إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

المقاطعة الاقتصادية.. هل هي الحل لمواجهة ارتفاع الأسعار وجشع المحتكرين؟

* رئيس منظمة إرشاد المستهلك لـ"الصباح نيوز" : يجب أن تتحول المقاطعة إلى ثقافة لكونها أداة فعّالة في أيدي المستهلكين لمواجهة الجشع والاحتكار والتحكم في الأسعار."

على وقع ارتفاع كلفة المعيشة وعجز العائلات التونسية على مجارة النسق اليومي للاستهلاك وارتفاع الأسعار.. عاد الجدل بقوة في الشارع التونسي وعلى منصات التواصل الاجتماعي حول دور "المقاطعة" كأداة شعبية سلمية لمواجهة تغول الأسعار وجشع بعض كبار التجار والمحتكرين.. 

فهل تنجح مقاطعة بعض المواد الاستهلاكية أو المنتجات التي تعرف إقبالا في مناسبات بعينها يستغلها البعض لتحقيق مرابيح خيالية على حساب جيب المستهلك، فعلاً في تعديل كفة السوق ؟

أثبتت التجارب و في مناسبات عدة أن المقاطعة يمكن أن تكون سلاحاً فعالاً وموجعاً فلطالما دعت منظمات وطنية تنشط في مجال الدفاع عن المستهلك، إلى مقاطعة سلع بعينها مثل الأسماك أو اللحوم الحمراء أو حتى بعض أنواع الغلال عند تجاوز أسعارها حدوداً غير معقولة، مما أجبر التجار في حالات موثقة على التراجع وخفض الأسعار لتفادي كساد بضائعهم وتراكم الخسائر. 

ويرى البعض في أن القوة الحقيقية للمقاطعة في تونس تكمن في قدرتها على كسر حلقة الاحتكار والتحكم غير القانوني في مسالك التوزيع، والتي غالباً ما تكون هي المسؤول الأول عن التهاب الأسعار بعيداً عن منطق كلفة الإنتاج الحقيقية وهو ما تحرص وزارة التجارة في الحديث عنه دون ان تدخل بحزم لقطع الطريق.

ورغم نجاح بعض دعوات المقاطعة ولعل آخرها ما حصل مؤخرا قبل أيام  في صفاقس حين قاطع المستهلكون منتجات سوق السمك بعد ارتفاع أسعارها، إلا أن جل حملات المقاطعة تظل نسبيا محدودة وغير مراجعة أو لا يستجيب لها المستهلكون على نطاق أوسع فتبقى مجرد دعوات نظرية دون إنجاز واقعي ميداني فعلي يجعل منها سلاحا يخشاه الجميع خاصة من المحتكرين.. 

وعلى اهمية المقاطعة كحركة شعبية لمواجهة المحتكرين، فإن ذلك قد يفرض تحديات هيكلية تجعل من المقاطعة حلاً معقداً يتطلب الكثير من الوعي.

كما انه و في ظل ندرة بعض المواد الأساسية المدعمة (مثل الزيت المدعم، السكر) تصبح المقاطعة أحياناً غير ذات جدوى لأن العرض أصلاً لا يغطي الطلب المتزايد. 

كما أن المقاطعة في تونس غالباً ما تضع المستهلك بين مطرقة الغلاء وسندان الحاجة الضرورية، وهي معادلة يصعب حلها في ظل تزايد احتياجات المواطن للسلع الأساسية.

 وحتى يحول التونسي المقاطعة الى حركة نضالية وحل حقيقي ومستدام، يجب أن تقترن العملية بوعي استهلاكي جماعي يرفض ثقافة اللهفة ويشجع على ترشيد الاستهلاك اليومي فالمقاطعة الناجحة هي التي تستهدف بذكاء الكماليات أو السلع التي تشهد مضاربة واضحة مع ضرورة الانحياز الكامل للمنتج التونسي كبديل استراتيجي يدعم الاقتصاد الوطني. 

كما لا يمكن للمقاطعة أن تحقق أهدافها كاملة دون وجود رقابة ميدانية صارمة من أجهزة الدولة على مخازن التبريد ومسالك التوزيع لضرب يد العبث بقوت التونسيين.

يجب أن تتحول المقاطعة إلى ثقافة ووعي جماعي 

وفي هذا السياق شدد لطفي الرياحي رئيس منظمة إرشاد المستهلك، في تصريح لـ"الصباح نيوز"، على أهمية أن تتحول مقاطعة المنتجات الغالية والمحتكرة إلى ثقافة لكونها أداة فعّالة في أيدي المستهلكين لمواجهة جشع البعض والتحكم في الأسعار."

واضاف قوله :" يجب ان تنبع المقاطعة الاقتصادية من الوعي الجماعي بأهمية القوة الشرائية للمستهلك، وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في السوق فعندما يتحد المستهلكون ويمتنعون عن شراء سلع معينة، فإنهم يرسلون رسالة واضحة للمضاربين بأن ممارساتهم الاحتكارية ورفع الأسعار غير المقبول لن تمر دون رد."

ولئن تظل المقاطعة في تونس صرخة مواطنية مشروعة وسلاحاً أخلاقياً واقتصادياً هاماً في يد المستهلك، لكنها ليست عصا سحرية لحل كافة الأزمات اذ استعادة المقدرة الشرائية للتونسيين تتطلب توازناً دقيقاً بين ضغط الشارع الواعي، وسياسات اقتصادية وطنية شجاعة تحمي المنتج والمستهلك على حد سواء من تغول "لوبيات" الاحتكار. 


خليل الحناشي 

المقاطعة الاقتصادية.. هل هي الحل لمواجهة ارتفاع الأسعار وجشع المحتكرين؟

* رئيس منظمة إرشاد المستهلك لـ"الصباح نيوز" : يجب أن تتحول المقاطعة إلى ثقافة لكونها أداة فعّالة في أيدي المستهلكين لمواجهة الجشع والاحتكار والتحكم في الأسعار."

على وقع ارتفاع كلفة المعيشة وعجز العائلات التونسية على مجارة النسق اليومي للاستهلاك وارتفاع الأسعار.. عاد الجدل بقوة في الشارع التونسي وعلى منصات التواصل الاجتماعي حول دور "المقاطعة" كأداة شعبية سلمية لمواجهة تغول الأسعار وجشع بعض كبار التجار والمحتكرين.. 

فهل تنجح مقاطعة بعض المواد الاستهلاكية أو المنتجات التي تعرف إقبالا في مناسبات بعينها يستغلها البعض لتحقيق مرابيح خيالية على حساب جيب المستهلك، فعلاً في تعديل كفة السوق ؟

أثبتت التجارب و في مناسبات عدة أن المقاطعة يمكن أن تكون سلاحاً فعالاً وموجعاً فلطالما دعت منظمات وطنية تنشط في مجال الدفاع عن المستهلك، إلى مقاطعة سلع بعينها مثل الأسماك أو اللحوم الحمراء أو حتى بعض أنواع الغلال عند تجاوز أسعارها حدوداً غير معقولة، مما أجبر التجار في حالات موثقة على التراجع وخفض الأسعار لتفادي كساد بضائعهم وتراكم الخسائر. 

ويرى البعض في أن القوة الحقيقية للمقاطعة في تونس تكمن في قدرتها على كسر حلقة الاحتكار والتحكم غير القانوني في مسالك التوزيع، والتي غالباً ما تكون هي المسؤول الأول عن التهاب الأسعار بعيداً عن منطق كلفة الإنتاج الحقيقية وهو ما تحرص وزارة التجارة في الحديث عنه دون ان تدخل بحزم لقطع الطريق.

ورغم نجاح بعض دعوات المقاطعة ولعل آخرها ما حصل مؤخرا قبل أيام  في صفاقس حين قاطع المستهلكون منتجات سوق السمك بعد ارتفاع أسعارها، إلا أن جل حملات المقاطعة تظل نسبيا محدودة وغير مراجعة أو لا يستجيب لها المستهلكون على نطاق أوسع فتبقى مجرد دعوات نظرية دون إنجاز واقعي ميداني فعلي يجعل منها سلاحا يخشاه الجميع خاصة من المحتكرين.. 

وعلى اهمية المقاطعة كحركة شعبية لمواجهة المحتكرين، فإن ذلك قد يفرض تحديات هيكلية تجعل من المقاطعة حلاً معقداً يتطلب الكثير من الوعي.

كما انه و في ظل ندرة بعض المواد الأساسية المدعمة (مثل الزيت المدعم، السكر) تصبح المقاطعة أحياناً غير ذات جدوى لأن العرض أصلاً لا يغطي الطلب المتزايد. 

كما أن المقاطعة في تونس غالباً ما تضع المستهلك بين مطرقة الغلاء وسندان الحاجة الضرورية، وهي معادلة يصعب حلها في ظل تزايد احتياجات المواطن للسلع الأساسية.

 وحتى يحول التونسي المقاطعة الى حركة نضالية وحل حقيقي ومستدام، يجب أن تقترن العملية بوعي استهلاكي جماعي يرفض ثقافة اللهفة ويشجع على ترشيد الاستهلاك اليومي فالمقاطعة الناجحة هي التي تستهدف بذكاء الكماليات أو السلع التي تشهد مضاربة واضحة مع ضرورة الانحياز الكامل للمنتج التونسي كبديل استراتيجي يدعم الاقتصاد الوطني. 

كما لا يمكن للمقاطعة أن تحقق أهدافها كاملة دون وجود رقابة ميدانية صارمة من أجهزة الدولة على مخازن التبريد ومسالك التوزيع لضرب يد العبث بقوت التونسيين.

يجب أن تتحول المقاطعة إلى ثقافة ووعي جماعي 

وفي هذا السياق شدد لطفي الرياحي رئيس منظمة إرشاد المستهلك، في تصريح لـ"الصباح نيوز"، على أهمية أن تتحول مقاطعة المنتجات الغالية والمحتكرة إلى ثقافة لكونها أداة فعّالة في أيدي المستهلكين لمواجهة جشع البعض والتحكم في الأسعار."

واضاف قوله :" يجب ان تنبع المقاطعة الاقتصادية من الوعي الجماعي بأهمية القوة الشرائية للمستهلك، وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في السوق فعندما يتحد المستهلكون ويمتنعون عن شراء سلع معينة، فإنهم يرسلون رسالة واضحة للمضاربين بأن ممارساتهم الاحتكارية ورفع الأسعار غير المقبول لن تمر دون رد."

ولئن تظل المقاطعة في تونس صرخة مواطنية مشروعة وسلاحاً أخلاقياً واقتصادياً هاماً في يد المستهلك، لكنها ليست عصا سحرية لحل كافة الأزمات اذ استعادة المقدرة الشرائية للتونسيين تتطلب توازناً دقيقاً بين ضغط الشارع الواعي، وسياسات اقتصادية وطنية شجاعة تحمي المنتج والمستهلك على حد سواء من تغول "لوبيات" الاحتكار. 


خليل الحناشي