بقلم : د.حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الاعلام والاتصال
"إن الابتكار التقني لا يملي بالضرورة تحولا في الممارسة، فالمؤسسات الإعلامية تميل غالبا إلى إعادة إنتاج هياكلها وثقافاتها القديمة داخل الوسائط الجديدة، مما يجعل 'الرقمي' مجرد مرآة للتقليدي."
بابلو بوكوفسكي (Pablo Boczkowski)، (Digitizing the News: Innovation in Online Newspapers، 2004
كان ذلك يوم الجمعة 13 فيفري 2026، وبينما كان العالم يحتفي باليوم العالمي للإذاعة تحت شعار "الإذاعة والذكاء الاصطناعي"، كانت الإذاعات التونسية تروي قصّة جديدة عن هندسة وجودها على الفضاءات الرقمية وكيفية توظيفها للتطور التكنولوجي.
بعد أن استعرضنا في مقالات سابقة كيف اندمجت " قطرة الحبر" الرقمية مع الإذاعة، وكيف أبرم الأثير "صفقته الفاوستية" مع المنصات الرقمية، نصل في هذا المقال إلى مرحلة التحليل لنواكب، طوال يوم كامل، الحضور الرقمي لأكثر محطتين إذاعيتين استماعا في تونس: موزاييك أف أم (الخاصة) والإذاعة الوطنية (العمومية)، وذلك عبر منصات فيسبوك وأنستغرام وتيك توك واكس ويوتيوب وسبوتيفاي. فهل تحقّق الإذاعات التونسية "ولادة رقمية" فعليّة أم أنّها تقتصر على مجرد "إعادة تدوير" للأثير؟
موزاييك ومبدأ "التّرند"
تبدأ الرّحلة مع صفحة "موزاييك أف أم" على فيسبوك، بفقرة الأبراج المعتادة "دقيقة حظّ" تليها نشرة الأخبار الصباحية، ثم يتدفّق نشر الفقرات البرامجية تباعا من "أحلى صباح" إلى "صباح النّاس" ... وصولا إلى "Culture Plus"و "واحد من النّاس"...وغيرها من البرامج. وتتخلّل هذه الفيديوهات المتفرقة المواجيز والنشرات الإخبارية وأخبار الرياضة.
تقدم "موزاييك أف أم" هذه المحتويات الاذاعيّة على المنصّة بالطريقة نفسها على الأثير، مع فارق بسيط يتمثل في إضافة عنوان وبعض الهاشتاغات التي تهدف إلى توسيع دائرة الانتشار الرقمي. كما تضمّ الصفحة عددا من المقالات المنشورة على الموقع الإلكتروني للإذاعة، فضلا عن بعض الفيديوهات المُعدّة خصّيصا للمنصّات الرقمية والتي لم تتجاوز سبعة فيديوهات.
في يوم واحد، نشرت الإذاعة أكثر من الـ 60 فيديو و40 مقالا على صفحة فيسبوك وحدها، في استراتيجية بثّ رقمي تعتمد على " تجريف المحتوى الإذاعي" (Content Shoveling) مما يترك انطباعا بأنك أمام ماكينة لا تتوقّف عن ضخّ المحتويات الأثيريّة.
أمّا عن "الوقود الذي يحرّك هذا المحتوى بأنواعه، فيبدو أن الإذاعة تستند إلى مبدأ "التّرند". فقد ركّزت في هذا اليوم العالمي للإذاعة، بكلّ ثقلها التحريري، على قضيّة الاعتداء الجنسي على طفل الرّوضة ذي الثلاث سنوات التي طغت على كلّ المحتويات فانفجرت أرقام المشاهدات لتصل إلى 343 ألف مشاهدة لفيديو واحد و11 ألف تفاعل على مقال. إنّه فهم واضح لمنطق الخوارزميات الذي يكافئ التفاعل اللحظي ويجعل الإذاعة تبقى في الواجهة بأقل تكلفة إنتاجية.
الإذاعة الوطنية أسيرة وقار الأثير
في المُقابل، ظهرت الإذاعة الوطنية بوقارها المعهود، مطوّعة برامجها بالكامل للاحتفاء باليوم العالمي للإذاعة ومناقشة موضوعه لهذه السّنة "الإذاعة والذكاء الاصطناعي" بمهنية ومن زوايا عديدة ومتنوّعة. غير أنّ استراتيجيّتها الرّقميّة ظلت أسيرة البثّ الأثيري، اذ تخاطب جمهور الفيسبوك بوقار الأثير، تماما كمن "يغنّي بالعربية الفصحى في حفلة راب". وبالرغم من نشرها لأكثر من 40 فيديو وأربعين مقالا و13 cartons(الصور الثابتة)، غير بعيد عن أرقام موزاييك الخاصّة، لم يتجاوز التفاعل عتبة الـ400 نقرة مقابل آلاف التفاعلات لمنافستها.
قد يعود هذا الخيار، وخاصّة الصّور الثابتة، لغياب فريق تحريري رقمي متمكّن من أبعاد الثقافة البصريّة الرّقمية، كما قد يكون بسبب اعتقاد الإذاعة بأنّ "الجودة" تكفي وحدها لجذب الجمهور. غير أنّ هذه الاستراتيجية المعتمدة على "التحنيط الرّقمي" في عالم يلهث خلف الفيديو القصير، يجعل المحتوى العميق حبيس قوالب بصرية لا تجذب الخوارزميات، ويبرّر نفور الشباب من محتوى "هادف" لا يتكلم لغتهم البصرية الحركية.
بقية المنصّات: استراتيجيّات باهتة
عند الانتقال إلى "تيك توك" و "إنستغرام"، وهما منصتان شبابيتان بامتياز، نلاحظ حالة من "العطالة الرقمية" المشتركة. إذ تكاد المنصتان تكونان خارج اهتمامات الإذاعتين باستثناء محاولات خجولة لموزاييك (ستّة فيديوهات معدّلة شكليا فقط، اثنان منها من البث الأثيري والباقي من منصات عالمية (مرتبطة بحدث عالمي) مع ترجمة نصيّة إلى اللغة العربيّة.
أما الإذاعة الوطنية، فهي تتجاهل تماما "تيك توك"، وتعتمد على نشر الصور الثابتة (les cartons) ذاتها الموجودة على إنستغرام.
وفي إكس (تويتر سابقا)، يتحول الحضور الرّقمي إلى مجرّد لوحة إعلانات للموقع الإلكتروني لكلا الإذاعتين، دون استراتيجية ملائمة أو محتوى خاص بالمنصة، وحتى "يوتيوب" لم يسلم من هذا المنطق، حيث يستخدم أساسا كمستودع للفيديوهات الأثيرية الطويلة دون أي صناعة رقمية مخصّصة، مما يكرس فكرة "سكب المحتوى" بدلا من "إنتاجه"، ويجعل الحضور الرقمي مجرد صدى باهت للبث الأصلي.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة: الإذاعات الخاصّة والعموميّة، الأولى والأكثر انتشارا واستماعا في تونس بحسب الأرقام والاحصائيات، والتي تخصّص فضاء رقميا في هيكلها التنظيمي تعجز عن تكييف محتواها مع منطق المنصات وذلك رغم الضّجيج المتعالي عن تحوّلها الرقمي. فهي تنشر محتوياتها الأثيرية كما هي، بمدد قد تصل في بعض الأحيان إلى ما يقارب ساعة كاملة (51 دقيقة و57 دقيقة) – ما يعدّ مدّة "انتحارية" في عرف السوشيال ميديا.
وعموما، فرغم استناد "موزاييك" على "قوّة الحدث" واعتماد الإذاعة الوطنية على "رصانة المحتوى" في تناولهما للأحداث، إلا أنّ كلا الإذاعتين تفتقدان إلى "ذكاء المنصّة الرّقمي" وتمارسان ببراعة سياسة "تجريف المحتوى"، دون اهتمام بالمنطق الخاص بكل منصة.
يتطلب الإنتاج الرقمي الفعلي محتوى يتم تصميمه خصيصا للمنصات، ولكن ما يتم تقديمه في الواقع لا يتجاوز " التعديلات البسيطة" مثل قصّ الفيديوهات طوليا أو إضافة نص أو ترجمة. لا يوجد محتوى مُصمم خصيصاً لمنصات "تيك توك" أو "إنستغرام" و"يوتيوب"، كما أنّ استراتيجية استخدام " إكس" حوّلته مجرد لوحة إعلانات للموقع الإلكتروني.
سبوتيفاي: الصّوت المهمل
في عصر تُسيطر فيه الصورة على كل شيء، تظلّ الإذاعة في جوهرها وسيلة صوتية –سمعية بحتة، ومنصّات البثّ الصّوتي، مثل سبوتيفاي، تشكل البيت الطبيعي للأثير، حيث يمكن للكلمة أن تتحرّر من قيود الصّورة، وتحقّق ما وصفه "والتر أونج: بـ"الشفهية الثانوية" – أي عودة الشفاهية في قالب إلكتروني جديد.
عند زيارة "سبوتيفاي"، تتضح الفجوة الاستراتيجيّة يشكل جليّ. فالإذاعتان الأكثر استماعا في تونس لم تُجدّدا حساباتهما على المنصّة منذ أفريل الماضي. أي ما يقارب عاما كاملا من الصّمت الرّقمي في المنصّة التي تعدّ الأنسب لطبيعتهما الصوتية. هذه مفارقة غريبة: الإذاعات التّونسيّة الأكثر متابعة تنشغل بالصورة عبر فيسبوك وأنستغرام، بينما تترك المنصّة السمعيّة الأكثر ملاءمة لطبيعتها السّمعيّة (سبوتيفاي) مهجورة.
ولعلّ ذلك يجسّد بوضوح "قانون القلب لماكلوهان، حيث تتحوّل الوسيلة السّمعية لتبحث عن تموقعها في فضاء الصورة وهندسة وجودها عبر العين لا الأذن، بينما تظلّ المنصّات الصّوتية في انتظار من يملأها بمحتوى يتجاوز منطق الاستهلاك البصري السّريع.
هل الإذاعات التونسية بخير؟
تُشير أرقام المتابعات عبر المنصات الرقمية – مع آلاف المشاهدات والتفاعلات – إلى أنّ الإذاعة في وضع جيد، لكن الخطر الحقيقي يكمن في هويتها.
فمن خلال هذه "المعركة الرقمية"، تتفوق "موزاييك أف أم" من خلال محتوى سريع وعاطفي، حيث تبرَع في تطبيق سياسية "تجريف المحتوى" لضمان التفاعل اللحظي، حتى أنّها تكاد تحوّل منصّاتها إلى "وكالة أنباء بصرية" ممّا قد يفقدها خصوصيتها السمعية.
وفي المقابل، تربح الإذاعة الوطنية "معركة المضمون" بوقار وهدوء، لكنّها تخاطب جمهورا بلغة لا يتقنها: لغة الأثير في فضاء الشّاشة. ثمّ تنتظر تفاعلا لا يأتي، وتستغرب نفور الشباب من محتوى هادف وجيد، دون أن تسأل: كيف يصل المحتوى إلى جمهور لا نكلف أنفسنا عناء البحث عن لغته واهتماماته على هذه المنصّات؟
"إعادة النشر" نموذج للمقاومة المؤسّساتية
لعلّ الدرس المستفاد من خلال متابعة منصات الإذاعة في يوم 13 فيفري 2026 هو أن الإذاعة التونسية لم تعد تُسمع فقط، بل أصبحت تُتصفّح. ورغم ملايين المتابعات وآلاف التفاعلات، يبقى المحتوى المنشور مجرد "إعادة تدوير للأثير"، بدلا من أن يكون إنتاجا رقميا مخصّصا للمنصات، وهذا يجسّد بوضوح ما يسمّى بـ "نموذج إعادة النّشر". ووفقا لبابلو بوكوسفكي، فإن هذا النموذج يمثل الاستجابة الأوّليّة والأقلّ كلفة لنقل المحتوى التقليدي للمنصّات الرّقميّة دون إعادة تصميمه، وهو سائد لأسباب اقتصادية وتنظيميّة تعكس مقاومة المؤسّسات للتغيير الجذري.
وحتّى يتحقّق هذا التغيير بإنتاج حقيقي مصمم خصيصا للمنصّات وجمهورها ولغتها، سيظل من الصعب الحديث عن ولادة إذاعة رقمية حقيقية في تونس، تفهم لغة العصر وتتفاعل معها من موقع السيادة، لا من موقع التبعية لسياسات "سكب المحتوى" التي تقيّد الإبداع الإذاعي في قوالب الشاشات الضيقة.
بقلم : د.حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الاعلام والاتصال
"إن الابتكار التقني لا يملي بالضرورة تحولا في الممارسة، فالمؤسسات الإعلامية تميل غالبا إلى إعادة إنتاج هياكلها وثقافاتها القديمة داخل الوسائط الجديدة، مما يجعل 'الرقمي' مجرد مرآة للتقليدي."
بابلو بوكوفسكي (Pablo Boczkowski)، (Digitizing the News: Innovation in Online Newspapers، 2004
كان ذلك يوم الجمعة 13 فيفري 2026، وبينما كان العالم يحتفي باليوم العالمي للإذاعة تحت شعار "الإذاعة والذكاء الاصطناعي"، كانت الإذاعات التونسية تروي قصّة جديدة عن هندسة وجودها على الفضاءات الرقمية وكيفية توظيفها للتطور التكنولوجي.
بعد أن استعرضنا في مقالات سابقة كيف اندمجت " قطرة الحبر" الرقمية مع الإذاعة، وكيف أبرم الأثير "صفقته الفاوستية" مع المنصات الرقمية، نصل في هذا المقال إلى مرحلة التحليل لنواكب، طوال يوم كامل، الحضور الرقمي لأكثر محطتين إذاعيتين استماعا في تونس: موزاييك أف أم (الخاصة) والإذاعة الوطنية (العمومية)، وذلك عبر منصات فيسبوك وأنستغرام وتيك توك واكس ويوتيوب وسبوتيفاي. فهل تحقّق الإذاعات التونسية "ولادة رقمية" فعليّة أم أنّها تقتصر على مجرد "إعادة تدوير" للأثير؟
موزاييك ومبدأ "التّرند"
تبدأ الرّحلة مع صفحة "موزاييك أف أم" على فيسبوك، بفقرة الأبراج المعتادة "دقيقة حظّ" تليها نشرة الأخبار الصباحية، ثم يتدفّق نشر الفقرات البرامجية تباعا من "أحلى صباح" إلى "صباح النّاس" ... وصولا إلى "Culture Plus"و "واحد من النّاس"...وغيرها من البرامج. وتتخلّل هذه الفيديوهات المتفرقة المواجيز والنشرات الإخبارية وأخبار الرياضة.
تقدم "موزاييك أف أم" هذه المحتويات الاذاعيّة على المنصّة بالطريقة نفسها على الأثير، مع فارق بسيط يتمثل في إضافة عنوان وبعض الهاشتاغات التي تهدف إلى توسيع دائرة الانتشار الرقمي. كما تضمّ الصفحة عددا من المقالات المنشورة على الموقع الإلكتروني للإذاعة، فضلا عن بعض الفيديوهات المُعدّة خصّيصا للمنصّات الرقمية والتي لم تتجاوز سبعة فيديوهات.
في يوم واحد، نشرت الإذاعة أكثر من الـ 60 فيديو و40 مقالا على صفحة فيسبوك وحدها، في استراتيجية بثّ رقمي تعتمد على " تجريف المحتوى الإذاعي" (Content Shoveling) مما يترك انطباعا بأنك أمام ماكينة لا تتوقّف عن ضخّ المحتويات الأثيريّة.
أمّا عن "الوقود الذي يحرّك هذا المحتوى بأنواعه، فيبدو أن الإذاعة تستند إلى مبدأ "التّرند". فقد ركّزت في هذا اليوم العالمي للإذاعة، بكلّ ثقلها التحريري، على قضيّة الاعتداء الجنسي على طفل الرّوضة ذي الثلاث سنوات التي طغت على كلّ المحتويات فانفجرت أرقام المشاهدات لتصل إلى 343 ألف مشاهدة لفيديو واحد و11 ألف تفاعل على مقال. إنّه فهم واضح لمنطق الخوارزميات الذي يكافئ التفاعل اللحظي ويجعل الإذاعة تبقى في الواجهة بأقل تكلفة إنتاجية.
الإذاعة الوطنية أسيرة وقار الأثير
في المُقابل، ظهرت الإذاعة الوطنية بوقارها المعهود، مطوّعة برامجها بالكامل للاحتفاء باليوم العالمي للإذاعة ومناقشة موضوعه لهذه السّنة "الإذاعة والذكاء الاصطناعي" بمهنية ومن زوايا عديدة ومتنوّعة. غير أنّ استراتيجيّتها الرّقميّة ظلت أسيرة البثّ الأثيري، اذ تخاطب جمهور الفيسبوك بوقار الأثير، تماما كمن "يغنّي بالعربية الفصحى في حفلة راب". وبالرغم من نشرها لأكثر من 40 فيديو وأربعين مقالا و13 cartons(الصور الثابتة)، غير بعيد عن أرقام موزاييك الخاصّة، لم يتجاوز التفاعل عتبة الـ400 نقرة مقابل آلاف التفاعلات لمنافستها.
قد يعود هذا الخيار، وخاصّة الصّور الثابتة، لغياب فريق تحريري رقمي متمكّن من أبعاد الثقافة البصريّة الرّقمية، كما قد يكون بسبب اعتقاد الإذاعة بأنّ "الجودة" تكفي وحدها لجذب الجمهور. غير أنّ هذه الاستراتيجية المعتمدة على "التحنيط الرّقمي" في عالم يلهث خلف الفيديو القصير، يجعل المحتوى العميق حبيس قوالب بصرية لا تجذب الخوارزميات، ويبرّر نفور الشباب من محتوى "هادف" لا يتكلم لغتهم البصرية الحركية.
بقية المنصّات: استراتيجيّات باهتة
عند الانتقال إلى "تيك توك" و "إنستغرام"، وهما منصتان شبابيتان بامتياز، نلاحظ حالة من "العطالة الرقمية" المشتركة. إذ تكاد المنصتان تكونان خارج اهتمامات الإذاعتين باستثناء محاولات خجولة لموزاييك (ستّة فيديوهات معدّلة شكليا فقط، اثنان منها من البث الأثيري والباقي من منصات عالمية (مرتبطة بحدث عالمي) مع ترجمة نصيّة إلى اللغة العربيّة.
أما الإذاعة الوطنية، فهي تتجاهل تماما "تيك توك"، وتعتمد على نشر الصور الثابتة (les cartons) ذاتها الموجودة على إنستغرام.
وفي إكس (تويتر سابقا)، يتحول الحضور الرّقمي إلى مجرّد لوحة إعلانات للموقع الإلكتروني لكلا الإذاعتين، دون استراتيجية ملائمة أو محتوى خاص بالمنصة، وحتى "يوتيوب" لم يسلم من هذا المنطق، حيث يستخدم أساسا كمستودع للفيديوهات الأثيرية الطويلة دون أي صناعة رقمية مخصّصة، مما يكرس فكرة "سكب المحتوى" بدلا من "إنتاجه"، ويجعل الحضور الرقمي مجرد صدى باهت للبث الأصلي.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة: الإذاعات الخاصّة والعموميّة، الأولى والأكثر انتشارا واستماعا في تونس بحسب الأرقام والاحصائيات، والتي تخصّص فضاء رقميا في هيكلها التنظيمي تعجز عن تكييف محتواها مع منطق المنصات وذلك رغم الضّجيج المتعالي عن تحوّلها الرقمي. فهي تنشر محتوياتها الأثيرية كما هي، بمدد قد تصل في بعض الأحيان إلى ما يقارب ساعة كاملة (51 دقيقة و57 دقيقة) – ما يعدّ مدّة "انتحارية" في عرف السوشيال ميديا.
وعموما، فرغم استناد "موزاييك" على "قوّة الحدث" واعتماد الإذاعة الوطنية على "رصانة المحتوى" في تناولهما للأحداث، إلا أنّ كلا الإذاعتين تفتقدان إلى "ذكاء المنصّة الرّقمي" وتمارسان ببراعة سياسة "تجريف المحتوى"، دون اهتمام بالمنطق الخاص بكل منصة.
يتطلب الإنتاج الرقمي الفعلي محتوى يتم تصميمه خصيصا للمنصات، ولكن ما يتم تقديمه في الواقع لا يتجاوز " التعديلات البسيطة" مثل قصّ الفيديوهات طوليا أو إضافة نص أو ترجمة. لا يوجد محتوى مُصمم خصيصاً لمنصات "تيك توك" أو "إنستغرام" و"يوتيوب"، كما أنّ استراتيجية استخدام " إكس" حوّلته مجرد لوحة إعلانات للموقع الإلكتروني.
سبوتيفاي: الصّوت المهمل
في عصر تُسيطر فيه الصورة على كل شيء، تظلّ الإذاعة في جوهرها وسيلة صوتية –سمعية بحتة، ومنصّات البثّ الصّوتي، مثل سبوتيفاي، تشكل البيت الطبيعي للأثير، حيث يمكن للكلمة أن تتحرّر من قيود الصّورة، وتحقّق ما وصفه "والتر أونج: بـ"الشفهية الثانوية" – أي عودة الشفاهية في قالب إلكتروني جديد.
عند زيارة "سبوتيفاي"، تتضح الفجوة الاستراتيجيّة يشكل جليّ. فالإذاعتان الأكثر استماعا في تونس لم تُجدّدا حساباتهما على المنصّة منذ أفريل الماضي. أي ما يقارب عاما كاملا من الصّمت الرّقمي في المنصّة التي تعدّ الأنسب لطبيعتهما الصوتية. هذه مفارقة غريبة: الإذاعات التّونسيّة الأكثر متابعة تنشغل بالصورة عبر فيسبوك وأنستغرام، بينما تترك المنصّة السمعيّة الأكثر ملاءمة لطبيعتها السّمعيّة (سبوتيفاي) مهجورة.
ولعلّ ذلك يجسّد بوضوح "قانون القلب لماكلوهان، حيث تتحوّل الوسيلة السّمعية لتبحث عن تموقعها في فضاء الصورة وهندسة وجودها عبر العين لا الأذن، بينما تظلّ المنصّات الصّوتية في انتظار من يملأها بمحتوى يتجاوز منطق الاستهلاك البصري السّريع.
هل الإذاعات التونسية بخير؟
تُشير أرقام المتابعات عبر المنصات الرقمية – مع آلاف المشاهدات والتفاعلات – إلى أنّ الإذاعة في وضع جيد، لكن الخطر الحقيقي يكمن في هويتها.
فمن خلال هذه "المعركة الرقمية"، تتفوق "موزاييك أف أم" من خلال محتوى سريع وعاطفي، حيث تبرَع في تطبيق سياسية "تجريف المحتوى" لضمان التفاعل اللحظي، حتى أنّها تكاد تحوّل منصّاتها إلى "وكالة أنباء بصرية" ممّا قد يفقدها خصوصيتها السمعية.
وفي المقابل، تربح الإذاعة الوطنية "معركة المضمون" بوقار وهدوء، لكنّها تخاطب جمهورا بلغة لا يتقنها: لغة الأثير في فضاء الشّاشة. ثمّ تنتظر تفاعلا لا يأتي، وتستغرب نفور الشباب من محتوى هادف وجيد، دون أن تسأل: كيف يصل المحتوى إلى جمهور لا نكلف أنفسنا عناء البحث عن لغته واهتماماته على هذه المنصّات؟
"إعادة النشر" نموذج للمقاومة المؤسّساتية
لعلّ الدرس المستفاد من خلال متابعة منصات الإذاعة في يوم 13 فيفري 2026 هو أن الإذاعة التونسية لم تعد تُسمع فقط، بل أصبحت تُتصفّح. ورغم ملايين المتابعات وآلاف التفاعلات، يبقى المحتوى المنشور مجرد "إعادة تدوير للأثير"، بدلا من أن يكون إنتاجا رقميا مخصّصا للمنصات، وهذا يجسّد بوضوح ما يسمّى بـ "نموذج إعادة النّشر". ووفقا لبابلو بوكوسفكي، فإن هذا النموذج يمثل الاستجابة الأوّليّة والأقلّ كلفة لنقل المحتوى التقليدي للمنصّات الرّقميّة دون إعادة تصميمه، وهو سائد لأسباب اقتصادية وتنظيميّة تعكس مقاومة المؤسّسات للتغيير الجذري.
وحتّى يتحقّق هذا التغيير بإنتاج حقيقي مصمم خصيصا للمنصّات وجمهورها ولغتها، سيظل من الصعب الحديث عن ولادة إذاعة رقمية حقيقية في تونس، تفهم لغة العصر وتتفاعل معها من موقع السيادة، لا من موقع التبعية لسياسات "سكب المحتوى" التي تقيّد الإبداع الإذاعي في قوالب الشاشات الضيقة.