عندما تجتمع الدولة في أعلى هرمها، مع قيادات الأركان العسكرية والأمنية، ورأس السلطة التنفيذية، ووزراء السيادة، فإنّ الأمر يتجاوز مجرّد التفاعل مع ظرف مناخي طارئ تسبّب في فيضانات عارمة وخسائر جسيمة، ليُصبح إعلانًا عن حالة استنفار وطني شاملة لإعادة ضبط بوصلة الإدارة والتسيير وفق منهجية واضحة تقوم على الاستباق، والتنسيق المحكم، وتحميل المسؤوليات دون مواربة.
ومثلت جلسة العمل حول الفيضانات التي أشرف عليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 23 جانفي الجاري بقصر قرطاج، منعطفًا حاسمًا في استراتيجية الدولة لمجابهة الأزمات المتراكمة، ومعبرًا عن قطيعة واضحة مع سياسة ردّ الفعل المؤقّت، ومرسّخًا في الآن ذاته أفقًا جديدًا لإعادة بناء التدخّل العمومي على أساس مقاربة تقوم على النجاعة في اتخاذ القرار وسرعة تنفيذه.
حماية المواطن… قضية أمن قومي
فهذا الحشد النوعي وغير المسبوق من القيادات تحت سقف قرطاج، والذي ضمّ رئيسة الحكومة ووزراء السيادة وقادة الجيوش والأمن، إلى جانب خبراء الرصد الجوي وقوى من المجتمع المدني، أراد من خلاله رئيس الجمهورية قيس سعيّد ترسيخ رسالة مفادها أنّ حماية المواطن من تداعيات الفيضانات قد ارتقت لتكون قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
فالمسألة تتجاوز مجرّد اتخاذ قرارات أو إجراءات إغاثية روتينية، لتطال الإعلان عن مواجهة تركة ثقيلة من النقائص والإخلالات الهيكلية التي تراكمت عبر عقود. إذ يسعى هذا الاجتماع الرفيع المستوى إلى تحويل إدارة الأزمة والتعاطي معها إلى فعل استباقي يقطع كليًا مع السياسات السابقة، ويؤسّس لمرحلة جديدة من المحاسبة الميدانية التي لا تتغافل أو تستثني أدنى تقصير، ولا تترك مجالًا للمناورة السياسية على حساب آلام المتضرّرين.
وضمن هذه المقاربة، اختار رئيس الدولة قيس سعيّد أن يكون اجتماع قرطاج الأخير محطة تعكس استنفارًا سياديًا، التقت من خلالها السلطة السياسية العليا بالمؤسسات المشرفة على أمن الدولة واستمراريتها، على اعتبار أنّ جمع القيادات العسكرية والأمنية والهياكل التنفيذية والفنية في مستوى واحد من القرار يعكس قناعة مفادها أنّ إدارة الأزمات لم تعد مسألة قطاعية، وإنّما معركة شاملة تتقاطع فيها أبعاد متعدّدة. وفي هذا السياق، يكتسي الاجتماع الرفيع المستوى الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد أهمية ودلالات خاصّة، بوصفه جمع في فضاء واحد كل مفاتيح القرار السياسي والأمني والعسكري والعلمي.
وهذا الاجتماع، على أهميته، لا يمكن فصله عن سياق وطني اتّسم على مدار العقود الماضية بتراكم الإخفاقات في البنية التحتية وضعف ثقافة الاستباق، ممّا يجعله نقطة انطلاق فعلية لتفكير أعمق وأشمل في علاقة الدولة بالمخاطر المحدقة، وفي مدى استعدادها للانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
فقد عكس هذا اللقاء، من خلال تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد إلى جانب تركيبته ومستوى الحضور، إرادة واضحة في إعادة الإمساك بمفاصل القرار وربط إدارة الكوارث الطبيعية بمسؤولية الدولة الشاملة، مع التنصيص على أهمية تجاوز مقاربات وخيارات تراكمت لعقود وتستوجب مراجعة جذرية لا حلولًا ترقيعية.
تكامل في الأدوار
من العناصر اللافتة في هذا الاجتماع كونه جمع بين القيادة السياسية العليا والأذرع التنفيذية، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، والهياكل الفنية والعلمية، إلى جانب مكوّن مدني متمثّل في هيكل الكشافة التونسية.
وهذا التنوع أراد من خلاله رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأسيس مقاربة شاملة لإدارة الأزمات، قوامها كسر الجدران الفاصلة بين القطاعات وترسيخ منطق التكامل فيما بينها، بما يؤكّد أنّ الدولة تنظر إلى الكوارث الطبيعية باعتبارها مسألة أمن قومي لا تقلّ خطورة عن التهديدات التقليدية.
غير ان ما يضفي بعدا هاما على هذا الاجتماع ان وجود المعهد الوطني للرصد الجوي والقيادة العامة للكشافة التونسية يعكس إرادة الدولة، في أعلى هرمها، إلى تأسيس نموذج إداري يقوم على التشاركية.
فالدولة تستند الى معطيات علمية دقيقة وسند شعبي تطوّعي منظّم، ممّا يجعل مخرجات الاجتماع تتّسم بالواقعية والقدرة على التطبيق والنفاذ إلى عمق الأحياء المتضرّرة عبر شبكة الكشافة المنتشرة في كل شبر من تراب الوطن.
تراكمات عقود
من جانب آخر، وفي مستهلّ الاجتماع، اختار رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن يضع الإصبع على مكمن الداء حين أكّد أنّ النقائص التي برزت ليست وليدة اللحظة، وإنّما هي حصيلة تراكمات امتدّت لعقود.
ويحمل هذا التشخيص بعدًا سياسيًا ذا دلالة، كونه يخرج النقاش من دائرة تحميل المسؤوليات الى مساءلة السياسات العمومية السابقة، خاصّة في ما يتعلّق بالبنية التحتية، وجهر الأودية، وقنوات التطهير، والتخطيط العمراني.
وضمن هذه المقاربة، فإنّ الخطاب الرئاسي لا يهدف فقط إلى معالجة تداعيات الفيضانات، بل يسعى إلى إعادة فتح ملف الخيارات التنموية التي أُنجزت دون رؤية استباقية، وغالبًا بمنطق الترقيع أو الفساد أو اللامبالاة، وهو ما يجعل من هذا الاجتماع نقطة تقاطع بين إدارة أزمة آنية ومراجعة استراتيجية طويلة المدى تسبّبت، على مدار السنوات الماضية، في كوارث عدّة.
وفي هذا السياق، يتجلّى أحد أبرز المحاور التي شدّد عليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والمتمثّل في ضرورة الاستباق والتنسيق الكامل بين مختلف المتدخّلين. وتمثّل هذه النقطة، في جوهرها، نقدًا ضمنيًا لنموذج كان سائدًا، قوامه دولة تتحرّك فقط بعد وقوع الكارثة.
وآلية الاستباق، كما يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد، تتجاوز كونها مجرّد جاهزية تقنية، لتكون خيارًا سياسيًا وإداريًا يقوم على التخطيط المسبق، وتحيين الخرائط، واستغلال المعطيات والتوقّعات المناخية، وتحديد مناطق الخطر، وهو ما يعني عمليًا الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى منعها أو التحكّم في تداعياتها.
وفي الإطار نفسه، لم يتردّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في الإشادة بالجهود التي بذلتها مختلف الهياكل المتدخّلة، في تأكيد على أنّ الدولة، ورغم النقائص والتحدّيات، ما تزال تمتلك أجهزة قادرة على التدخّل والإنقاذ.
غير أنّ اللافت هو أنّ هذا التثمين رافقه تأكيد صريح على أنّ المرحلة القادمة ليست مرحلة بيانات أو مجاملات، وإنّما مرحلة أفعال ومحاسبة، وهو ما يفضي إلى معادلة تعيد التوازن بين الاعتراف بالمجهودات الفردية والجماعية وبين ضرورة إصلاح المنظومة ككل.
المجتمع في قلب المعادلة
أحد أبرز أبعاد لقاء قرطاج تمثّل في الإشادة الواسعة بالهبّة التضامنية للمواطنين والمواطنات. فقد قدّم رئيس الجمهورية قيس سعيّد صورة مجتمع متماسك، بادر فور انحسار المياه إلى تنظيف الأحياء ومساعدة المتضرّرين، دون انتظار تعليمات أو مساعدات.
ولا تخلو هذه الإشادة من دلالة سياسية، إذ تعكس في جوهرها رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد لدور المجتمع باعتباره شريكًا في البناء، كما أنّها تضع في المقابل نموذجين متناقضين: نموذج شعب متضامن وواعٍ، ونموذج فئات «في قلوبها مرض»، كما وصفها رئيس الدولة، تراهن على الشماتة والتضليل واستثمار الأزمات سياسيًا.
ولا يكون تحرر الدولة فقط بالسيادة السياسية، وإنّما بتحرير المواطن من التهميش، ومن سوء الخدمات، ومن غياب الدولة في المناطق الداخلية، ومواصلة معركة كشف شبكات الفساد والتضليل، والاستجابة لمطالب الشعب التي انطلقت منذ 17 ديسمبر 2010.
وهو ما يعكس قناعة راسخة لدى رئيس الدولة قيس سعيّد بأنّ الأزمات البيئية والاجتماعية والاقتصادية ليست منفصلة في جوهرها عن منظومة الفساد التي حكمت البلاد لعقود، وأنّ معالجتها الحقيقية تمرّ عبر تفكيك تلك الشبكات، وتكريس المحاسبة، وبناء دولة جديدة بقواعد مختلفة.
وفي هذا الخضمّ، جدير بالذكر أنّ هذا الاجتماع الرفيع المستوى لم يكن مجرّد ردّ فعل على فيضانات، وإنّما شكّل محطة سياسية مفعمة بالرسائل؛ فهو، من جهة، يوجّه رسالة إلى الداخل مفادها أنّ الدولة واعية بحجم واجباتها، وأنّ زمن الاكتفاء بالخطابات والبيانات قد ولّى وانتهى. ومن جهة أخرى، يقدّم للخارج صورة دولة تسعى إلى بناء نموذج جديد في إدارة الشأن العام، قائم على الاستباق والمحاسبة.
فتونس اليوم، ومن خلال هذا الزخم القيادي، تؤسّس لمرحلة لا مكان فيها للحلول الجزئية. ويبقى التحدّي الفعلي في تحويل مخرجات هذا الاجتماع الرفيع المستوى إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في تفاصيله اليومية.
وإذا ما نجح هذا الاجتماع السيادي في ترجمة قراراته ميدانيًا، ستكون تونس، عبر هذه الإرادة السياسية، قد وضعت اللبنة الأولى في جدار الحماية، ليس فقط ضدّ الفيضانات، بل ضدّ كل أشكال الوهن والفساد التي طالت الدولة لعقود.
منال حرزي
عندما تجتمع الدولة في أعلى هرمها، مع قيادات الأركان العسكرية والأمنية، ورأس السلطة التنفيذية، ووزراء السيادة، فإنّ الأمر يتجاوز مجرّد التفاعل مع ظرف مناخي طارئ تسبّب في فيضانات عارمة وخسائر جسيمة، ليُصبح إعلانًا عن حالة استنفار وطني شاملة لإعادة ضبط بوصلة الإدارة والتسيير وفق منهجية واضحة تقوم على الاستباق، والتنسيق المحكم، وتحميل المسؤوليات دون مواربة.
ومثلت جلسة العمل حول الفيضانات التي أشرف عليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 23 جانفي الجاري بقصر قرطاج، منعطفًا حاسمًا في استراتيجية الدولة لمجابهة الأزمات المتراكمة، ومعبرًا عن قطيعة واضحة مع سياسة ردّ الفعل المؤقّت، ومرسّخًا في الآن ذاته أفقًا جديدًا لإعادة بناء التدخّل العمومي على أساس مقاربة تقوم على النجاعة في اتخاذ القرار وسرعة تنفيذه.
حماية المواطن… قضية أمن قومي
فهذا الحشد النوعي وغير المسبوق من القيادات تحت سقف قرطاج، والذي ضمّ رئيسة الحكومة ووزراء السيادة وقادة الجيوش والأمن، إلى جانب خبراء الرصد الجوي وقوى من المجتمع المدني، أراد من خلاله رئيس الجمهورية قيس سعيّد ترسيخ رسالة مفادها أنّ حماية المواطن من تداعيات الفيضانات قد ارتقت لتكون قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
فالمسألة تتجاوز مجرّد اتخاذ قرارات أو إجراءات إغاثية روتينية، لتطال الإعلان عن مواجهة تركة ثقيلة من النقائص والإخلالات الهيكلية التي تراكمت عبر عقود. إذ يسعى هذا الاجتماع الرفيع المستوى إلى تحويل إدارة الأزمة والتعاطي معها إلى فعل استباقي يقطع كليًا مع السياسات السابقة، ويؤسّس لمرحلة جديدة من المحاسبة الميدانية التي لا تتغافل أو تستثني أدنى تقصير، ولا تترك مجالًا للمناورة السياسية على حساب آلام المتضرّرين.
وضمن هذه المقاربة، اختار رئيس الدولة قيس سعيّد أن يكون اجتماع قرطاج الأخير محطة تعكس استنفارًا سياديًا، التقت من خلالها السلطة السياسية العليا بالمؤسسات المشرفة على أمن الدولة واستمراريتها، على اعتبار أنّ جمع القيادات العسكرية والأمنية والهياكل التنفيذية والفنية في مستوى واحد من القرار يعكس قناعة مفادها أنّ إدارة الأزمات لم تعد مسألة قطاعية، وإنّما معركة شاملة تتقاطع فيها أبعاد متعدّدة. وفي هذا السياق، يكتسي الاجتماع الرفيع المستوى الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد أهمية ودلالات خاصّة، بوصفه جمع في فضاء واحد كل مفاتيح القرار السياسي والأمني والعسكري والعلمي.
وهذا الاجتماع، على أهميته، لا يمكن فصله عن سياق وطني اتّسم على مدار العقود الماضية بتراكم الإخفاقات في البنية التحتية وضعف ثقافة الاستباق، ممّا يجعله نقطة انطلاق فعلية لتفكير أعمق وأشمل في علاقة الدولة بالمخاطر المحدقة، وفي مدى استعدادها للانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
فقد عكس هذا اللقاء، من خلال تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد إلى جانب تركيبته ومستوى الحضور، إرادة واضحة في إعادة الإمساك بمفاصل القرار وربط إدارة الكوارث الطبيعية بمسؤولية الدولة الشاملة، مع التنصيص على أهمية تجاوز مقاربات وخيارات تراكمت لعقود وتستوجب مراجعة جذرية لا حلولًا ترقيعية.
تكامل في الأدوار
من العناصر اللافتة في هذا الاجتماع كونه جمع بين القيادة السياسية العليا والأذرع التنفيذية، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، والهياكل الفنية والعلمية، إلى جانب مكوّن مدني متمثّل في هيكل الكشافة التونسية.
وهذا التنوع أراد من خلاله رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأسيس مقاربة شاملة لإدارة الأزمات، قوامها كسر الجدران الفاصلة بين القطاعات وترسيخ منطق التكامل فيما بينها، بما يؤكّد أنّ الدولة تنظر إلى الكوارث الطبيعية باعتبارها مسألة أمن قومي لا تقلّ خطورة عن التهديدات التقليدية.
غير ان ما يضفي بعدا هاما على هذا الاجتماع ان وجود المعهد الوطني للرصد الجوي والقيادة العامة للكشافة التونسية يعكس إرادة الدولة، في أعلى هرمها، إلى تأسيس نموذج إداري يقوم على التشاركية.
فالدولة تستند الى معطيات علمية دقيقة وسند شعبي تطوّعي منظّم، ممّا يجعل مخرجات الاجتماع تتّسم بالواقعية والقدرة على التطبيق والنفاذ إلى عمق الأحياء المتضرّرة عبر شبكة الكشافة المنتشرة في كل شبر من تراب الوطن.
تراكمات عقود
من جانب آخر، وفي مستهلّ الاجتماع، اختار رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن يضع الإصبع على مكمن الداء حين أكّد أنّ النقائص التي برزت ليست وليدة اللحظة، وإنّما هي حصيلة تراكمات امتدّت لعقود.
ويحمل هذا التشخيص بعدًا سياسيًا ذا دلالة، كونه يخرج النقاش من دائرة تحميل المسؤوليات الى مساءلة السياسات العمومية السابقة، خاصّة في ما يتعلّق بالبنية التحتية، وجهر الأودية، وقنوات التطهير، والتخطيط العمراني.
وضمن هذه المقاربة، فإنّ الخطاب الرئاسي لا يهدف فقط إلى معالجة تداعيات الفيضانات، بل يسعى إلى إعادة فتح ملف الخيارات التنموية التي أُنجزت دون رؤية استباقية، وغالبًا بمنطق الترقيع أو الفساد أو اللامبالاة، وهو ما يجعل من هذا الاجتماع نقطة تقاطع بين إدارة أزمة آنية ومراجعة استراتيجية طويلة المدى تسبّبت، على مدار السنوات الماضية، في كوارث عدّة.
وفي هذا السياق، يتجلّى أحد أبرز المحاور التي شدّد عليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والمتمثّل في ضرورة الاستباق والتنسيق الكامل بين مختلف المتدخّلين. وتمثّل هذه النقطة، في جوهرها، نقدًا ضمنيًا لنموذج كان سائدًا، قوامه دولة تتحرّك فقط بعد وقوع الكارثة.
وآلية الاستباق، كما يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد، تتجاوز كونها مجرّد جاهزية تقنية، لتكون خيارًا سياسيًا وإداريًا يقوم على التخطيط المسبق، وتحيين الخرائط، واستغلال المعطيات والتوقّعات المناخية، وتحديد مناطق الخطر، وهو ما يعني عمليًا الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى منعها أو التحكّم في تداعياتها.
وفي الإطار نفسه، لم يتردّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في الإشادة بالجهود التي بذلتها مختلف الهياكل المتدخّلة، في تأكيد على أنّ الدولة، ورغم النقائص والتحدّيات، ما تزال تمتلك أجهزة قادرة على التدخّل والإنقاذ.
غير أنّ اللافت هو أنّ هذا التثمين رافقه تأكيد صريح على أنّ المرحلة القادمة ليست مرحلة بيانات أو مجاملات، وإنّما مرحلة أفعال ومحاسبة، وهو ما يفضي إلى معادلة تعيد التوازن بين الاعتراف بالمجهودات الفردية والجماعية وبين ضرورة إصلاح المنظومة ككل.
المجتمع في قلب المعادلة
أحد أبرز أبعاد لقاء قرطاج تمثّل في الإشادة الواسعة بالهبّة التضامنية للمواطنين والمواطنات. فقد قدّم رئيس الجمهورية قيس سعيّد صورة مجتمع متماسك، بادر فور انحسار المياه إلى تنظيف الأحياء ومساعدة المتضرّرين، دون انتظار تعليمات أو مساعدات.
ولا تخلو هذه الإشادة من دلالة سياسية، إذ تعكس في جوهرها رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد لدور المجتمع باعتباره شريكًا في البناء، كما أنّها تضع في المقابل نموذجين متناقضين: نموذج شعب متضامن وواعٍ، ونموذج فئات «في قلوبها مرض»، كما وصفها رئيس الدولة، تراهن على الشماتة والتضليل واستثمار الأزمات سياسيًا.
ولا يكون تحرر الدولة فقط بالسيادة السياسية، وإنّما بتحرير المواطن من التهميش، ومن سوء الخدمات، ومن غياب الدولة في المناطق الداخلية، ومواصلة معركة كشف شبكات الفساد والتضليل، والاستجابة لمطالب الشعب التي انطلقت منذ 17 ديسمبر 2010.
وهو ما يعكس قناعة راسخة لدى رئيس الدولة قيس سعيّد بأنّ الأزمات البيئية والاجتماعية والاقتصادية ليست منفصلة في جوهرها عن منظومة الفساد التي حكمت البلاد لعقود، وأنّ معالجتها الحقيقية تمرّ عبر تفكيك تلك الشبكات، وتكريس المحاسبة، وبناء دولة جديدة بقواعد مختلفة.
وفي هذا الخضمّ، جدير بالذكر أنّ هذا الاجتماع الرفيع المستوى لم يكن مجرّد ردّ فعل على فيضانات، وإنّما شكّل محطة سياسية مفعمة بالرسائل؛ فهو، من جهة، يوجّه رسالة إلى الداخل مفادها أنّ الدولة واعية بحجم واجباتها، وأنّ زمن الاكتفاء بالخطابات والبيانات قد ولّى وانتهى. ومن جهة أخرى، يقدّم للخارج صورة دولة تسعى إلى بناء نموذج جديد في إدارة الشأن العام، قائم على الاستباق والمحاسبة.
فتونس اليوم، ومن خلال هذا الزخم القيادي، تؤسّس لمرحلة لا مكان فيها للحلول الجزئية. ويبقى التحدّي الفعلي في تحويل مخرجات هذا الاجتماع الرفيع المستوى إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في تفاصيله اليومية.
وإذا ما نجح هذا الاجتماع السيادي في ترجمة قراراته ميدانيًا، ستكون تونس، عبر هذه الإرادة السياسية، قد وضعت اللبنة الأولى في جدار الحماية، ليس فقط ضدّ الفيضانات، بل ضدّ كل أشكال الوهن والفساد التي طالت الدولة لعقود.