بقلم: الأستاذ أسامة خزامي المختص في القانون وعلم الإجرام والإدمان
**المعادلة الصحيحة: ردع قوي للاتجار.. ووقاية وعلاج وإعادة إدماج للمستهلكين
لم تعد المخدرات في تونس مجرد قضية أمنية بل أصبحت قضية دولة، وقضية صحة عمومية، وقضية مستقبل جيل كامل.
فالأرقام الأخيرة التي قدمتها وزارة الداخلية أمام مجلس نواب الشعب ليست مجرد إحصائيات، بل هي جرس إنذار حقيقي. ذلك أن أكثر من 15 ألف قضية مخدرات خلال سنة 2025، وأكثر من 27 ألف شخص مورط، مع هيمنة الفئة العمرية بين 19 و40 سنة، وتحول تونس تدريجيا من بلد عبور إلى سوق استهلاكية قائمة الذات، كلها مؤشرات تدل على أن الظاهرة دخلت مرحلة جديدة أكثر خطورة وتعقيدا.
والسؤال الحقيقي ليس: كم حجزنا من المخدرات؟
بل: لماذا يزداد عدد المستهلكين رغم كل هذه المحجوزات؟
في هذا الاطار يجب أن نعترف بشجاعة أن المقاربة الحالية، رغم أهمية المجهود الأمني، لم تعد كافية وحدها وان الإدمان ليس مجرد انحراف بل نتيجة لفشل منظومة كاملة، اذ انه كلما ارتفعت نسب الاستهلاك، فهذا يعني أن هناك خللا في منظومة الوقاية لان الإدمان لا يولد داخل علبة سجائر أو قرص مخدر إنه يبدأ داخل مدرسة فقدت دورها التربوي، عائلة منهكة اقتصادياً واجتماعيا او حي يفتقد لفضاءات الثقافة والرياضة او شباب فقد الثقة في المستقبل او طفل يعيش العنف والإهمال أكثر مما يعيش الحوار، وبالتالي فإن التعامل مع الإدمان باعتباره مشكلة أمنية فقط هو تشخيص ناقص.
في الحقيقة يتعلق الأمر بظاهرة قانونية واجتماعية ونفسية واقتصادية وصحية في آن واحد، وأخطر ما يحدث اليوم هو "تطبيع" المخدرات إذ قبل عشر سنوات كان تعاطي المخدرات يثير الصدمة واليوم أصبح الحديث عنها عاديا وأصبح بعض الشباب يعتبرها جزءا من أسلوب الحياة وهذه أخطر مرحلة يمكن أن تصل إليها أي دولة، لأن المجتمع يبدأ بالتعايش مع الظاهرة بدل مقاومتها.
ولم تعد مادة القنب الهندي "الزطلة" هي المشكلة الوحيدة فالمشهد الإجرامي تغير حيث ظهرت الأقراص الاصطناعية ذات القدرة الإدمانية العالية وانتشرت مواد مختلفة بأسعار تناسب كل الفئات الاجتماعية.
فاليوم نجد أن طبيعة المادة المخدرة أصبحت مرتبطة أيضا بطبيعة المنطقة ومستواها الاقتصادي.
ففي المناطق الحضرية الكبرى كالعاصمة والساحل تبرز بصورة أكبر المخدرات الاصطناعية والكوكايين لدى بعض الفئات، بينما تنتشر في مناطق أخرى مواد أقل سعراً وأكثر تداولا، في حين تشهد الولايات الحدودية نشاطا أكبر لشبكات الترويج والتهريب بحكم موقعها الجغرافي. وهذه ملاحظات عامة تعكس أنماطا إجرامية متغيرة، ولا تعني أن كل منطقة تقتصر على نوع معين من المواد.
وبمعنى آخر فإن المخدرات أصبحت تعكس الفوارق الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع.
الفتيات والقصر... الخطر الصامت
ما يقلقني كمتخصص هو أن الفئات المستهدفة لم تعد تقتصر على الذكور إذ أن هناك ارتفاعا في استهداف الفتيات، مقابل انخفاض واضح في سن بداية التعاطي.
اذ كلما بدأ التعاطي في سن أصغر، زادت احتمالات الإدمان، والتسرب المدرسي، والانخراط لاحقاً في أنماط أخرى من السلوك الإجرامي أو التعرض للاستغلال ولهذا فإن حماية الأطفال والمراهقين يجب أن تصبح أولوية وطنية رغم وجود كثيرين يريدون العلاج لكن ليس حبا في العلاج.
ومن خلال احتكاكي بالميدان، فإني ألاحظ أن عددا من الأشخاص يطلبون العلاج طواعية لكن الدافع في كثير من الحالات ليس الاقتناع بخطورة الإدمان فقط بل الخوف من المستقبل.. الخوف من السجن .. الخوف من التتبعات القضائية.. الخوف من ضياع العمل.. الخوف من انهيار الأسرة والخوف من أن يتحول المدمن لاحقا إلى متهم أمام القضاء.
وهذا يعني أن العلاج يجب أن يكون متاحا قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار القانوني والاجتماعي.
فكل دينار يستثمر في العلاج والوقاية يوفر على الدولة لاحقا أضعافه في السجون، والمحاكم، والرعاية الصحية.
وبالتالي بات من الضروري مراجعة القانون 52 والتي يجب الا تكون مجرد نقاش حول العقوبة، لان النقاش الحقيقي ليس: هل نعاقب؟ أم لا نعاقب؟ بل: كيف نحمي المجتمع؟
أرى ان من الضروري أن يظل الردع صارما تجاه شبكات التهريب والترويج والجريمة المنظمة، مع تطوير آليات تتيح توجيه المستهلكين الذين يعانون من اضطراب تعاطي المواد إلى العلاج وإعادة الإدماج عندما تسمح ظروف كل حالة بذلك ووفق الضمانات القانونية، كما أن القانون وحده لا يصنع سياسة ناجحة كما أن العلاج وحده لا يكفي وبالتالي فالمعادلة الصحيحة هي:
ردع قوي للاتجار ووقاية وعلاج وإعادة إدماج للمستهلكين.
هناك دول حققت نتائج أفضل ولم تعتمد على الحل الأمني فقط بل استثمرت في الكشف المبكر داخل المدارس والعلاج المجاني والسريع والدعم النفسي والعمل مع الأسرة واعادة الإدماج المهني فضلا عن حملات توعية مبنية على الأدلة العلمية لا على التخويف فقط.
ولهذا انخفضت نسب العودة إلى التعاطي في عدد من التجارب الدولية عندما جرى التعامل مع الإدمان باعتباره أيضاً قضية صحة عامة إلى جانب كونه قضية أمنية.
إذا بقينا نقيس النجاح بعدد القضايا وعدد المحجوزات فقط فسنكون كمن يجفف الماء من الأرض بينما الصنبور لا يزال مفتوحا لان المعركة الحقيقية تبدأ قبل أول سيجارة مخدرة وقبل أول قرص وقبل أول تجربة لأن مكافحة الإدمان لا تبدأ في مركز الأمن بل تبدأ في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة وفي الإعلام وفي السياسات العمومية.
فاليوم لم تعد تونس بحاجة فقط إلى استراتيجية لمكافحة المخدرات، بل إلى مشروع وطني لحماية الإنسان التونسي من الإدمان، يجمع بين القانون والصحة والتعليم والسياسات الاجتماعية. فالمخدرات ليست مجرد مادة محظورة، بل اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على حماية شبابهما ومستقبلهما.
