إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

عشرات العروض وأكثر من 100 عرائسي وحضور دولي مكثف في الدورة الجديدة.. أيام قرطاج لفنون العرائس بين سؤال الاستمرارية ورهان المستقبل

 

  • المركز الوطني لفن العرائس وخمسون سنة على تشكّله ونصف قرن من تحريك الذاكرة والخيال
  • الدورة الجديدة تحمل اسم الفنان عبد العزيز الميموني، تكريما لمسار طويل من العمل داخل المركز الوطني لفن العرائس
  • في البرنامج أيضًا عروض تنشيطية وسيرك وموسيقى، في محاولة لإبراز تعددية هذا الفن وتقاطعه مع أشكال تعبيرية أخرى.
  • الصين لأول مرة في هذه التظاهرة عبر أربعة عروض خارجية موجهة للأطفال

لا تأتي الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس بوصفها محطة دورية عادية في رزنامة التظاهرات الثقافية التونسية، بل تفرض نفسها كحدث مركزي محمّل بأسئلة الذاكرة والهوية والاستمرارية، في لحظة يحتفل فيها المركز الوطني لفن العرائس بمرور خمسين سنة على تشكّله وتحوّله إلى أحد أبرز الفضاءات التي احتضنت فنون التحريك و»الماريونات» في تونس. خمسون عاما لم تكن مجرد تراكم زمني، بل مسارا متشابكا من التجارب والاختيارات والرهانات، جعل من فن العرائس ممارسة ثقافية قائمة بذاتها، قادرة على تجاوز التصنيفات الجاهزة التي تحصرها في خانة الفرجة الطفولية أو النشاط الهامشي.

في هذا السياق، تنتظم الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس من 1 إلى 8 فيفري 2026، ببرمجة مكثفة، تم تقديمها أمس الاثنين 26 جانفي 2026 بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، وتضم أكثر من 38 عرضا، من بينها 21 عرضا عربيا وأجنبيا و12 عرضا تونسيا، إلى جانب عروض تنشيطية وسيرك وموسيقى، في محاولة واضحة لإبراز تعددية هذا الفن وتقاطعه مع أشكال تعبيرية أخرى.

ويشارك في هذه الدورة أكثر من 100 عرائسي قادمين من 16 دولة تمثلها 17 فرقة عربية وأجنبية، تشمل الجزائر وليبيا ومصر وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وتركيا وهولندا ورومانيا وبولندا واليونان ومالطا والسنغال، إضافة إلى الصين التي تحضر لأول مرة في هذه التظاهرة عبر أربعة عروض خارجية موجهة للأطفال، في حضور يوسّع أفق التظاهرة ويؤكد بعدها الدولي.

غير أن كثافة الأرقام وتنوع الجنسيات لا تشكّل في حد ذاتها جوهر هذه الدورة، بقدر ما تكمن أهميتها في الرؤية التي تحكمها، وهي رؤية عبّر عنها عماد المديوني، المدير العام للمركز الوطني لفن العرائس ومدير الدورة، حين شدّد على أن فن العرائس ليس مجرد أداة ترفيه، بل لغة إنسانية شفافة قادرة على أن تُمتع وتُؤنس وتُربي، وفي الآن ذاته تُقاوم النسيان. هذا التصور يعيد وضع فن العرائس في قلب النقاش الثقافي، باعتباره سجلا حيا للذاكرة الشعبية ومختبرا للأحلام ومرآة ناعمة تعكس تحولات الواقع الإنساني، لا بوصفه فنًا تابعًا أو ثانويًا.

وانطلاقًا من هذا التوجه، اختار منظمو الدورة السابعة تقديم برنامج يستهدف مختلف الفئات العمرية، في خطوة تحمل دلالة ثقافية واضحة، حيث تمت برمجة 30 عرضًا للأطفال والعائلة، و6 عروض موجهة للكهول، إضافة إلى 6 عروض هواة و3 عروض موسيقية. هذا التوزيع يعكس سعيًا واعيًا إلى كسر القطيعة بين الأجيال، وإلى إعادة الاعتبار لفن العرائس كفن جامع، قادر على مخاطبة الطفل والبالغ في آن واحد. كما تفتح المنصة الحرة يوميًا على الساعة الثانية بعد الظهر ببهو مدينة الثقافة، لتكون فضاءً مفتوحًا للهواة والراغبين في التجريب والمشاركة، في تكريس لمفهوم الانفتاح وإتاحة الفرصة أمام الأصوات الجديدة.

وتكتسب هذه الدورة بعدا رمزيا إضافيا من خلال حملها اسم الفنان عبد العزيز الميموني، تكريما لمسار طويل من العمل داخل المركز الوطني لفن العرائس، سواء على المستوى الإداري أو الفني، وهو اختيار يعكس حرص القائمين على التظاهرة على تثمين الذاكرة المهنية والاعتراف بالأجيال التي ساهمت في بناء هذا الصرح الثقافي. ويتعزز هذا المنحى التكريمي عبر الاحتفاء بثلاث شخصيات تونسية كان لها دور محوري في نشأة المركز وتواصل نشاطه، وهي المديرة العامة السابقة منية العبيدي المسعدي، والعرائسية حبيبة الجندوبي، والفنان وأستاذ التربية المسرحية قاسم إسماعيل الشرميطي، في لحظة استعادة لمسارات فردية التقت جميعها عند خدمة فن العرائس وترسيخ حضوره.

وتنطلق فعاليات هذه الدورة يوم الأحد 1 فيفري ببرنامج افتتاحي يخرج بفن العرائس من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام، عبر عروض شارع أمام المسرح البلدي بالعاصمة، يتبعها كرنفال يجوب شارع الحبيب بورقيبة وشارع محمد الخامس في اتجاه مدينة الثقافة، في مشهد احتفالي يعيد الفن إلى قلب المدينة ويكرّس بعده الجماهيري.

كما سيشهد الافتتاح تقديم العرض العرائسي التونسي “الكبوط”، من إخراج أمير العيوني وإنتاج المركز الوطني لفن العرائس، وهو عمل يندرج ضمن فئة عرائس الطاولة، إلى جانب عرض شريط وثائقي يعود على تاريخ المركز الوطني لفن العرائس ومساره على امتداد خمسين سنة، في قراءة بصرية لذاكرة مؤسسة ثقافية لعبت دورا محوريا في المشهد الفني التونسي.

ولا تقتصر فعاليات هذه الدورة على الفضاءات المركزية في العاصمة، بل تمتد إلى عدد من الفضاءات داخل تونس الكبرى وخارجها، حيث تحتضن مدينة الثقافة الشاذلي القليبي جزءا هاما من العروض والأنشطة، فيما تستقبل دار المسرحي بباردو أغلب العروض التونسية، إضافة إلى فضاءات أخرى مثل قرى الأطفال SOS «بقمرت وقلعة الأندلس بأريانة»، فضلا عن ولايات باجة وجندوبة والمهدية والمنستير، التي ستشهد بدورها عروضا وورشات تونسية وأجنبية. هذا الامتداد الجغرافي لا يُقرأ فقط كخيار تنظيمي، بل كرهان ثقافي يهدف إلى كسر مركزية الفعل الثقافي وإعادة توزيع العروض والمعرفة على مختلف الجهات، في انسجام مع سؤال المركز والهامش الذي يطرحه المهرجان ضمن برامجه الفكرية.

ويحتل البعد النظري والبحثي مكانة أساسية في هذه الدورة، من خلال تنظيم ندوتين علميتين تواكبان العروض الفنية وتفتحان نقاشًا معمقًا حول موقع فن العرائس اليوم. الندوة الأولى تتناول موضوع “فن العرائس بين التراث اللامادي والاقتصاد الإبداعي”، ويديرها رياض الزمال، بمداخلات لكل من وسام غرس الله وسلوى عبد الخالق من تونس، ورضا حسنين من مصر، وعدنان سلوم من سوريا، حيث يُطرح هذا الفن كجسر بين الذاكرة والتراث من جهة، وإمكانات الاستثمار الثقافي والصناعات الإبداعية من جهة أخرى. أما الندوة الثانية فتتمحور حول سؤال “المركز والهامش في فن العرائس: هل يمكن للعرائس أن تعيد رسم الخارطة الثقافية؟” بمشاركة إيمان الصامت ويوسف مارس من تونس، وعبد الحميد حسني من مصر، ويديرها حاتم دربال، في نقاش يتجاوز الإطار الفني ليطرح قضايا العدالة الثقافية وتوزيع الفعل الإبداعي.

ويتعزز هذا البعد الفكري بمسار تكويني مكثف، حيث تحتضن الدورة عددا هاما من الورشات الفنية والماستر كلاس، يستفيد منها طلبة المعهد العالي للفن المسرحي وعددهم 15، من بينها ورشة “البيتو” مع البلجيكي كوينتان شافريات، وورشة “امنح قناعك الحياة” مع التونسية أصالة النجار، وورشة تحريك العرائس مع الثنائي المالطي بيار ستافراس وليليانا بورتلي، وورشة الأقنعة مع الجزائري عقبة فرحات الموجهة إلى إطارات الطفولة بمنوبة، إلى جانب ورشات أخرى تغطي تقنيات وأساليب متعددة في فنون التحريك.

أما الماستر كلاس، وعددها خمسة، فتغوص في تجارب فنية متنوعة، من بينها تجربة الفنان التونسي الهادي كريسعان، الذي يشرف أيضًا على إقامة فنية في تقنيات خيال الظل البشري انطلقت يوم 19 جانفي وتتواصل إلى غاية 31 من الشهر نفسه، إضافة إلى ماستر كلاس “الكتابة البصرية وبناء الدراماتورجيا في العروض غير الناطقة” مع الفرنسية إليز فينيوغون، و”الممارسة والإبداع والتسيير: واقع فنون العرائس في كيبيك اليوم” مع الكندي داني لوفرانسوا، و”فنون العرائس الصينية: بين التقاليد والابتكار والدبلوماسية الثقافية” مع الصينية تاتغ دايو، وصولًا إلى ماستر كلاس “شاعرية وفن مسرح التحريك” الذي يؤمنه الروماني ديسيبال مارين.

ويكتمل هذا المسار بالمعرض العرائسي والتجاري الذي يحتضنه فضاء مدينة الثقافة الشاذلي القليبي طيلة أيام الدورة، ويضم أعمال فنانين وحرفيين وناشرين مختصين في أدب الأطفال واليافعين، في فضاء يربط بين الإبداع الفني والحرفة والصناعة الثقافية، ويؤكد أن فن العرائس ليس فقط فعلًا جماليا، بل منظومة ثقافية متكاملة.

بهذا الزخم البرامجي والفكري، تبدو الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس بمثابة لحظة تأمل جماعي في مسار خمسين سنة من العمل الثقافي، وفرصة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول موقع هذا الفن في المشهد التونسي والعالمي، وقدرته على الاستمرار والتجدد عبر الأجيال في سياق ثقافي متحوّل، وإعادة الاعتبار لفن صامت في مظهره، عميق في دلالاته.

إيمان عبد اللطيف

عشرات العروض وأكثر من 100 عرائسي وحضور دولي مكثف في الدورة الجديدة..   أيام قرطاج لفنون العرائس بين سؤال الاستمرارية ورهان المستقبل

 

  • المركز الوطني لفن العرائس وخمسون سنة على تشكّله ونصف قرن من تحريك الذاكرة والخيال
  • الدورة الجديدة تحمل اسم الفنان عبد العزيز الميموني، تكريما لمسار طويل من العمل داخل المركز الوطني لفن العرائس
  • في البرنامج أيضًا عروض تنشيطية وسيرك وموسيقى، في محاولة لإبراز تعددية هذا الفن وتقاطعه مع أشكال تعبيرية أخرى.
  • الصين لأول مرة في هذه التظاهرة عبر أربعة عروض خارجية موجهة للأطفال

لا تأتي الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس بوصفها محطة دورية عادية في رزنامة التظاهرات الثقافية التونسية، بل تفرض نفسها كحدث مركزي محمّل بأسئلة الذاكرة والهوية والاستمرارية، في لحظة يحتفل فيها المركز الوطني لفن العرائس بمرور خمسين سنة على تشكّله وتحوّله إلى أحد أبرز الفضاءات التي احتضنت فنون التحريك و»الماريونات» في تونس. خمسون عاما لم تكن مجرد تراكم زمني، بل مسارا متشابكا من التجارب والاختيارات والرهانات، جعل من فن العرائس ممارسة ثقافية قائمة بذاتها، قادرة على تجاوز التصنيفات الجاهزة التي تحصرها في خانة الفرجة الطفولية أو النشاط الهامشي.

في هذا السياق، تنتظم الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس من 1 إلى 8 فيفري 2026، ببرمجة مكثفة، تم تقديمها أمس الاثنين 26 جانفي 2026 بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، وتضم أكثر من 38 عرضا، من بينها 21 عرضا عربيا وأجنبيا و12 عرضا تونسيا، إلى جانب عروض تنشيطية وسيرك وموسيقى، في محاولة واضحة لإبراز تعددية هذا الفن وتقاطعه مع أشكال تعبيرية أخرى.

ويشارك في هذه الدورة أكثر من 100 عرائسي قادمين من 16 دولة تمثلها 17 فرقة عربية وأجنبية، تشمل الجزائر وليبيا ومصر وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وتركيا وهولندا ورومانيا وبولندا واليونان ومالطا والسنغال، إضافة إلى الصين التي تحضر لأول مرة في هذه التظاهرة عبر أربعة عروض خارجية موجهة للأطفال، في حضور يوسّع أفق التظاهرة ويؤكد بعدها الدولي.

غير أن كثافة الأرقام وتنوع الجنسيات لا تشكّل في حد ذاتها جوهر هذه الدورة، بقدر ما تكمن أهميتها في الرؤية التي تحكمها، وهي رؤية عبّر عنها عماد المديوني، المدير العام للمركز الوطني لفن العرائس ومدير الدورة، حين شدّد على أن فن العرائس ليس مجرد أداة ترفيه، بل لغة إنسانية شفافة قادرة على أن تُمتع وتُؤنس وتُربي، وفي الآن ذاته تُقاوم النسيان. هذا التصور يعيد وضع فن العرائس في قلب النقاش الثقافي، باعتباره سجلا حيا للذاكرة الشعبية ومختبرا للأحلام ومرآة ناعمة تعكس تحولات الواقع الإنساني، لا بوصفه فنًا تابعًا أو ثانويًا.

وانطلاقًا من هذا التوجه، اختار منظمو الدورة السابعة تقديم برنامج يستهدف مختلف الفئات العمرية، في خطوة تحمل دلالة ثقافية واضحة، حيث تمت برمجة 30 عرضًا للأطفال والعائلة، و6 عروض موجهة للكهول، إضافة إلى 6 عروض هواة و3 عروض موسيقية. هذا التوزيع يعكس سعيًا واعيًا إلى كسر القطيعة بين الأجيال، وإلى إعادة الاعتبار لفن العرائس كفن جامع، قادر على مخاطبة الطفل والبالغ في آن واحد. كما تفتح المنصة الحرة يوميًا على الساعة الثانية بعد الظهر ببهو مدينة الثقافة، لتكون فضاءً مفتوحًا للهواة والراغبين في التجريب والمشاركة، في تكريس لمفهوم الانفتاح وإتاحة الفرصة أمام الأصوات الجديدة.

وتكتسب هذه الدورة بعدا رمزيا إضافيا من خلال حملها اسم الفنان عبد العزيز الميموني، تكريما لمسار طويل من العمل داخل المركز الوطني لفن العرائس، سواء على المستوى الإداري أو الفني، وهو اختيار يعكس حرص القائمين على التظاهرة على تثمين الذاكرة المهنية والاعتراف بالأجيال التي ساهمت في بناء هذا الصرح الثقافي. ويتعزز هذا المنحى التكريمي عبر الاحتفاء بثلاث شخصيات تونسية كان لها دور محوري في نشأة المركز وتواصل نشاطه، وهي المديرة العامة السابقة منية العبيدي المسعدي، والعرائسية حبيبة الجندوبي، والفنان وأستاذ التربية المسرحية قاسم إسماعيل الشرميطي، في لحظة استعادة لمسارات فردية التقت جميعها عند خدمة فن العرائس وترسيخ حضوره.

وتنطلق فعاليات هذه الدورة يوم الأحد 1 فيفري ببرنامج افتتاحي يخرج بفن العرائس من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام، عبر عروض شارع أمام المسرح البلدي بالعاصمة، يتبعها كرنفال يجوب شارع الحبيب بورقيبة وشارع محمد الخامس في اتجاه مدينة الثقافة، في مشهد احتفالي يعيد الفن إلى قلب المدينة ويكرّس بعده الجماهيري.

كما سيشهد الافتتاح تقديم العرض العرائسي التونسي “الكبوط”، من إخراج أمير العيوني وإنتاج المركز الوطني لفن العرائس، وهو عمل يندرج ضمن فئة عرائس الطاولة، إلى جانب عرض شريط وثائقي يعود على تاريخ المركز الوطني لفن العرائس ومساره على امتداد خمسين سنة، في قراءة بصرية لذاكرة مؤسسة ثقافية لعبت دورا محوريا في المشهد الفني التونسي.

ولا تقتصر فعاليات هذه الدورة على الفضاءات المركزية في العاصمة، بل تمتد إلى عدد من الفضاءات داخل تونس الكبرى وخارجها، حيث تحتضن مدينة الثقافة الشاذلي القليبي جزءا هاما من العروض والأنشطة، فيما تستقبل دار المسرحي بباردو أغلب العروض التونسية، إضافة إلى فضاءات أخرى مثل قرى الأطفال SOS «بقمرت وقلعة الأندلس بأريانة»، فضلا عن ولايات باجة وجندوبة والمهدية والمنستير، التي ستشهد بدورها عروضا وورشات تونسية وأجنبية. هذا الامتداد الجغرافي لا يُقرأ فقط كخيار تنظيمي، بل كرهان ثقافي يهدف إلى كسر مركزية الفعل الثقافي وإعادة توزيع العروض والمعرفة على مختلف الجهات، في انسجام مع سؤال المركز والهامش الذي يطرحه المهرجان ضمن برامجه الفكرية.

ويحتل البعد النظري والبحثي مكانة أساسية في هذه الدورة، من خلال تنظيم ندوتين علميتين تواكبان العروض الفنية وتفتحان نقاشًا معمقًا حول موقع فن العرائس اليوم. الندوة الأولى تتناول موضوع “فن العرائس بين التراث اللامادي والاقتصاد الإبداعي”، ويديرها رياض الزمال، بمداخلات لكل من وسام غرس الله وسلوى عبد الخالق من تونس، ورضا حسنين من مصر، وعدنان سلوم من سوريا، حيث يُطرح هذا الفن كجسر بين الذاكرة والتراث من جهة، وإمكانات الاستثمار الثقافي والصناعات الإبداعية من جهة أخرى. أما الندوة الثانية فتتمحور حول سؤال “المركز والهامش في فن العرائس: هل يمكن للعرائس أن تعيد رسم الخارطة الثقافية؟” بمشاركة إيمان الصامت ويوسف مارس من تونس، وعبد الحميد حسني من مصر، ويديرها حاتم دربال، في نقاش يتجاوز الإطار الفني ليطرح قضايا العدالة الثقافية وتوزيع الفعل الإبداعي.

ويتعزز هذا البعد الفكري بمسار تكويني مكثف، حيث تحتضن الدورة عددا هاما من الورشات الفنية والماستر كلاس، يستفيد منها طلبة المعهد العالي للفن المسرحي وعددهم 15، من بينها ورشة “البيتو” مع البلجيكي كوينتان شافريات، وورشة “امنح قناعك الحياة” مع التونسية أصالة النجار، وورشة تحريك العرائس مع الثنائي المالطي بيار ستافراس وليليانا بورتلي، وورشة الأقنعة مع الجزائري عقبة فرحات الموجهة إلى إطارات الطفولة بمنوبة، إلى جانب ورشات أخرى تغطي تقنيات وأساليب متعددة في فنون التحريك.

أما الماستر كلاس، وعددها خمسة، فتغوص في تجارب فنية متنوعة، من بينها تجربة الفنان التونسي الهادي كريسعان، الذي يشرف أيضًا على إقامة فنية في تقنيات خيال الظل البشري انطلقت يوم 19 جانفي وتتواصل إلى غاية 31 من الشهر نفسه، إضافة إلى ماستر كلاس “الكتابة البصرية وبناء الدراماتورجيا في العروض غير الناطقة” مع الفرنسية إليز فينيوغون، و”الممارسة والإبداع والتسيير: واقع فنون العرائس في كيبيك اليوم” مع الكندي داني لوفرانسوا، و”فنون العرائس الصينية: بين التقاليد والابتكار والدبلوماسية الثقافية” مع الصينية تاتغ دايو، وصولًا إلى ماستر كلاس “شاعرية وفن مسرح التحريك” الذي يؤمنه الروماني ديسيبال مارين.

ويكتمل هذا المسار بالمعرض العرائسي والتجاري الذي يحتضنه فضاء مدينة الثقافة الشاذلي القليبي طيلة أيام الدورة، ويضم أعمال فنانين وحرفيين وناشرين مختصين في أدب الأطفال واليافعين، في فضاء يربط بين الإبداع الفني والحرفة والصناعة الثقافية، ويؤكد أن فن العرائس ليس فقط فعلًا جماليا، بل منظومة ثقافية متكاملة.

بهذا الزخم البرامجي والفكري، تبدو الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس بمثابة لحظة تأمل جماعي في مسار خمسين سنة من العمل الثقافي، وفرصة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول موقع هذا الفن في المشهد التونسي والعالمي، وقدرته على الاستمرار والتجدد عبر الأجيال في سياق ثقافي متحوّل، وإعادة الاعتبار لفن صامت في مظهره، عميق في دلالاته.

إيمان عبد اللطيف