إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من الأثير إلى الشّاشة.. رحلة الإذاعة التّونسية في "المتاهة" الرقميّة

"تشبه الإذاعات التّونسية، اليوم، قطرة حبر في كأس ماء: تغيرت لكنها لم تستقرّ بعد، مستقبلها يعتمد على قدرتها على تحويل هذا التّغيير إلى هويّة جديدة، لا الاكتفاء بردود فعل مؤقّتة". 

بقلم : د.حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الاعلام والاتّصال

على مدى خمسة أسابيع، خُضنا رحلة لتفكيك التحوّلات التي تشهدها الإذاعة في العصر الرّقمي، مع التركيز على المشهد التّونسي نموذجا للدّراسة والتحليل.
بدأنا بوصف كيف تنحلّ الإذاعة في المنصات الرقمية تماما كما " قطرة الحبر" في الماء، ثم حلّلنا " الصّفقة الفاوستيّة" التي أبرمتها مع التّكنولوجيا، وما قد تخسره مقابل الانتشار الواسع، وصولا إلى فهم كيف أعاد الهاتف الذكيّ تشكيل إدراكنا وفق "رباعيّة ماكلوهان".
وفي المقالين الرابع والخامس؛ انتقلنا إلى الرصد الميداني لما تنتجه الإذاعات التونسيّة الأكثر استماعا وكيفيّة تفاعلها مع جمهورها على المنصّات الرّقمية التابعة لها. وبعد هذه الرحلة الاستكشافيّة نضع خلاصات التجربة ونتساءل عن تموضع الإذاعة التونسيّة في مسار التحوّل الرّقمي وعن التحدّيات التي تواجهها.
التحوّل الرّقمي خيار وجودي
استندنا في مستهلّ هذه السّلسلة إلى فلسفة نيل بوستمان لشرح ما تفعله المنصّات الرّقمية بالإذاعة (منصّات تواصل اجتماعي، منصات فيديو ومنصات بثّ صوتي). فإضافة قطرة حبر إلى كوب ماء لا تنتج "ماء +حبر" بل مادّة جديدة وهي "ماء ملوّن".
وبسحب ذلك على الإذاعات، فانّ انتقالها الى المنصّات الرّقميّة ليس مجرّد تغيير وعاء، بل هو خضوع كامل لمنطق الخوارزميّات. عبر هذه المنصّات تخاطب الإذاعة جمهورا ينتظر المرئي قبل المسموع كما تقدّم محتوى خاطفا يواكب سرعة التمرير (Scrolling) بما قد لا يتناسب مه هويّتها الأصليّة التي ترتكز على "سحر العمى" و"رصانة المحتوى".
ولعلّ التحدّي الأبرز هنا هو أنّ الإذاعة التي لا تدرك هذا التحوّل الجوهري وتكتفي بالتحوّل الشكلي تضع نفسها على طريق الاندثار، فالتواجد الرّقمي اليوم هو خيار وجودي لكنّه محفوف بالمخاطر. فأيّ صفقة قد تنقذها من هذا المأزق؟
 
الصّفقة الفاوستيّة
تقول الأسطورة أنّ "فاوست" باع روحه للشيطان مقابل المعرفة، فهل تُغري المنصات الرقمية الإذاعة بالانتشار والوصول العالمي مقابل التناول عن جزء من روحها: رصانة الخطاب، عمق التحليل، والعلاقة الحميمية مع المستمع، خصوصا "سحر العمى"؟
تُبيّن الأرقام التي رصدناها على مستوى الانتشار والمتابعة أنّ الإذاعة التونسيّة تتواجد، بنسب متفاوتة، على المنصّات بمئات وملايين المتابعات، لكن الثّمن هو مقايضة "روحها بـ "بصريّة" المحتوى حيث الاعتماد بشكل أساسي على الفيديو المصّور الذي حوّل الإذاعة إلى شاشة صغيرة.
الدّرس هُنا واضح وهو أنّ المنصّات قد تمنح الإذاعات السّيادة في الأرقام لكنّها قد تنتزع منها السّيادة على المحتوى والهويّة، وخاصّة هويّتها السمعيّة الأصيلة التي باتت تتقلّص يوماً بعد يوم سيّما بعد أصبحت الإذاعة سائلا يسكن الجيوب.
الهاتف الذّكي يعيد تشكيل إدراكنا
استنادا الى رباعيّة ماكلوهان (التعزيز والتقادم والاسترجاع والقلب)، يبدو أّنّ الهاتف المحمول قد أعاد هندسة حواسنا. فبفضله تعزّزت وظيفة الإذاعة كسائل يسكن الجيب. ولم نعد ننتظر موعد البرنامج بل نستمع اليه متى شئنا في شاشتنا الصغيرة حيث تقادم جهاز الرّاديو القديم كما تقادم الزمن الإذاعي نفسه لنستهلك "المحتوى عند الطلب".
ورغم أنّ "البودكاست"، هذا الشكل الصّوتي الجديد الذي يشهد انتشارا واسعا، قد استرجع دور الحكواتي وسلطة الكلمة المنطوقة، إلاّ أنّ المفارقة الكبرى تظلّ في انقلاب الإذاعة إلى "وسيط بصري" حيث فقدت "سحر العمى" وسكنت الشّاشة الصّغيرة.
وهنا نصل إلى الدّرس الجوهري الثالث والمتمثّل في أنّ الإذاعة لم تعد تسمع فقط بل أصبحت تتصفّح. فكيف تعاملت الإذاعات التّونسيّة مع هذه التحوّلات الرّقمية؟
المحتوى الرّقمي الحقيقي لا يجرّف
رصدنا المحتوى الرقمي اليومي لأكثر الإذاعات متابعة في تونس، العمومية والخاصة ووجدنا مفارقات واضحة.
فإذاعة "موزاييك أف أم" الخاصّة تنشر عشرات الفيديوهات وتحقّق آلاف المشاهدات والمتابعات لكنّها تمارس سياسة "تجريف المحتوى"  الأثيري (Shovelware)  بشكل مكثّف فتربح الانتشار لكنّها تخاطر بفقدان الهويّة السّمعيّة لصالح "وكالة أنباء بصريّة".
أمّا الإذاعة الوطنيّة التّونسيّة فإنّها تنشر محتوى رصينا متنوّعا وتقدّمه بوقار الأثير، ولكنّها تحصل على تفاعلات متواضعة من حيث العدد (بعض العشرات). وبالتّالي فهي تربح معركة المضمون وتخسر الجمهور بسبب قوالبها "المحنّطة" رقميّا.
وعموماً فكلا الاذاعتين التونسيّتين تشتركان في منطق "جرف المحتوى" الأثيري الى المنصات الرّقمية (فيسبوك، أنستغرام، تيك توك، يوتيوب، سبوتيفاي)، حيث لا تنتج أيّ منهما الاّ نادرا، محتوى يولد رقميّا ويصمّم خصّيصا للمنصّة وتكتفيان غالبا بإعادة التدوير.
الخلاصة هنا أنّ المنصّة الرّقميّة ليست نافذة لعرض القديم، بل هي فضاء لإبداع جديد وأنّ الإذاعات التي لا تنتج خصيصا للمنصّات تخسرها دون شكّ.
التفاعليّة ليست ترفا اذاعيّا
رحلة الرصد أظهرت مفارقة ثانية: التفاعل مع الجمهور غائب. وآلاف التعليقات على صفحات الإذاعات تصطدم بـ"صمت مطبق". فالضجيج الرّقمي المتمثّل في عشرات ومئات وآلاف التعليقات والتفاعلات على صفحات موزاييك والإذاعة التونسية، تقابله هذه الأخيرة بـ "الصمت المطبق"، لا ردّا ولا اعجابا ولا تفاعلا واحدا من الاذاعتين. 
يرى شيزاف رافاييلّي أنّ التفاعليّة هي "سلسلة متّصلة من الاستجابات المترابطة"، وفي غياب هذا الترابط لا نكون أمام تفاعليّة بل "استجابة أحاديّة". ويبدو أنّ الاذاعات التونسيّة اختارت النهج الثاني حيث أنّها تريد الأرقام (المشاهدات والإعجابات) لترفع أسهمها التسويقيّة لكنّها لا تريد المعنى (الحوار والنقاش والرّدود).
وبذلك نصل إلى الخلاصة الخامسة وهي أنّ الجمهور الذي يعلّق يمنح الإذاعة وقتا واهتماما ولكنها تدفعه بصمتها نحو "الاغتراب الرّقمي".
نحو عقد رقميّ جديد
إنّ الدّروس المستفادة من تحليل واقع الإذاعات التونسيّة في العصر الرّقمي يمكنها أن تقودنا الى رؤية استشرافيّة تحدّد متطلّبات التواجد الرّقمي الحقيقي للإذاعات التونسية.
ولعلّ المطلب الأول هو التوقّف عن سكب محتوياتها الأثيريّة عبر المنصّات وانتاج محتوى يولد رقميّا منذ البداية من خلال قصص مصمّمة لها خصّصا ومن خلال نقاشات عبر فيسبوك وبودكاست أصلي عبر سبوتيفاي (بيتها الطبيعي) ومن خلال التفاعل اللحظي على انستغرام... الخ. فالمطلوب ليس ترك الأثير بل التكامل معه بمعنى ان يكون للبرنامج الإذاعي امتداد رقمي مختلف لا مجرّد تسجيل وإعادة تدوير. 
أمّا المطلب الثاني فيتمثّل في ضرورة التفاعل مع تعليقات الجمهور، فتخصيص فريق للتفاعل الرّقمي والرد على تعليقات الجمهور وفتح نقاشات حول المواضيع المطروحة يعدّ بداية حوار معه، حيث ان الجمهور الذي يجد صدى لكلماته سيعود امّا الذي يقابل بالصمت فانّه سيرحل.
فيما يتعلق المطلب الثالث بأهمية أن تدرس الإذاعات التّونسيّة حضورها الرّقمي وتستفيد من نقاط قوّتها وتحسّن نقاط ضعفها، فإذا كانت موزاييك تتقن الانتشار وفهم الخوارزميات فإن الإذاعة الوطنية تمتلك رصانة المحتوى وعمقه. وبالتالي فانّ التكامل ممكن: محتوى رصين ينتشر بذكاء أو محتوى شعبي ذو جودة.
وهذا من شأنه خدمة المستمع التونسي ورفع ذائقته إضافة إلى تقديم بديل تونسي ينافس عربيا وعالميّا سيّما مع الإمكانات الهائلة التي يتيحها البودكاست واستثمار قدرة منصّات الصوت على الوصول العالمي حيث تتحقّق "الشفهيّة الثانويّة التي تحدّث عنها والتر أونج في قالب الكتروني جديد. وعليه فالإذاعة الذكية هي التي تحسن التوازن بين الصوت والصورة بين الأثير والمنصة وبين البثّ والتفاعل.
قطرة الحبر لا تترك الماء كما كان
ختاماً نعود من حيث بدأنا: قطرة الحبر في كوب الماء. بعد 5 مقالات تحليليّة لواقع الإذاعات التونسيّة في العصر الرّقمي، كانت النتيجة أنّها لم تعد كما كانت لكنّها لم تصبح أيضا كما يجب أن تكون.
فالمشهد اليوم يحمل مفارقات غريبة حيث تحقّق الإذاعات التونسية آلاف وملايين المتابعات لكنّها تخسر الهويّة السّمعيّة، تقدّم محتوى رصينا لكنّها تخاطب جدرانا مهجورة، جمهورها يتكلّم بعشرات وآلاف التعليقات لكنّها تواجهه بالصمت والتّجاهل، منصّاتها الصّوتية مهجورة وهي تلهث خلف الصّورة. كلّ هذه المعطيات تجعلنا نطرح السّؤال على إذاعاتنا التونسيّة: متى تترك "منطقة راحتها الأثيريّة" للدّخول في مغامرة الإنتاج الذي يولد رقميّا وتوظيف منصاتها الرّقميّة بذكاء؟

من الأثير إلى الشّاشة.. رحلة الإذاعة التّونسية في "المتاهة" الرقميّة

"تشبه الإذاعات التّونسية، اليوم، قطرة حبر في كأس ماء: تغيرت لكنها لم تستقرّ بعد، مستقبلها يعتمد على قدرتها على تحويل هذا التّغيير إلى هويّة جديدة، لا الاكتفاء بردود فعل مؤقّتة". 

بقلم : د.حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الاعلام والاتّصال

على مدى خمسة أسابيع، خُضنا رحلة لتفكيك التحوّلات التي تشهدها الإذاعة في العصر الرّقمي، مع التركيز على المشهد التّونسي نموذجا للدّراسة والتحليل.
بدأنا بوصف كيف تنحلّ الإذاعة في المنصات الرقمية تماما كما " قطرة الحبر" في الماء، ثم حلّلنا " الصّفقة الفاوستيّة" التي أبرمتها مع التّكنولوجيا، وما قد تخسره مقابل الانتشار الواسع، وصولا إلى فهم كيف أعاد الهاتف الذكيّ تشكيل إدراكنا وفق "رباعيّة ماكلوهان".
وفي المقالين الرابع والخامس؛ انتقلنا إلى الرصد الميداني لما تنتجه الإذاعات التونسيّة الأكثر استماعا وكيفيّة تفاعلها مع جمهورها على المنصّات الرّقمية التابعة لها. وبعد هذه الرحلة الاستكشافيّة نضع خلاصات التجربة ونتساءل عن تموضع الإذاعة التونسيّة في مسار التحوّل الرّقمي وعن التحدّيات التي تواجهها.
التحوّل الرّقمي خيار وجودي
استندنا في مستهلّ هذه السّلسلة إلى فلسفة نيل بوستمان لشرح ما تفعله المنصّات الرّقمية بالإذاعة (منصّات تواصل اجتماعي، منصات فيديو ومنصات بثّ صوتي). فإضافة قطرة حبر إلى كوب ماء لا تنتج "ماء +حبر" بل مادّة جديدة وهي "ماء ملوّن".
وبسحب ذلك على الإذاعات، فانّ انتقالها الى المنصّات الرّقميّة ليس مجرّد تغيير وعاء، بل هو خضوع كامل لمنطق الخوارزميّات. عبر هذه المنصّات تخاطب الإذاعة جمهورا ينتظر المرئي قبل المسموع كما تقدّم محتوى خاطفا يواكب سرعة التمرير (Scrolling) بما قد لا يتناسب مه هويّتها الأصليّة التي ترتكز على "سحر العمى" و"رصانة المحتوى".
ولعلّ التحدّي الأبرز هنا هو أنّ الإذاعة التي لا تدرك هذا التحوّل الجوهري وتكتفي بالتحوّل الشكلي تضع نفسها على طريق الاندثار، فالتواجد الرّقمي اليوم هو خيار وجودي لكنّه محفوف بالمخاطر. فأيّ صفقة قد تنقذها من هذا المأزق؟
 
الصّفقة الفاوستيّة
تقول الأسطورة أنّ "فاوست" باع روحه للشيطان مقابل المعرفة، فهل تُغري المنصات الرقمية الإذاعة بالانتشار والوصول العالمي مقابل التناول عن جزء من روحها: رصانة الخطاب، عمق التحليل، والعلاقة الحميمية مع المستمع، خصوصا "سحر العمى"؟
تُبيّن الأرقام التي رصدناها على مستوى الانتشار والمتابعة أنّ الإذاعة التونسيّة تتواجد، بنسب متفاوتة، على المنصّات بمئات وملايين المتابعات، لكن الثّمن هو مقايضة "روحها بـ "بصريّة" المحتوى حيث الاعتماد بشكل أساسي على الفيديو المصّور الذي حوّل الإذاعة إلى شاشة صغيرة.
الدّرس هُنا واضح وهو أنّ المنصّات قد تمنح الإذاعات السّيادة في الأرقام لكنّها قد تنتزع منها السّيادة على المحتوى والهويّة، وخاصّة هويّتها السمعيّة الأصيلة التي باتت تتقلّص يوماً بعد يوم سيّما بعد أصبحت الإذاعة سائلا يسكن الجيوب.
الهاتف الذّكي يعيد تشكيل إدراكنا
استنادا الى رباعيّة ماكلوهان (التعزيز والتقادم والاسترجاع والقلب)، يبدو أّنّ الهاتف المحمول قد أعاد هندسة حواسنا. فبفضله تعزّزت وظيفة الإذاعة كسائل يسكن الجيب. ولم نعد ننتظر موعد البرنامج بل نستمع اليه متى شئنا في شاشتنا الصغيرة حيث تقادم جهاز الرّاديو القديم كما تقادم الزمن الإذاعي نفسه لنستهلك "المحتوى عند الطلب".
ورغم أنّ "البودكاست"، هذا الشكل الصّوتي الجديد الذي يشهد انتشارا واسعا، قد استرجع دور الحكواتي وسلطة الكلمة المنطوقة، إلاّ أنّ المفارقة الكبرى تظلّ في انقلاب الإذاعة إلى "وسيط بصري" حيث فقدت "سحر العمى" وسكنت الشّاشة الصّغيرة.
وهنا نصل إلى الدّرس الجوهري الثالث والمتمثّل في أنّ الإذاعة لم تعد تسمع فقط بل أصبحت تتصفّح. فكيف تعاملت الإذاعات التّونسيّة مع هذه التحوّلات الرّقمية؟
المحتوى الرّقمي الحقيقي لا يجرّف
رصدنا المحتوى الرقمي اليومي لأكثر الإذاعات متابعة في تونس، العمومية والخاصة ووجدنا مفارقات واضحة.
فإذاعة "موزاييك أف أم" الخاصّة تنشر عشرات الفيديوهات وتحقّق آلاف المشاهدات والمتابعات لكنّها تمارس سياسة "تجريف المحتوى"  الأثيري (Shovelware)  بشكل مكثّف فتربح الانتشار لكنّها تخاطر بفقدان الهويّة السّمعيّة لصالح "وكالة أنباء بصريّة".
أمّا الإذاعة الوطنيّة التّونسيّة فإنّها تنشر محتوى رصينا متنوّعا وتقدّمه بوقار الأثير، ولكنّها تحصل على تفاعلات متواضعة من حيث العدد (بعض العشرات). وبالتّالي فهي تربح معركة المضمون وتخسر الجمهور بسبب قوالبها "المحنّطة" رقميّا.
وعموماً فكلا الاذاعتين التونسيّتين تشتركان في منطق "جرف المحتوى" الأثيري الى المنصات الرّقمية (فيسبوك، أنستغرام، تيك توك، يوتيوب، سبوتيفاي)، حيث لا تنتج أيّ منهما الاّ نادرا، محتوى يولد رقميّا ويصمّم خصّيصا للمنصّة وتكتفيان غالبا بإعادة التدوير.
الخلاصة هنا أنّ المنصّة الرّقميّة ليست نافذة لعرض القديم، بل هي فضاء لإبداع جديد وأنّ الإذاعات التي لا تنتج خصيصا للمنصّات تخسرها دون شكّ.
التفاعليّة ليست ترفا اذاعيّا
رحلة الرصد أظهرت مفارقة ثانية: التفاعل مع الجمهور غائب. وآلاف التعليقات على صفحات الإذاعات تصطدم بـ"صمت مطبق". فالضجيج الرّقمي المتمثّل في عشرات ومئات وآلاف التعليقات والتفاعلات على صفحات موزاييك والإذاعة التونسية، تقابله هذه الأخيرة بـ "الصمت المطبق"، لا ردّا ولا اعجابا ولا تفاعلا واحدا من الاذاعتين. 
يرى شيزاف رافاييلّي أنّ التفاعليّة هي "سلسلة متّصلة من الاستجابات المترابطة"، وفي غياب هذا الترابط لا نكون أمام تفاعليّة بل "استجابة أحاديّة". ويبدو أنّ الاذاعات التونسيّة اختارت النهج الثاني حيث أنّها تريد الأرقام (المشاهدات والإعجابات) لترفع أسهمها التسويقيّة لكنّها لا تريد المعنى (الحوار والنقاش والرّدود).
وبذلك نصل إلى الخلاصة الخامسة وهي أنّ الجمهور الذي يعلّق يمنح الإذاعة وقتا واهتماما ولكنها تدفعه بصمتها نحو "الاغتراب الرّقمي".
نحو عقد رقميّ جديد
إنّ الدّروس المستفادة من تحليل واقع الإذاعات التونسيّة في العصر الرّقمي يمكنها أن تقودنا الى رؤية استشرافيّة تحدّد متطلّبات التواجد الرّقمي الحقيقي للإذاعات التونسية.
ولعلّ المطلب الأول هو التوقّف عن سكب محتوياتها الأثيريّة عبر المنصّات وانتاج محتوى يولد رقميّا منذ البداية من خلال قصص مصمّمة لها خصّصا ومن خلال نقاشات عبر فيسبوك وبودكاست أصلي عبر سبوتيفاي (بيتها الطبيعي) ومن خلال التفاعل اللحظي على انستغرام... الخ. فالمطلوب ليس ترك الأثير بل التكامل معه بمعنى ان يكون للبرنامج الإذاعي امتداد رقمي مختلف لا مجرّد تسجيل وإعادة تدوير. 
أمّا المطلب الثاني فيتمثّل في ضرورة التفاعل مع تعليقات الجمهور، فتخصيص فريق للتفاعل الرّقمي والرد على تعليقات الجمهور وفتح نقاشات حول المواضيع المطروحة يعدّ بداية حوار معه، حيث ان الجمهور الذي يجد صدى لكلماته سيعود امّا الذي يقابل بالصمت فانّه سيرحل.
فيما يتعلق المطلب الثالث بأهمية أن تدرس الإذاعات التّونسيّة حضورها الرّقمي وتستفيد من نقاط قوّتها وتحسّن نقاط ضعفها، فإذا كانت موزاييك تتقن الانتشار وفهم الخوارزميات فإن الإذاعة الوطنية تمتلك رصانة المحتوى وعمقه. وبالتالي فانّ التكامل ممكن: محتوى رصين ينتشر بذكاء أو محتوى شعبي ذو جودة.
وهذا من شأنه خدمة المستمع التونسي ورفع ذائقته إضافة إلى تقديم بديل تونسي ينافس عربيا وعالميّا سيّما مع الإمكانات الهائلة التي يتيحها البودكاست واستثمار قدرة منصّات الصوت على الوصول العالمي حيث تتحقّق "الشفهيّة الثانويّة التي تحدّث عنها والتر أونج في قالب الكتروني جديد. وعليه فالإذاعة الذكية هي التي تحسن التوازن بين الصوت والصورة بين الأثير والمنصة وبين البثّ والتفاعل.
قطرة الحبر لا تترك الماء كما كان
ختاماً نعود من حيث بدأنا: قطرة الحبر في كوب الماء. بعد 5 مقالات تحليليّة لواقع الإذاعات التونسيّة في العصر الرّقمي، كانت النتيجة أنّها لم تعد كما كانت لكنّها لم تصبح أيضا كما يجب أن تكون.
فالمشهد اليوم يحمل مفارقات غريبة حيث تحقّق الإذاعات التونسية آلاف وملايين المتابعات لكنّها تخسر الهويّة السّمعيّة، تقدّم محتوى رصينا لكنّها تخاطب جدرانا مهجورة، جمهورها يتكلّم بعشرات وآلاف التعليقات لكنّها تواجهه بالصمت والتّجاهل، منصّاتها الصّوتية مهجورة وهي تلهث خلف الصّورة. كلّ هذه المعطيات تجعلنا نطرح السّؤال على إذاعاتنا التونسيّة: متى تترك "منطقة راحتها الأثيريّة" للدّخول في مغامرة الإنتاج الذي يولد رقميّا وتوظيف منصاتها الرّقميّة بذكاء؟