إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من الوقاية إلى المساءلة.. مقاربة الدولة لمجابهة الكوارث الطبيعية

دولة «الاستباق» في مواجهة التراخي.. ودولة «الحزم» في التصدي لكل مظاهر الفساد، بدءًا من البناء الفوضوي وصولًا إلى الدراسات غير المطابقة للمواصفات والمعايير..، ذلك هو العنوان الأبرز الذي فرضته الفيضانات الأخيرة.

فبعيدًا عن اختزال ما خلفته الأمطار من أضرار يندرج في خانة التقلبات المناخية المفاجئة، ربط رئيس الجمهورية قيس سعيّد، إثر تنقله إلى قاعة العمليات بالديوان الوطني للحماية المدنية، بين الفيضانات الأخيرة وما راكمته عقود طويلة من الفساد وسوء التخطيط في مجال البناء. فكانت تصريحاته بمثابة إعلان واضح عن أن الدولة يتعين عليها الاستباق للحد من المخاطر وحماية المواطنين، وأن الفساد وسوء التخطيط لم يعد مسموحًا بأن يمرا مرور الكرام، وأن المحاسبة تمثّل الآلية الأنجع لضمان منع تكرار المآسي واستعادة الدولة لهيبتها ودورها الحمائي.

في هذا الخصوص، جاء تحوّل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى قاعة العمليات بالديوان الوطني للحماية المدنية على إثر الفيضانات الأخيرة التي شهدتها بعض جهات الجمهورية لترسيخ منحى سياسي واضح في إدارة الشأن العام، قوامه أن الدولة ليست في برجها العاجي وإنما هي حاضرة في الأزمات على عين المكان، تتابع وتعاين أدق التفاصيل كما تصر على الاستباق تحسبًا لأي طارئ.

ضرورة الاستباق

وفقًا لمقطع فيديو نُشر على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، شدّد رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة الاستباق والتدخل قبل حدوث الفواجع، محذّرًا في الإطار نفسه من مخاطر الجدران الآيلة للسقوط، داعيًا أيضًا إلى اليقظة والاحتياط في ظل التوقعات الجوية بتغيرات مناخية مرتقبة، خاصة في الشمال الغربي، مع التأكيد على إعلام المواطنين بكل التطورات.

كما جدّد رئيس الدولة قيس سعيد تأكيده على أن إنقاذ الأرواح هو الأولوية المطلقة، وأن كل الأضرار المادية يمكن تعويضها، معتبراً أن ما حدث ليس قضاء وقدرًا بقدر ما هو نتيجة عقود من الفساد والفوضى والبناء غير القانوني والدراسات الفاسدة، مشدّدًا في الإطار نفسه على ضرورة محاسبة كل من لم يتحمّل مسؤوليته كاملة.

وانطلاقًا من خطاب رئيس الدولة قيس سعيد، يمكن قراءة هذه المقاربة الرئاسية في التعاطي مع الأزمة ضمن ثلاث حلقات أساسية وهي:أولوية الدولة في التدخل الناجع والاستباقي،وظاهرة البناء الفوضوي كنتيجة مباشرة للفساد، وآلية المحاسبة كشرط جوهري لاستعادة هيبة الدولة ومنع تكرار الكوارث.

من إدارة الأزمات إلى استباقها…

في خطابه وتصريحاته، لم يكتف رئيس الجمهورية قيس سعيد بالتأكيد على ضرورة التدخل السريع، وإنما وضع إصبعه على جوهر الإشكال ومكمن الداء: التدخل الناجع قبل وقوع الفاجعة.

وهذا الطرح يمثل في جوهره تحوّلًا في فلسفة التعاطي مع الكوارث الطبيعية وإدارتها، بما أنه يقطع كليًا مع سياسة رد الفعل ويعوضها بمنطق الاستباق والوقاية وتحميل المسؤوليات.

فالدولة اعتادت على مدار سنوات خلت أن تتحرك بعد وقوع الكارثة، أي بعد الفيضانات، بعد الانهيارات في المباني، بعد سقوط الضحايا. وحينها تتحرّك الآليات، وتُشكل لجان تحقيق، وتُصرف تعويضات، ثم يُقبر الملف في انتظار حلول كارثة جديدة.

أما اليوم، فإن رئيس الدولة قيس سعيد يسعى– ومن خلال تصريحاته – إلى كسر هذا الجمود في التعاطي مع الأزمات، عبر إعادة الاعتبار إلى وظيفة الدولة كجهاز توقّع وإنذار واستباق وحماية.

فحماية المواطنين من مخاطر طبيعية متوقعة هي جزء من سيادة الدولة، كما هو الحال بالنسبة لحماية الحدود أو حفظ النظام العام. والتغيرات المناخية المرتقبة، التي أشار إليها رئيس الجمهورية قيس سعيد، لم تعد سيناريوهات نظرية وإنما واقع يفرض سياسات عمومية جديدة في التعاطي معها ترتكز إلى التخطيط الاستباقي، وصيانة البنية التحتية، وتعزيز قدرات الحماية المدنية.

وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن تحوّل رئيس الدولة قيس سعيد إلى قاعة العمليات يقطع كليًا مع السائد في التعاطي مع الأزمات، كما يبعث برسالة سياسية مفادها أن القرار السياسي يجب أن يكون قريبًا من المعلومة الميدانية، وأن الدولة لا تُصاغ قراراتها خلف المكاتب المغلقة حين تتعلق المسألة بحماية أرواح المواطنين. وهي رسالة موجهة أيضًا إلى كل مستويات الإدارة والفاعلين فيها من المركز إلى الجهات بأن التقصير لم يعد مقبولًا بالمرة، كما لم يعد مسموحًا بأن يمر مرور الكرام.

البناء الفوضوي… الكارثة الصامتة

من جانب آخر، مثل حديث رئيس الجمهورية عن الجدران المتداعية للسقوط والبناء العشوائي تشخيصًا فعليًا لجذور الأزمة. فالفيضانات، في حد ذاتها، لم تكن وحدها مسبب الخسائر الجسيمة، وإنما كانت عاملاً لكشف واقع عمراني هشّ، تمدد وتوسّع خارج الأطر القانونية المتعارف عليها وبعيدًا عن أي دراسات جدّية.

فعلى مدار العقود الماضية، تحوّل البناء الفوضوي في تونس إلى معضلة استشرت وبلغت مرحلة «الورم» الذي يصعب استئصاله، وذلك نتيجة تواطؤ بين ضعف الدولة وأجهزتها، وجشع بعض المنتفعين، وتغاضي الإدارات، وفساد الدراسات والتراتيب، لتُشيد أحياء كاملة في مجاري الأودية وتُبنى منازل دون احترام أدنى مقومات وشروط السلامة.

وهنا، تكتسب عبارة رئيس الجمهورية حول “الدراسات الفاسدة” أهمية بالغة، فالمسألة لا تتعلق فقط بمخالفات فردية وإنما بمنظومة كاملة من صناع القرار العمراني، منظومة تُمنح فيها التراخيص في غالب الأحيان دون تقييم حقيقي للمخاطر، أو تُغضّ الطرف عن تجاوزات خطيرة مقابل مصالح ضيقة.

الفساد والمحاسبة…

من جهة أخرى، حين اعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيد أن ما حدث هو نتيجة عقود من الفساد والفوضى، فإنه بذلك يقدم تشخيصًا سياسيًا لجذور الأزمة، واضعًا الكارثة في سياقها الحقيقي كنتيجة حتمية لاخلالات تراكمت بفعل سوء الحوكمة، وغياب الرقابة، وتواطؤ الصمت الإداري مع التجاوزات.

وهو تشخيص ينقل النقاش من مستوى تداعيات الفيضانات إلى مستوى مساءلة منظومة كاملة من القرارات والسياسات التي سمحت باستشراء البناء الفوضوي، وتكريس دراسات غير علمية، وخاصة تحويل الوظيفة العمومية من خدمة للصالح العام إلى وسيلة للربح غير المشروع.

وضمن هذه المقاربة، تتجلى تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد عن «المحاسبة لكل من لم يتحمل المسؤولية» كترسيخ لمبدأ دستوري وأخلاقي ينهي حقبة «الإفلات من العقاب». والمحاسبة هنا تتجاوز كليًا منطق التشفي أو سياسة تصفية الحسابات، بل هي إجراء تصحيحي ضروري لعدم تكرار المأساة ولإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته.

فالدولة التي لا تحاسب، تعطي إشارة ضمنية بأن الفساد بلا كلفة، وأن الأرواح يمكن أن تكون ثمنًا للتجاوزات، وبالتالي لا يمكن لدولة أن تدّعي حماية مواطنيها دون أن تحاسب من عرّضهم للخطر، عمدًا أو تقصيرًا.

لقد أكد رئيس الدولة قيس سعيد أن الأضرار المادية تُعوض، لكن الأرواح لا تُعوض، وهذا التمييز القيمي يضع المسؤول أمام اختبار عسير: إما الإخلاص في العمل أو أن القانون سيكون بالمرصاد.

في هذا الخضم، يتجلى تعاطي الدولة في أعلى هرمها مع الفيضانات الأخيرة ختامًا كمعركة لاستردادها من براثن الفساد والفوضى العمرانية: معركة الاستباق، وتنقية المجال العام من تراكمات الفساد، وبناء سياسة وقائية ناجعة ودائمة.

فتحوّل رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى قاعة العمليات وتنقله إلى عدد من الولايات التي ألحقت بها الفيضانات ضررًا بالغًا، إلى جانب خطابه الواضح، يعكس إرادة سياسية للقطع مع سياسة طالما حكمت العلاقة بين الدولة والكوارث: سياسة الانتظار ورد الفعل المتأخر.

معادلة جدية لإدارة الشأن العام

ومن هذا المنطلق، لم تعد الفيضانات مجرد اختبار لقدرة الحماية المدنية على التدخل الناجع، بل أصبحت امتحانًا لمدى جدية الدولة في القطع مع منطق التراخي والإفلات من المسؤولية.

فالاستباق الذي شدّد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد، والحزم في مواجهة البناء الفوضوي والدراسات الفاسدة، والمحاسبة التي اعتبرها المدخل الوحيد لمنع تكرار المآسي، تشكّل اليوم عناصر معادلة جديدة في إدارة الشأن العام. معادلة تضع حياة المواطن في صدارة الأولويات، وتعيد تعريف دور الدولة كسلطة حماية لا كجهاز ردّ فعل متأخر، بما يفضي إلى دولة لا تكتفي بإطفاء الحرائق أو شفط المياه، وإنما تعمل جدياً على تجفيف منابع الفوضى وكل مظاهر الفساد الذي دمر البلاد على مدار عقود.

منال حرزي

من الوقاية إلى المساءلة..   مقاربة الدولة لمجابهة الكوارث الطبيعية

دولة «الاستباق» في مواجهة التراخي.. ودولة «الحزم» في التصدي لكل مظاهر الفساد، بدءًا من البناء الفوضوي وصولًا إلى الدراسات غير المطابقة للمواصفات والمعايير..، ذلك هو العنوان الأبرز الذي فرضته الفيضانات الأخيرة.

فبعيدًا عن اختزال ما خلفته الأمطار من أضرار يندرج في خانة التقلبات المناخية المفاجئة، ربط رئيس الجمهورية قيس سعيّد، إثر تنقله إلى قاعة العمليات بالديوان الوطني للحماية المدنية، بين الفيضانات الأخيرة وما راكمته عقود طويلة من الفساد وسوء التخطيط في مجال البناء. فكانت تصريحاته بمثابة إعلان واضح عن أن الدولة يتعين عليها الاستباق للحد من المخاطر وحماية المواطنين، وأن الفساد وسوء التخطيط لم يعد مسموحًا بأن يمرا مرور الكرام، وأن المحاسبة تمثّل الآلية الأنجع لضمان منع تكرار المآسي واستعادة الدولة لهيبتها ودورها الحمائي.

في هذا الخصوص، جاء تحوّل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى قاعة العمليات بالديوان الوطني للحماية المدنية على إثر الفيضانات الأخيرة التي شهدتها بعض جهات الجمهورية لترسيخ منحى سياسي واضح في إدارة الشأن العام، قوامه أن الدولة ليست في برجها العاجي وإنما هي حاضرة في الأزمات على عين المكان، تتابع وتعاين أدق التفاصيل كما تصر على الاستباق تحسبًا لأي طارئ.

ضرورة الاستباق

وفقًا لمقطع فيديو نُشر على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، شدّد رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة الاستباق والتدخل قبل حدوث الفواجع، محذّرًا في الإطار نفسه من مخاطر الجدران الآيلة للسقوط، داعيًا أيضًا إلى اليقظة والاحتياط في ظل التوقعات الجوية بتغيرات مناخية مرتقبة، خاصة في الشمال الغربي، مع التأكيد على إعلام المواطنين بكل التطورات.

كما جدّد رئيس الدولة قيس سعيد تأكيده على أن إنقاذ الأرواح هو الأولوية المطلقة، وأن كل الأضرار المادية يمكن تعويضها، معتبراً أن ما حدث ليس قضاء وقدرًا بقدر ما هو نتيجة عقود من الفساد والفوضى والبناء غير القانوني والدراسات الفاسدة، مشدّدًا في الإطار نفسه على ضرورة محاسبة كل من لم يتحمّل مسؤوليته كاملة.

وانطلاقًا من خطاب رئيس الدولة قيس سعيد، يمكن قراءة هذه المقاربة الرئاسية في التعاطي مع الأزمة ضمن ثلاث حلقات أساسية وهي:أولوية الدولة في التدخل الناجع والاستباقي،وظاهرة البناء الفوضوي كنتيجة مباشرة للفساد، وآلية المحاسبة كشرط جوهري لاستعادة هيبة الدولة ومنع تكرار الكوارث.

من إدارة الأزمات إلى استباقها…

في خطابه وتصريحاته، لم يكتف رئيس الجمهورية قيس سعيد بالتأكيد على ضرورة التدخل السريع، وإنما وضع إصبعه على جوهر الإشكال ومكمن الداء: التدخل الناجع قبل وقوع الفاجعة.

وهذا الطرح يمثل في جوهره تحوّلًا في فلسفة التعاطي مع الكوارث الطبيعية وإدارتها، بما أنه يقطع كليًا مع سياسة رد الفعل ويعوضها بمنطق الاستباق والوقاية وتحميل المسؤوليات.

فالدولة اعتادت على مدار سنوات خلت أن تتحرك بعد وقوع الكارثة، أي بعد الفيضانات، بعد الانهيارات في المباني، بعد سقوط الضحايا. وحينها تتحرّك الآليات، وتُشكل لجان تحقيق، وتُصرف تعويضات، ثم يُقبر الملف في انتظار حلول كارثة جديدة.

أما اليوم، فإن رئيس الدولة قيس سعيد يسعى– ومن خلال تصريحاته – إلى كسر هذا الجمود في التعاطي مع الأزمات، عبر إعادة الاعتبار إلى وظيفة الدولة كجهاز توقّع وإنذار واستباق وحماية.

فحماية المواطنين من مخاطر طبيعية متوقعة هي جزء من سيادة الدولة، كما هو الحال بالنسبة لحماية الحدود أو حفظ النظام العام. والتغيرات المناخية المرتقبة، التي أشار إليها رئيس الجمهورية قيس سعيد، لم تعد سيناريوهات نظرية وإنما واقع يفرض سياسات عمومية جديدة في التعاطي معها ترتكز إلى التخطيط الاستباقي، وصيانة البنية التحتية، وتعزيز قدرات الحماية المدنية.

وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن تحوّل رئيس الدولة قيس سعيد إلى قاعة العمليات يقطع كليًا مع السائد في التعاطي مع الأزمات، كما يبعث برسالة سياسية مفادها أن القرار السياسي يجب أن يكون قريبًا من المعلومة الميدانية، وأن الدولة لا تُصاغ قراراتها خلف المكاتب المغلقة حين تتعلق المسألة بحماية أرواح المواطنين. وهي رسالة موجهة أيضًا إلى كل مستويات الإدارة والفاعلين فيها من المركز إلى الجهات بأن التقصير لم يعد مقبولًا بالمرة، كما لم يعد مسموحًا بأن يمر مرور الكرام.

البناء الفوضوي… الكارثة الصامتة

من جانب آخر، مثل حديث رئيس الجمهورية عن الجدران المتداعية للسقوط والبناء العشوائي تشخيصًا فعليًا لجذور الأزمة. فالفيضانات، في حد ذاتها، لم تكن وحدها مسبب الخسائر الجسيمة، وإنما كانت عاملاً لكشف واقع عمراني هشّ، تمدد وتوسّع خارج الأطر القانونية المتعارف عليها وبعيدًا عن أي دراسات جدّية.

فعلى مدار العقود الماضية، تحوّل البناء الفوضوي في تونس إلى معضلة استشرت وبلغت مرحلة «الورم» الذي يصعب استئصاله، وذلك نتيجة تواطؤ بين ضعف الدولة وأجهزتها، وجشع بعض المنتفعين، وتغاضي الإدارات، وفساد الدراسات والتراتيب، لتُشيد أحياء كاملة في مجاري الأودية وتُبنى منازل دون احترام أدنى مقومات وشروط السلامة.

وهنا، تكتسب عبارة رئيس الجمهورية حول “الدراسات الفاسدة” أهمية بالغة، فالمسألة لا تتعلق فقط بمخالفات فردية وإنما بمنظومة كاملة من صناع القرار العمراني، منظومة تُمنح فيها التراخيص في غالب الأحيان دون تقييم حقيقي للمخاطر، أو تُغضّ الطرف عن تجاوزات خطيرة مقابل مصالح ضيقة.

الفساد والمحاسبة…

من جهة أخرى، حين اعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيد أن ما حدث هو نتيجة عقود من الفساد والفوضى، فإنه بذلك يقدم تشخيصًا سياسيًا لجذور الأزمة، واضعًا الكارثة في سياقها الحقيقي كنتيجة حتمية لاخلالات تراكمت بفعل سوء الحوكمة، وغياب الرقابة، وتواطؤ الصمت الإداري مع التجاوزات.

وهو تشخيص ينقل النقاش من مستوى تداعيات الفيضانات إلى مستوى مساءلة منظومة كاملة من القرارات والسياسات التي سمحت باستشراء البناء الفوضوي، وتكريس دراسات غير علمية، وخاصة تحويل الوظيفة العمومية من خدمة للصالح العام إلى وسيلة للربح غير المشروع.

وضمن هذه المقاربة، تتجلى تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد عن «المحاسبة لكل من لم يتحمل المسؤولية» كترسيخ لمبدأ دستوري وأخلاقي ينهي حقبة «الإفلات من العقاب». والمحاسبة هنا تتجاوز كليًا منطق التشفي أو سياسة تصفية الحسابات، بل هي إجراء تصحيحي ضروري لعدم تكرار المأساة ولإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته.

فالدولة التي لا تحاسب، تعطي إشارة ضمنية بأن الفساد بلا كلفة، وأن الأرواح يمكن أن تكون ثمنًا للتجاوزات، وبالتالي لا يمكن لدولة أن تدّعي حماية مواطنيها دون أن تحاسب من عرّضهم للخطر، عمدًا أو تقصيرًا.

لقد أكد رئيس الدولة قيس سعيد أن الأضرار المادية تُعوض، لكن الأرواح لا تُعوض، وهذا التمييز القيمي يضع المسؤول أمام اختبار عسير: إما الإخلاص في العمل أو أن القانون سيكون بالمرصاد.

في هذا الخضم، يتجلى تعاطي الدولة في أعلى هرمها مع الفيضانات الأخيرة ختامًا كمعركة لاستردادها من براثن الفساد والفوضى العمرانية: معركة الاستباق، وتنقية المجال العام من تراكمات الفساد، وبناء سياسة وقائية ناجعة ودائمة.

فتحوّل رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى قاعة العمليات وتنقله إلى عدد من الولايات التي ألحقت بها الفيضانات ضررًا بالغًا، إلى جانب خطابه الواضح، يعكس إرادة سياسية للقطع مع سياسة طالما حكمت العلاقة بين الدولة والكوارث: سياسة الانتظار ورد الفعل المتأخر.

معادلة جدية لإدارة الشأن العام

ومن هذا المنطلق، لم تعد الفيضانات مجرد اختبار لقدرة الحماية المدنية على التدخل الناجع، بل أصبحت امتحانًا لمدى جدية الدولة في القطع مع منطق التراخي والإفلات من المسؤولية.

فالاستباق الذي شدّد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد، والحزم في مواجهة البناء الفوضوي والدراسات الفاسدة، والمحاسبة التي اعتبرها المدخل الوحيد لمنع تكرار المآسي، تشكّل اليوم عناصر معادلة جديدة في إدارة الشأن العام. معادلة تضع حياة المواطن في صدارة الأولويات، وتعيد تعريف دور الدولة كسلطة حماية لا كجهاز ردّ فعل متأخر، بما يفضي إلى دولة لا تكتفي بإطفاء الحرائق أو شفط المياه، وإنما تعمل جدياً على تجفيف منابع الفوضى وكل مظاهر الفساد الذي دمر البلاد على مدار عقود.

منال حرزي