى الخدمات البنكية الدولية، وهو ما ينعكس سلبا على قدرة هذه المؤسسات على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية أو تطوير خدمات موجهة للأسواق الخارجية.
كما اعتبروا أن الاقتصاد الرقمي بطبيعته يعتمد على التدفقات المالية السريعة والمتواصلة وعلى التفاعل المباشر مع المنصات الدولية ومزودي الخدمات الرقمية، الأمر الذي يجعل من المنظومة الحالية عائقا موضوعيا أمام تطور قطاعات ذات قيمة مضافة عالية وقادرة على خلق الثروة وفرص التشغيل.
وأشار ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال الى أن أحد الإشكالات الجوهرية التي تواجه المنظومة الاقتصادية الوطنية يتمثل في محدودية البنية التشريعية والتنظيمية المؤطرة لوسائل الدفع الإلكتروني والمعاملات الرقمية الدولية، وهو ما يحد من قدرة المؤسسات التونسية على التموقع داخل الاقتصاد الرقمي العالمي كما دعوا إلى ضرورة تطوير إطار قانوني حديث يسمح بتوسيع النفاذ إلى أدوات الدفع الدولية، وتبسيط استخدام المحافظ الرقمية والمنصات المالية الإلكترونية، مع إرساء منظومة رقابية ذكية تعتمد على التتبع الرقمي والتحليل المالي الآني بدل الاقتصار على المقاربة الإجرائية التقليدية.
كما اعتبر ممثلو المنظمة أن إصلاح مجلة الصرف ينبغي أن يُبنى على فلسفة اقتصادية جديدة تقوم على التوازن بين متطلبات السيادة النقدية للدولة من جهة، وحاجيات الاستثمار والانفتاح الاقتصادي من جهة أخرى. وأكدوا أن الاقتصادات الحديثة تقاس بمدى قدرتها على خلق بيئة مؤسساتية مرنة ومحفزة على الابتكار والاستثمار والإنتاج المعرفي والتكنولوجي الى جانب قدرتها على التحكم في التدفقات المالية.
و بخصوص منظومة العقوبات الخاصة بمخالفات الصرف، أوضح المتدخلون أن الطابع الزجري الصارم الذي يميز بعض الأحكام الحالية يخلق مناخا من الحذر المفرط لدى المستثمرين ورواد الأعمال، ويؤدي في أحيان عديدة إلى عزوف عدد من الفاعلين الاقتصاديين عن التوسع في الأنشطة الدولية أو التعامل مع الأسواق الخارجية. واعتبروا أن المقاربة العقابية التقليدية، القائمة أساسا على الردع، لم تعد كافية لتحقيق الامتثال القانوني في الاقتصاد الحديث، داعين إلى اعتماد مقاربة بديلة تقوم على التدرج في العقوبات، وإرساء آليات للتسوية والامتثال الطوعي، وربط العقوبة بحجم الضرر الاقتصادي وطبيعة المخالفة ومدى وجود نية التحيل أو التهرب.
كما شدد ممثلو المنظمة على أن مراجعة مجلة الصرف يمكن أن تمثل مدخلا فعليا لمعالجة عدد من الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، وعلى رأسها توسع الاقتصاد الموازي، وضعف تدفق العملة الأجنبية، ودعوا لمزبد تعزيز موقع تونس ضمن الاقتصاد الرقمي الإقليمي والدولي.
كما حث المتدخلون على اعتماد إطار قانوني أكثر مرونة وشفافية من شأنه أن يشجع الفاعلين الاقتصاديين على الاندماج داخل الدورة الاقتصادية الرسمية، وأن يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في مناخ الأعمال التونسي.
كما استأثرت مسألة تحديد مفهوم “المقيم” و”غير المقيم” بحيز هام من النقاش، حيث أكد المتدخلون أن تعدد التعاريف القانونية واختلافها بين مختلف النصوص المنظمة لمجال الصرف والاستثمار والتشريع الجبائي والتجاري يمثل أحد أبرز الإشكالات العملية التي تعيق وضوح المعاملات الاقتصادية والمالية وتؤثر على الأمن القانوني للمستثمرين والمؤسسات. وتمت الإشارة في هذا السياق إلى أن غياب تعريف موحد ودقيق لهذه المفاهيم يخلق حالة من التداخل والتأويل القانوني، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الناشئة والمستثمرين الأجانب والتونسيين المقيمين بالخارج، بما ينعكس سلبا على سهولة النفاذ إلى الخدمات المالية والاستثمارية وعلى انسيابية المعاملات العابرة للحدود.
وأكد المتدخلون ضرورة اعتماد مقاربة تشريعية موحدة تقوم على توحيد مفهوم المقيم وغير المقيم داخل مختلف المنظومات القانونية ذات الصلة، سواء في إطار مجلة الصرف أو التشريعات المرتبطة بالاستثمار أو النصوص المنظمة للمعاملات المالية والتجارية، بما يضمن وضوح المركز القانوني والمالي للأشخاص الطبيعيين والمعنويين، ويساهم في تبسيط الإجراءات وتعزيز استقرار المعاملات الاقتصادية وتفادي تضارب التأويلات القانونية والإدارية.
كما قدم ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال جملة من التصورات والمقترحات المتعلقة بعدد من المحاور المتصلة بمجال تدخل البنك المركزي وآليات الحوكمة النقدية والتنظيمية المرتبطة بمنظومة الصرف، إلى جانب بعض المقترحات الفنية ذات العلاقة بالإجراءات التطبيقية وآليات الرقابة والتأطير المالي.
وتمت الإشارة إلى أن هذه التصورات والمقترحات ستتولى اللجنة التعمق فيها ومناقشتها ضمن المحاور ذات الصلة عند النظر في الأحكام المتعلقة بمجالات اختصاص البنك المركزي وبقية الهياكل والمؤسسات المتدخلة في المنظومة النقدية والمالية.
وخلال النقاش، أكد عدد من النواب أن مشروع مجلة الصرف الجديدة يندرج ضمن مسار إصلاحي أشمل يهدف إلى تحديث المنظومة الاقتصادية والتشريعية للدولة، بما يسمح بتحقيق توازن دقيق بين مقتضيات الرقابة المالية ومتطلبات التحرير الاقتصادي التدريجي. كما أشاروا إلى أن نجاح هذا الإصلاح يقتضي توحيد المرجعيات القانونية ذات العلاقة بالصرف والاستثمار والمعاملات المالية، وتجاوز حالة التشتت التشريعي التي تؤثر سلبا على وضوح القواعد القانونية وعلى الأمن القانوني للمستثمرين.
وفي السياق ذاته، اعتبر عدد من النواب أن الانتقال من الرقابة القبلية إلى الرقابة البعدية يمثل تحولا نوعيا في فلسفة إدارة الشأن الاقتصادي، لأنه يكرّس منطق الثقة في الفاعل الاقتصادي ويمنح المؤسسات قدرا أكبر من المرونة والسرعة في اتخاذ القرار، مع المحافظة في الآن ذاته على دور الدولة الرقابي من خلال آليات التتبع والتقييم والمراقبة اللاحقة. كما شددوا على أن الرقابة البعدية تمثل أحد المبادئ المعتمدة في الاقتصادات الحديثة التي تسعى إلى التوفيق بين الحرية الاقتصادية ومتطلبات الحوكمة والشفافية.
وتناول النقاش كذلك مسألة دعم المؤسسات الناشئة، حيث تساءل النواب عن مدى قدرة مجلة صرف عصرية على توفير بيئة قانونية ملائمة لهذا الصنف من المؤسسات، خاصة في ما يتعلق بالنفاذ إلى التمويل الدولي، وإبرام العقود والخدمات عبر الحدود، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، والتعامل مع المنصات الرقمية العالمية. وأكدوا أن الاقتصاد التونسي بحاجة إلى إطار تشريعي جديد قادر على استيعاب التحولات المرتبطة بالاقتصاد المعرفي والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال.
ومن جهة أخرى، شدد المتدخلون على أن إصلاح مجلة الصرف لا يمكن أن يكون إصلاحا تقنيا معزولا، بل يجب أن يندرج ضمن رؤية اقتصادية وطنية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتطور موازين القوى الاقتصادية الدولية، وصعود الاقتصادات الإفريقية والآسيوية، وتنامي دور التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية.
وفي هذا الإطار، دعا ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال إلى التنصيص صراحة ضمن مجلة الصرف الجديدة على أحكام خاصة بالمؤسسات الناشئة والاقتصاد الرقمي، بما يضمن الاعتراف القانوني بخصوصية هذا القطاع وباحتياجاته التشغيلية والمالية. كما اقترحوا إدراج باب مستقل يتعلق بالتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الاقتصادية، باعتبار أن التشريع الاقتصادي الحديث لم يعد يقتصر على تنظيم المبادلات التقليدية، بل أصبح مطالبا بتأطير الاقتصاد الرقمي والفضاءات الافتراضية والأنشطة القائمة على البيانات والخوارزميات.
وفي السياق ذاته، تم التأكيد على أهمية استحداث إطار قانوني خاص بالجرائم الصرفية الرقمية، يتضمن تعريفا دقيقا للمخالفات المرتبطة بالتحويلات الإلكترونية والمعاملات الرقمية والفضاءات المالية الافتراضية، مع تطوير آليات قانونية وتقنية قادرة على حماية الاقتصاد الوطني من مخاطر الجرائم المالية السيبرانية، دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل الابتكار أو الحد من تطور التكنولوجيا المالية.
كما أبرز ممثلو المنظمة أهمية البعد الإفريقي في الإصلاح المرتقب لمجلة الصرف، معتبرين أن انفتاح تونس على الأسواق الإفريقية يمثل خيارا استراتيجيا في ظل التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية. ودعوا إلى تطوير آليات الدفع والتسوية المالية الإقليمية، وتسهيل المبادلات الاقتصادية مع الدول الإفريقية، بما يدعم تموقع تونس داخل الفضاء الاقتصادي الإفريقي، ويمنح المؤسسات التونسية فرصا أوسع للتوسع والاستثمار والشراكة داخل القارة.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن إصلاح مجلة الصرف يمثل أحد أبرز التحديات التشريعية والاقتصادية المطروحة في المرحلة الحالية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمستقبل النمو الاقتصادي والاستثمار والتحول الرقمي والسيادة المالية للدولة. كما تم التشديد على أن نجاح هذا الإصلاح يظل رهينا بمدى القدرة على بناء مقاربة تشاركية تجمع بين الدولة والسلطة التشريعية والخبراء والفاعلين الاقتصاديين، بما يسمح بصياغة منظومة قانونية عصرية ومتوازنة تستجيب لمتطلبات الاقتصاد العالمي وتحافظ في الآن ذاته على التوازنات المالية والاقتصادية الوطنية.
مُمثلو منظمة "رواد الأعمال" خلال جلسة استماع بالبرلمان:  إصلاح مجلة الصرف ينبغي أن يُبنى على فلسفة اقتصادية جديدة
عقدت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب جلسة عمل، يوم أمس الاثنين 11 ماي 2026، بحضور ماهر الكتاري رئيس اللجنة وظافر الصغيري نائب الرئيس وزينة جيب الله المقررة وكل من النواب آمال المؤدب ومسعود قريرة وعلي زغدود ومحمد بن حسين، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة. 
وقد خصصت هذه الجلسة للاستماع إلى ممثلي المنظمة الوطنية لرواد الأعمال، وذلك في سياق نقاش وطني متنامي حول ضرورة مراجعة المنظومة التشريعية والرقابية المنظمة للصرف، بما يستجيب للتحولات البنيوية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وخاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المالية، وحركية رؤوس الأموال، وتطور أنماط المبادلات التجارية والخدماتية العابرة للحدود.
وفي مستهل الجلسة، أكد  ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال أن إصلاح مجلة الصرف لم يعد مجرد تعديل قانوني ظرفي أو مراجعة تقنية لبعض الإجراءات الإدارية، بل أصبح يمثل خيارا استراتيجيا يرتبط مباشرة بإعادة تموقع الاقتصاد التونسي داخل المنظومة الاقتصادية العالمية ، وبمدى قدرة الدولة التونسية على الانتقال من نموذج اقتصادي قائم أساسا على الرقابة المسبقة والتقييد الإداري إلى نموذج اقتصادي أكثر انفتاحا ومرونة وتنافسية، يقوم على تحفيز المبادرة الخاصة، واستقطاب الاستثمار، وتعزيز الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأوضح المتدخلون أن المنظومة الحالية للصرف تستند في جزء كبير منها إلى فلسفة تشريعية تعود إلى مراحل اقتصادية سابقة اتسمت بهيمنة المقاربة الحمائية والرقابة الصارمة على حركة الأموال والعملات الأجنبية، وهي مقاربة أصبحت، وفق تقديرهم، محدودة النجاعة في ظل التحولات العميقة التي عرفتها المنظومات الاقتصادية والمالية الدولية، خاصة مع تصاعد دور الاقتصاد اللامادي، وتنامي أهمية الخدمات الرقمية، وظهور أنماط جديدة من المعاملات العابرة للحدود التي تعتمد على السرعة والمرونة والتكامل المالي والتكنولوجي.
وفي هذا الإطار، بيّن ممثلو المنظمة أن المؤسسات الناشئة ورواد الأعمال في تونس يواجهون صعوبات هيكلية مرتبطة بتعقيد الإجراءات الإدارية الخاصة بفتح الحسابات بالعملة الأجنبية، والحصول على التراخيص المتعلقة بالتحويلات المالية، والنفاذ إلى الخدمات البنكية الدولية، وهو ما ينعكس سلبا على قدرة هذه المؤسسات على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية أو تطوير خدمات موجهة للأسواق الخارجية.
كما اعتبروا أن الاقتصاد الرقمي بطبيعته يعتمد على التدفقات المالية السريعة والمتواصلة وعلى التفاعل المباشر مع المنصات الدولية ومزودي الخدمات الرقمية، الأمر الذي يجعل من المنظومة الحالية عائقا موضوعيا أمام تطور قطاعات ذات قيمة مضافة عالية وقادرة على خلق الثروة وفرص التشغيل.
وأشار ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال الى أن أحد الإشكالات الجوهرية التي تواجه المنظومة الاقتصادية الوطنية يتمثل في محدودية البنية التشريعية والتنظيمية المؤطرة لوسائل الدفع الإلكتروني والمعاملات الرقمية الدولية، وهو ما يحد من قدرة المؤسسات التونسية على التموقع داخل الاقتصاد الرقمي العالمي كما دعوا إلى ضرورة تطوير إطار قانوني حديث يسمح بتوسيع النفاذ إلى أدوات الدفع الدولية، وتبسيط استخدام المحافظ الرقمية والمنصات المالية الإلكترونية، مع إرساء منظومة رقابية ذكية تعتمد على التتبع الرقمي والتحليل المالي الآني بدل الاقتصار على المقاربة الإجرائية التقليدية.
كما اعتبر ممثلو المنظمة أن إصلاح مجلة الصرف ينبغي أن يُبنى على فلسفة اقتصادية جديدة تقوم على التوازن بين متطلبات السيادة النقدية للدولة من جهة، وحاجيات الاستثمار والانفتاح الاقتصادي من جهة أخرى. وأكدوا أن الاقتصادات الحديثة تقاس بمدى قدرتها على خلق بيئة مؤسساتية مرنة ومحفزة على الابتكار والاستثمار والإنتاج المعرفي والتكنولوجي الى جانب قدرتها على التحكم في التدفقات المالية.
و بخصوص منظومة العقوبات الخاصة بمخالفات الصرف، أوضح المتدخلون أن الطابع الزجري الصارم الذي يميز بعض الأحكام الحالية يخلق مناخا من الحذر المفرط لدى المستثمرين ورواد الأعمال، ويؤدي في أحيان عديدة إلى عزوف عدد من الفاعلين الاقتصاديين عن التوسع في الأنشطة الدولية أو التعامل مع الأسواق الخارجية. واعتبروا أن المقاربة العقابية التقليدية، القائمة أساسا على الردع، لم تعد كافية لتحقيق الامتثال القانوني في الاقتصاد الحديث، داعين إلى اعتماد مقاربة بديلة تقوم على التدرج في العقوبات، وإرساء آليات للتسوية والامتثال الطوعي، وربط العقوبة بحجم الضرر الاقتصادي وطبيعة المخالفة ومدى وجود نية التحيل أو التهرب.
كما شدد ممثلو المنظمة على أن مراجعة مجلة الصرف يمكن أن تمثل مدخلا فعليا لمعالجة عدد من الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، وعلى رأسها توسع الاقتصاد الموازي، وضعف تدفق العملة الأجنبية، ودعوا لمزبد تعزيز موقع تونس ضمن الاقتصاد الرقمي الإقليمي والدولي.
كما حث المتدخلون على اعتماد إطار قانوني أكثر مرونة وشفافية من شأنه أن يشجع الفاعلين الاقتصاديين على الاندماج داخل الدورة الاقتصادية الرسمية، وأن يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في مناخ الأعمال التونسي.
كما استأثرت مسألة تحديد مفهوم “المقيم” و”غير المقيم” بحيز هام من النقاش، حيث أكد المتدخلون أن تعدد التعاريف القانونية واختلافها بين مختلف النصوص المنظمة لمجال الصرف والاستثمار والتشريع الجبائي والتجاري يمثل أحد أبرز الإشكالات العملية التي تعيق وضوح المعاملات الاقتصادية والمالية وتؤثر على الأمن القانوني للمستثمرين والمؤسسات. وتمت الإشارة في هذا السياق إلى أن غياب تعريف موحد ودقيق لهذه المفاهيم يخلق حالة من التداخل والتأويل القانوني، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الناشئة والمستثمرين الأجانب والتونسيين المقيمين بالخارج، بما ينعكس سلبا على سهولة النفاذ إلى الخدمات المالية والاستثمارية وعلى انسيابية المعاملات العابرة للحدود.
وأكد المتدخلون ضرورة اعتماد مقاربة تشريعية موحدة تقوم على توحيد مفهوم المقيم وغير المقيم داخل مختلف المنظومات القانونية ذات الصلة، سواء في إطار مجلة الصرف أو التشريعات المرتبطة بالاستثمار أو النصوص المنظمة للمعاملات المالية والتجارية، بما يضمن وضوح المركز القانوني والمالي للأشخاص الطبيعيين والمعنويين، ويساهم في تبسيط الإجراءات وتعزيز استقرار المعاملات الاقتصادية وتفادي تضارب التأويلات القانونية والإدارية.
كما قدم ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال جملة من التصورات والمقترحات المتعلقة بعدد من المحاور المتصلة بمجال تدخل البنك المركزي وآليات الحوكمة النقدية والتنظيمية المرتبطة بمنظومة الصرف، إلى جانب بعض المقترحات الفنية ذات العلاقة بالإجراءات التطبيقية وآليات الرقابة والتأطير المالي.
وتمت الإشارة إلى أن هذه التصورات والمقترحات ستتولى اللجنة التعمق فيها ومناقشتها ضمن المحاور ذات الصلة عند النظر في الأحكام المتعلقة بمجالات اختصاص البنك المركزي وبقية الهياكل والمؤسسات المتدخلة في المنظومة النقدية والمالية.
وخلال النقاش، أكد عدد من النواب أن مشروع مجلة الصرف الجديدة يندرج ضمن مسار إصلاحي أشمل يهدف إلى تحديث المنظومة الاقتصادية والتشريعية للدولة، بما يسمح بتحقيق توازن دقيق بين مقتضيات الرقابة المالية ومتطلبات التحرير الاقتصادي التدريجي. كما أشاروا إلى أن نجاح هذا الإصلاح يقتضي توحيد المرجعيات القانونية ذات العلاقة بالصرف والاستثمار والمعاملات المالية، وتجاوز حالة التشتت التشريعي التي تؤثر سلبا على وضوح القواعد القانونية وعلى الأمن القانوني للمستثمرين.
وفي السياق ذاته، اعتبر عدد من النواب أن الانتقال من الرقابة القبلية إلى الرقابة البعدية يمثل تحولا نوعيا في فلسفة إدارة الشأن الاقتصادي، لأنه يكرّس منطق الثقة في الفاعل الاقتصادي ويمنح المؤسسات قدرا أكبر من المرونة والسرعة في اتخاذ القرار، مع المحافظة في الآن ذاته على دور الدولة الرقابي من خلال آليات التتبع والتقييم والمراقبة اللاحقة. كما شددوا على أن الرقابة البعدية تمثل أحد المبادئ المعتمدة في الاقتصادات الحديثة التي تسعى إلى التوفيق بين الحرية الاقتصادية ومتطلبات الحوكمة والشفافية.
وتناول النقاش كذلك مسألة دعم المؤسسات الناشئة، حيث تساءل النواب عن مدى قدرة مجلة صرف عصرية على توفير بيئة قانونية ملائمة لهذا الصنف من المؤسسات، خاصة في ما يتعلق بالنفاذ إلى التمويل الدولي، وإبرام العقود والخدمات عبر الحدود، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، والتعامل مع المنصات الرقمية العالمية. وأكدوا أن الاقتصاد التونسي بحاجة إلى إطار تشريعي جديد قادر على استيعاب التحولات المرتبطة بالاقتصاد المعرفي والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال.
ومن جهة أخرى، شدد المتدخلون على أن إصلاح مجلة الصرف لا يمكن أن يكون إصلاحا تقنيا معزولا، بل يجب أن يندرج ضمن رؤية اقتصادية وطنية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتطور موازين القوى الاقتصادية الدولية، وصعود الاقتصادات الإفريقية والآسيوية، وتنامي دور التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية.
وفي هذا الإطار، دعا ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال إلى التنصيص صراحة ضمن مجلة الصرف الجديدة على أحكام خاصة بالمؤسسات الناشئة والاقتصاد الرقمي، بما يضمن الاعتراف القانوني بخصوصية هذا القطاع وباحتياجاته التشغيلية والمالية. كما اقترحوا إدراج باب مستقل يتعلق بالتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الاقتصادية، باعتبار أن التشريع الاقتصادي الحديث لم يعد يقتصر على تنظيم المبادلات التقليدية، بل أصبح مطالبا بتأطير الاقتصاد الرقمي والفضاءات الافتراضية والأنشطة القائمة على البيانات والخوارزميات.
وفي السياق ذاته، تم التأكيد على أهمية استحداث إطار قانوني خاص بالجرائم الصرفية الرقمية، يتضمن تعريفا دقيقا للمخالفات المرتبطة بالتحويلات الإلكترونية والمعاملات الرقمية والفضاءات المالية الافتراضية، مع تطوير آليات قانونية وتقنية قادرة على حماية الاقتصاد الوطني من مخاطر الجرائم المالية السيبرانية، دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل الابتكار أو الحد من تطور التكنولوجيا المالية.
كما أبرز ممثلو المنظمة أهمية البعد الإفريقي في الإصلاح المرتقب لمجلة الصرف، معتبرين أن انفتاح تونس على الأسواق الإفريقية يمثل خيارا استراتيجيا في ظل التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية. ودعوا إلى تطوير آليات الدفع والتسوية المالية الإقليمية، وتسهيل المبادلات الاقتصادية مع الدول الإفريقية، بما يدعم تموقع تونس داخل الفضاء الاقتصادي الإفريقي، ويمنح المؤسسات التونسية فرصا أوسع للتوسع والاستثمار والشراكة داخل القارة.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن إصلاح مجلة الصرف يمثل أحد أبرز التحديات التشريعية والاقتصادية المطروحة في المرحلة الحالية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمستقبل النمو الاقتصادي والاستثمار والتحول الرقمي والسيادة المالية للدولة. كما تم التشديد على أن نجاح هذا الإصلاح يظل رهينا بمدى القدرة على بناء مقاربة تشاركية تجمع بين الدولة والسلطة التشريعية والخبراء والفاعلين الاقتصاديين، بما يسمح بصياغة منظومة قانونية عصرية ومتوازنة تستجيب لمتطلبات الاقتصاد العالمي وتحافظ في الآن ذاته على التوازنات المالية والاقتصادية الوطنية.