إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

العنف في المؤسسات التربوية ومحيطها.. ظاهرة تتفاقم ومسؤولية مشتركة في الحدّ منها

-51 % من أحداث العنف المدرسي مصدرها أفراد من خارج المدرسة

اقتحم شخص مسلح، أول أمس، ساحة أحد المعاهد المتواجدة بمنطقة الزهروني بالعاصمة تونس، ما خلق حالة من الهلع والخوف في صفوف التلاميذ والإطار التربوي. وقد تعمد صفع أستاذ وإهانة آخر والتلفظ بكلام بذيء. وهذه الحادثة تأتي بعد سلسلة من الأحداث المشابهة التي تصنف في خانة العنف في المؤسسات التربوية ومحيطها، وباتت تشكل تهديدا للتلاميذ والإطار التربوي وظروف الدراسة.

قبل ذلك بأيام، شهد معهد الطيب المهيري بسيدي بوزيد حادثة اقتحام من قبل ولية لأحد الأقسام، بنيّة الاعتداء على تلميذ. وعند تدخل الأستاذ، قامت بضربه باستخدام سخان كهربائي كان يستعمله لإجراء تجربة، ما تسبب له في أضرار بدنية، تم نقله على إثرها إلى المستشفى.

وفي نفس الشهر، شهد أحد المعاهد بولاية توزر حادثة اعتداء على تلميذة من قبل زميلاتها في نفس المعهد. كما تعطلت الدروس في معهد حي الشباب بقفصة طيلة الفترة الصباحية بسبب اعتداء ولي أحد التلاميذ على القيم العام. بالإضافة إلى ذلك، أذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالاحتفاظ بمعلم على خلفية تقدم مجموعة من الأولياء بشكاية لفرقة جرائم العنف ضد المرأة والطفل بقرطاج بعد إفادة عدد من التلاميذ بتعرضهم لأفعال تحرش وسوء معاملة داخل إحدى المؤسسات التربوية. هذه جملة من الأحداث التي جعلت العنف داخل المؤسسات التربوية ومحيطها يتحول من حوادث معزول إلى ظاهرة قائمة الذات.. فلا يكاد يمر شهر دون تسجيل عدد من الاعتداءات التي تشمل جميع الأطراف المتداخلة في الشأن التربوي من تلاميذ وإطارات تربوية وشبه تربوية وأولياء وحراس.

هذه الظاهرة أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه منظومة التعليم والبيئة الاجتماعية المحيطة بالمدارس والمعاهد. ورغم الجهود المبذولة منذ سنوات والإجراءات التي تم اتخاذها بهدف الحد من الظاهرة، لا يزال الوسط المدرسي يعيش توترات متجددة تتراوح بين العنف اللفظي والمادي والتحرش والتنمر وسوء المعاملة. وتزداد الظاهرة حدة كلما تراجع الدور الوقائي للمؤسسات وضعفت قدرة الهياكل على التبليغ والمتابعة. وفي تشخيص للظاهرة، تكشف آخر الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية في نهاية السنة الفارطة 2025، عن ارتفاع واضح في منسوب العنف في المحيط المدرسي. حيث أفادت رئيسة الإدارة الفرعية للوقاية الاجتماعية بإدارة الشرطة العدلية ورئيسة فريق العمل المكلف بإعداد وإنجاز ورشة مكافحة العنف في الفضاءات المدرسية وفي محيط المؤسسات التربوية، بأن 550 طفلا كانوا ضحايا لأعمال عنف داخل الفضاء التربوي أو في محيطه في ولايات تونس الكبرى، مقابل 230 طفلا قاموا بممارسة العنف. وتحتل ولايات تونس الكبرى على المستوى الوطني نسبة 20 % من حيث المتضرّرين، و14 % من حيث القائمين بأعمال العنف داخل المؤسسات التربوية أو في محيطها. وتقول نفس الدراسة إن حالات العنف في الوسط المدرسي قد سجلت ارتفاعا بنسبة 19 % بين سنتي 2023 و2024، وتعتبر أن هذه الظاهرة تهدد المنظومة التربوية والمجتمع ككل. العنف لا يعد «حادثا فرديا»، حسب الباحثة في علم الاجتماع نجاة عرعاري، بل هو مؤشر اجتماعي يدل على توتر شامل في علاقة المجتمع بالمدرسة. ومنه يتم إعادة إنتاج علاقات الهيمنة بين المربي والتلميذ، والعائلة والمدرسة، والولي والتلميذ. ولا يجعل ذلك الظاهرة معزولة أو هامشية، بل تؤثر بشكل مباشر على سلامة التلاميذ والمربين وجودة العملية التربوية نفسها.

وكشف كاتب عام جامعة التعليم الثانوي، محمد الصافي، عن تسجيل ما معدله 24 ألف حالة عنف سنويا داخل المؤسسات التربوية، وهو رقم يضع الفضاء التربوي ومحيطه في موقع يتجاوز كل الخطوط الحمراء. وتفيد نتائج استطلاع رأي أعده الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري أن 51 % من أحداث العنف المدرسي مصدرها أفراد من خارج المدرسة. وتوزع مصادر أحداث العنف الجسدية المسجلة داخل المدرسة على 55 % من قبل التلاميذ، و27 % من قبل الإطار التربوي، و18 % من قبل الإطار الإداري. كما تفيد نفس الدراسة أن العنف من شأنه أن يخلق النفور من التعليم ويغذي التسرب المدرسي، حيث أن 71 % من الشباب المتسرب ذكروا أن أحد أسباب انقطاعهم عن الدراسة هو أنهم لم يعودوا يشعرون بالراحة في البيئة العامة بالمدرسة. وصرح حوالي 80 % منهم أنهم تعرضوا للعنف الجسدي أو اللفظي داخل الفضاء المدرسي.

ريم سوودي

العنف في المؤسسات التربوية ومحيطها..   ظاهرة تتفاقم ومسؤولية مشتركة في الحدّ منها

-51 % من أحداث العنف المدرسي مصدرها أفراد من خارج المدرسة

اقتحم شخص مسلح، أول أمس، ساحة أحد المعاهد المتواجدة بمنطقة الزهروني بالعاصمة تونس، ما خلق حالة من الهلع والخوف في صفوف التلاميذ والإطار التربوي. وقد تعمد صفع أستاذ وإهانة آخر والتلفظ بكلام بذيء. وهذه الحادثة تأتي بعد سلسلة من الأحداث المشابهة التي تصنف في خانة العنف في المؤسسات التربوية ومحيطها، وباتت تشكل تهديدا للتلاميذ والإطار التربوي وظروف الدراسة.

قبل ذلك بأيام، شهد معهد الطيب المهيري بسيدي بوزيد حادثة اقتحام من قبل ولية لأحد الأقسام، بنيّة الاعتداء على تلميذ. وعند تدخل الأستاذ، قامت بضربه باستخدام سخان كهربائي كان يستعمله لإجراء تجربة، ما تسبب له في أضرار بدنية، تم نقله على إثرها إلى المستشفى.

وفي نفس الشهر، شهد أحد المعاهد بولاية توزر حادثة اعتداء على تلميذة من قبل زميلاتها في نفس المعهد. كما تعطلت الدروس في معهد حي الشباب بقفصة طيلة الفترة الصباحية بسبب اعتداء ولي أحد التلاميذ على القيم العام. بالإضافة إلى ذلك، أذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالاحتفاظ بمعلم على خلفية تقدم مجموعة من الأولياء بشكاية لفرقة جرائم العنف ضد المرأة والطفل بقرطاج بعد إفادة عدد من التلاميذ بتعرضهم لأفعال تحرش وسوء معاملة داخل إحدى المؤسسات التربوية. هذه جملة من الأحداث التي جعلت العنف داخل المؤسسات التربوية ومحيطها يتحول من حوادث معزول إلى ظاهرة قائمة الذات.. فلا يكاد يمر شهر دون تسجيل عدد من الاعتداءات التي تشمل جميع الأطراف المتداخلة في الشأن التربوي من تلاميذ وإطارات تربوية وشبه تربوية وأولياء وحراس.

هذه الظاهرة أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه منظومة التعليم والبيئة الاجتماعية المحيطة بالمدارس والمعاهد. ورغم الجهود المبذولة منذ سنوات والإجراءات التي تم اتخاذها بهدف الحد من الظاهرة، لا يزال الوسط المدرسي يعيش توترات متجددة تتراوح بين العنف اللفظي والمادي والتحرش والتنمر وسوء المعاملة. وتزداد الظاهرة حدة كلما تراجع الدور الوقائي للمؤسسات وضعفت قدرة الهياكل على التبليغ والمتابعة. وفي تشخيص للظاهرة، تكشف آخر الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية في نهاية السنة الفارطة 2025، عن ارتفاع واضح في منسوب العنف في المحيط المدرسي. حيث أفادت رئيسة الإدارة الفرعية للوقاية الاجتماعية بإدارة الشرطة العدلية ورئيسة فريق العمل المكلف بإعداد وإنجاز ورشة مكافحة العنف في الفضاءات المدرسية وفي محيط المؤسسات التربوية، بأن 550 طفلا كانوا ضحايا لأعمال عنف داخل الفضاء التربوي أو في محيطه في ولايات تونس الكبرى، مقابل 230 طفلا قاموا بممارسة العنف. وتحتل ولايات تونس الكبرى على المستوى الوطني نسبة 20 % من حيث المتضرّرين، و14 % من حيث القائمين بأعمال العنف داخل المؤسسات التربوية أو في محيطها. وتقول نفس الدراسة إن حالات العنف في الوسط المدرسي قد سجلت ارتفاعا بنسبة 19 % بين سنتي 2023 و2024، وتعتبر أن هذه الظاهرة تهدد المنظومة التربوية والمجتمع ككل. العنف لا يعد «حادثا فرديا»، حسب الباحثة في علم الاجتماع نجاة عرعاري، بل هو مؤشر اجتماعي يدل على توتر شامل في علاقة المجتمع بالمدرسة. ومنه يتم إعادة إنتاج علاقات الهيمنة بين المربي والتلميذ، والعائلة والمدرسة، والولي والتلميذ. ولا يجعل ذلك الظاهرة معزولة أو هامشية، بل تؤثر بشكل مباشر على سلامة التلاميذ والمربين وجودة العملية التربوية نفسها.

وكشف كاتب عام جامعة التعليم الثانوي، محمد الصافي، عن تسجيل ما معدله 24 ألف حالة عنف سنويا داخل المؤسسات التربوية، وهو رقم يضع الفضاء التربوي ومحيطه في موقع يتجاوز كل الخطوط الحمراء. وتفيد نتائج استطلاع رأي أعده الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري أن 51 % من أحداث العنف المدرسي مصدرها أفراد من خارج المدرسة. وتوزع مصادر أحداث العنف الجسدية المسجلة داخل المدرسة على 55 % من قبل التلاميذ، و27 % من قبل الإطار التربوي، و18 % من قبل الإطار الإداري. كما تفيد نفس الدراسة أن العنف من شأنه أن يخلق النفور من التعليم ويغذي التسرب المدرسي، حيث أن 71 % من الشباب المتسرب ذكروا أن أحد أسباب انقطاعهم عن الدراسة هو أنهم لم يعودوا يشعرون بالراحة في البيئة العامة بالمدرسة. وصرح حوالي 80 % منهم أنهم تعرضوا للعنف الجسدي أو اللفظي داخل الفضاء المدرسي.

ريم سوودي