افتتح بحضور وزيرة الشؤون الثقافية ونظيرها الإيطالي.. معرض «مانيا ماتر بين زاما وروما» بالمتحف الوطني بباردو.. رحلة تاريخية تعيد الاعتبار لموقع «زاما ريجيا»
لم تكن عودة “مانيا ماتر” إلى تونس مجرّد عودة قطع أثرية إلى المتحف الوطني بباردو، بل كانت عودة سردية كاملة عن مدينة منسية لا يعرفها كثيرون، وعن ذاكرة دينية وثقافية عابرة للقرون، وعن علاقة قديمة متجددة بين ضفّتي المتوسط. فمنذ أمس الخميس 22 جانفي 2026، فتح معرض “مانيا ماتر – بين زاما وروما” أبوابه للعموم، مقدّما ثلاثين قطعة أثرية نادرة قادمة من موقع زاما ريجيا بولاية سليانة، في حدث يتجاوز البعد المتحفي إلى مساءلة تاريخ طويل من التراكمات الحضارية، ويعيد طرح مسألة موقع التراث التونسي داخل الفضاء المتوسطي والعالمي.
المعرض، الذي يتواصل إلى غاية 21 جويلية 2026، هو ثمرة تعاون تونسي–إيطالي جمع المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية بإدارة تثمين التراث الثقافي الإيطالية، ويأتي تتويجا لمسار علمي انطلق منذ سنوات داخل موقع زاما ريجيا، قبل أن يبلغ ذروته بعرض هذه القطع في منتزه الكولوسيوم الأثري بروما بين 5 جوان و5 نوفمبر 2025. هناك، في أحد أكثر الفضاءات الأثرية زيارة في العالم، استقطب المعرض قرابة ثلاثة ملايين زائر، مسلطا الضوء لأول مرة بهذا الحجم على موقع تونسي ظلّ طويلا حبيس الدراسات الأكاديمية المحدودة، رغم ثرائه الاستثنائي.
افتتاح المعرض بالمتحف الوطني بباردو مساء الأربعاء 21 جانفي، بحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي ووزير الثقافة الإيطالي ألساندرو جولي، وعدد من السفراء والشخصيات الثقافية والعلمية، لم يكن بروتوكوليا فقط، بل حمل دلالات رمزية قوية. فباردو، بما يمثله من ذاكرة وطنية ومتحفية، عزّز أكثر عبر هذا المعرض موقعه كفضاء جامع للتراث التونسي في أبعاده المتوسطية، بينما عادت القطع الأثرية إلى سياقها الجغرافي والتاريخي بعد رحلة علمية دقيقة.
في كلمتها، اعتبرت وزيرة الشؤون الثقافية أن افتتاح المعرض بتونس يمثل تتويجا لمسار علمي وثقافي قيّم، عادت خلاله القطع إلى موطنها الأصلي بعد خمسة أشهر من العرض والترميم في روما. وأكدت أن هذه القطع ليست مجرّد شواهد جامدة، بل جزء من إرث مدينة لعبت دورا محوريا في التاريخ النوميدي ثم الروماني، وأن جمالها ورمزيتها يضفيان إشعاعا خاصا على قاعات المتحف الوطني بباردو، ويعيدان الاعتبار لموقع زاما ريجيا في المخيال الجماعي.
القطع الثلاثون المعروضة تمثل عينة مختارة من المكتشفات الأثرية التي أسفرت عنها حفريات متواصلة منذ سنة 1996، وتعود في مجملها إلى الفترة الرومانية الممتدة بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثاني ميلادي. وهي تكشف عن ثراء الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية بمدينة كانت في الأصل إحدى الإقامات الهامة للملوك النوميديين، قبل أن تتحول إلى مركز حضري منفتح على العالم الروماني. وتتنوّع هذه القطع بين تماثيل نذرية، ومنحوتات، وأدوات طقسية استُخدمت داخل المعابد، بعضها مصنوع من التيراكوتا وبعضها الآخر من الرخام، وهو ما استوجب إخضاعها لتحاليل علمية دقيقة لتحديد مكوناتها وتقنيات صنعها قبل الشروع في ترميمها.
غير أن أهمية المعرض لا تكمن فقط في قيمة القطع المعروضة، بل في القصة التي يرويها عن عبادة “مانيا ماتر” أو “الإلهة الأم الكبرى”، تلك الإلهة ذات الأسماء المتعددة والهويات المتداخلة، من “عشتار” و“تانيت” في الفضاء الفينيقي–القرطاجي، إلى “سيبيل” في الأناضول والعالم الروماني. وهي إلهة جسدت، عبر العصور، القيم الكبرى لحضارات المتوسط: الحياة والموت، الخصوبة والبعث، القوة الحيوية للطبيعة، والحماية الرمزية للمدينة.
في هذا السياق شدّد وزير الثقافة الإيطالي ألساندرو جولي، في كلمته، على أن المعرض يروي في الآن ذاته تاريخ عبادة قديمة وحرفة معاصرة، وأن رمزية “مانيا ماتر” تعكس وحدة المخيال الديني لشعوب المتوسط رغم تنوع ثقافاتها.
وأشار إلى أن هذه الإلهة عُبدت لأكثر من ألف عام في الأناضول واليونان وروما وشمال إفريقيا، مبرزًا أن المعرض يقدم رؤية كونية للموضوعات الإنسانية الكبرى، ويعيد وصل خيوط العلاقات الثقافية التي ربطت منذ العصور القديمة بين الشعوب المتجاورة على ضفاف المتوسط.
ولا يمكن فصل هذا البعد الرمزي عن السياق التاريخي لمدينة زاما ريجيا نفسها، المعروفة اليوم بـ“هنشير جامة”، والتي كانت مسرحًا لمعركة زاما الشهيرة سنة 202 قبل الميلاد، حيث واجه القائد الروماني سيبيون الإفريقي القائد القرطاجي حنبعل في واحدة من أبرز معارك العصور القديمة. الموقع، الواقع على بعد نحو ثمانية كيلومترات من مدينة سليانة، مثّل أحد أهم المراكز في مملكة ماسينيسا، وشهد تراكمًا دينيًا ومعماريًا يعكس تعقّد الحياة الروحية والعمرانية في شمال إفريقيا القديمة.
والحفريات التي أنجزها المعهد الوطني للتراث بين 1996 و2015 كشفت عن معبد نوميدي مهيب، ومجمّع ديني متدرج المستويات يضم “نيمفيوم” ذا وظيفة طقسية، إلى جانب معبد مكرّس لعبادة “مانيا ماتر” وآخر مخصص للإله “أتيس”، رفيقها في المعتقدات الفريجية. وتبرز أهمية هذه المكتشفات في كونها تؤكد وجود ديانة مركّبة، ذات طقوس غامضة أحيانا، انتشرت في عدد من المدن الرومانية بشمال إفريقيا مثل قرطاج، وبولا ريجيا، ودقة، ولبدة الكبرى، لكنها اتخذت في زاما خصوصية معمارية ورمزية واضحة.
وتشير المعطيات العلمية المصاحبة للمعرض إلى أن بعض هذه القطع لم يسبق نشرها علميا رغم اكتشافها بين سنتي 2001 و2006، وهو ما يمنح للمعرض بعدا بحثيا يتجاوز العرض للجمهور العريض، ليخاطب كذلك الباحثين والمختصين. وقد مكّنت أعمال الجرد والتوثيق الحديثة من تصنيف هذه القطع بدقة، وربطها بسياقاتها الطقسية والمعمارية داخل الموقع.
أما على مستوى الترميم، فقد تم العمل على القطع المعروضة ضمن فريق مشترك من مرممي ومحافظي المعهد الوطني للتراث بتونس وخبراء المنتزه الأثري للكولوسيوم بروما، وفق منهج علمي دقيق جمع بين الدراسة والتشخيص والترميم. وشملت العملية تحاليل تشخيصية لفهم مكونات المواد والتقنيات القديمة، واستعمال صور عالية الدقة، والمجهر البصري، والمسح بالليزر، وهو ما سمح بالكشف عن آثار اللون والذهب الأصليين، وإعادة القطع إلى أقرب حالة ممكنة من شكلها التاريخي، مع احترام سطحها القديم وعدم المساس بذاكرتها المادية.
ويأتي هذا المعرض في إطار مشروع “زاما ريجيا”، الذي انطلق سنة 2024 إثر توقيع اتفاقية تعاون بين المنتزه الأثري للكولوسيوم والمعهد الوطني للتراث، بدعم من إدارة تثمين التراث الثقافي الإيطالية.
ويهدف المشروع إلى تعزيز البحث الأثري، وحماية الموقع، وتكوين الكفاءات، وتثمين المعالم، وإحداث مسار زيارة حديث ومفتوح للعموم. وقد شهدت المرحلة الأولى من المشروع، التي انطلقت في نوفمبر 2025، إنجاز مسح ثلاثي الأبعاد بالليزر لكامل الموقع الأثري، شمل منزل الحفريات والمخازن، ما أتاح لأول مرة توثيقا رقميا عالي الدقة للهياكل والمعالم.
وبداية من جانفي 2026، من المنتظر أن تنطلق أعمال تشخيص علمي للهياكل المكتشفة، لتكون أساسا لبرامج ترميم معمقة وتعميق البحوث الأثرية والتاريخية. كما يشمل برنامج العمل للفترة الممتدة بين 2026 و2029 ترميم المعالم والمناطق الأثرية المكتشفة، ومواصلة أعمال التنقيب، وإحداث مسارات زيارة آمنة وميسّرة باستعمال أحدث التقنيات، إلى جانب ترميم منزل الحفريات والمستودعات وتحويلها إلى فضاءات وظيفية لفائدة الباحثين.
في هذا السياق، أكدت وزيرة الشؤون الثقافية أن المشروع يندرج ضمن رؤية وطنية تهدف إلى حماية التراث التونسي وتثمينه لفائدة الأجيال القادمة، معتبرة أن الثقافة والتراث يشكلان ركيزة أساسية للتنمية المستدامة ولتعزيز صورة تونس على الصعيد الدولي. كما عبّرت عن أملها في أن يستقطب المعرض عددا كبيرا من الزوار من داخل تونس وخارجها، وأن يساهم في التعريف بموقع زاما ريجيا كوجهة ثقافية وسياحية واعدة.
أما وزير الثقافة الإيطالي، فقد ربط هذا التعاون بالسياق الأوسع للعلاقات التونسية–الإيطالية، مذكّرًا بأن المعرض يُعد من أوائل ثمار الاتفاق المبرم في أفريل 2024 بين رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، كما يندرج ضمن الاحتفال بالذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأكد أن إيطاليا تفخر بكونها الشريك الأول لتونس في المجال الأثري، من خلال أربع عشرة بعثة مشتركة ناشطة، معتبرًا أن الثقافة تظل من أكثر مجالات التعاون قدرة على خلق تنمية مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل.
بهذا المعنى، يتجاوز معرض “مانيا ماتر بين زاما وروما” كونه حدثا ثقافيا ظرفيا ليطرح، بشكل غير مباشر، مسألة موقع التراث في معادلات التنمية الثقافية والاقتصادية. فإعادة تثمين مكتشفات زاما ريجيا، عبر البحث العلمي والترميم والعرض المتحفي، تفتح إمكانات فعلية لدمج المواقع الأثرية الداخلية ضمن ديناميكية ثقافية مستدامة، لا تقوم على الاستهلاك السريع للتراث، بل على تحويل المعرفة الأثرية إلى مورد رمزي واقتصادي منظم.
وبين المتحف والموقع، وبين البحث والعرض، يتشكّل نموذج قابل للتوسّع يربط الثقافة بالسياحة الثقافية وبالاقتصاد المحلي، ويعيد التفكير في التنمية انطلاقا من الذاكرة، لا على حسابها، بما يطرح على السياسات العمومية سؤالا مركزيا بخصوص كيفية الاستثمار في التراث دون تفريغه من معناه التاريخي والعلمي.
إيمان عبد اللطيف
لم تكن عودة “مانيا ماتر” إلى تونس مجرّد عودة قطع أثرية إلى المتحف الوطني بباردو، بل كانت عودة سردية كاملة عن مدينة منسية لا يعرفها كثيرون، وعن ذاكرة دينية وثقافية عابرة للقرون، وعن علاقة قديمة متجددة بين ضفّتي المتوسط. فمنذ أمس الخميس 22 جانفي 2026، فتح معرض “مانيا ماتر – بين زاما وروما” أبوابه للعموم، مقدّما ثلاثين قطعة أثرية نادرة قادمة من موقع زاما ريجيا بولاية سليانة، في حدث يتجاوز البعد المتحفي إلى مساءلة تاريخ طويل من التراكمات الحضارية، ويعيد طرح مسألة موقع التراث التونسي داخل الفضاء المتوسطي والعالمي.
المعرض، الذي يتواصل إلى غاية 21 جويلية 2026، هو ثمرة تعاون تونسي–إيطالي جمع المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية بإدارة تثمين التراث الثقافي الإيطالية، ويأتي تتويجا لمسار علمي انطلق منذ سنوات داخل موقع زاما ريجيا، قبل أن يبلغ ذروته بعرض هذه القطع في منتزه الكولوسيوم الأثري بروما بين 5 جوان و5 نوفمبر 2025. هناك، في أحد أكثر الفضاءات الأثرية زيارة في العالم، استقطب المعرض قرابة ثلاثة ملايين زائر، مسلطا الضوء لأول مرة بهذا الحجم على موقع تونسي ظلّ طويلا حبيس الدراسات الأكاديمية المحدودة، رغم ثرائه الاستثنائي.
افتتاح المعرض بالمتحف الوطني بباردو مساء الأربعاء 21 جانفي، بحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي ووزير الثقافة الإيطالي ألساندرو جولي، وعدد من السفراء والشخصيات الثقافية والعلمية، لم يكن بروتوكوليا فقط، بل حمل دلالات رمزية قوية. فباردو، بما يمثله من ذاكرة وطنية ومتحفية، عزّز أكثر عبر هذا المعرض موقعه كفضاء جامع للتراث التونسي في أبعاده المتوسطية، بينما عادت القطع الأثرية إلى سياقها الجغرافي والتاريخي بعد رحلة علمية دقيقة.
في كلمتها، اعتبرت وزيرة الشؤون الثقافية أن افتتاح المعرض بتونس يمثل تتويجا لمسار علمي وثقافي قيّم، عادت خلاله القطع إلى موطنها الأصلي بعد خمسة أشهر من العرض والترميم في روما. وأكدت أن هذه القطع ليست مجرّد شواهد جامدة، بل جزء من إرث مدينة لعبت دورا محوريا في التاريخ النوميدي ثم الروماني، وأن جمالها ورمزيتها يضفيان إشعاعا خاصا على قاعات المتحف الوطني بباردو، ويعيدان الاعتبار لموقع زاما ريجيا في المخيال الجماعي.
القطع الثلاثون المعروضة تمثل عينة مختارة من المكتشفات الأثرية التي أسفرت عنها حفريات متواصلة منذ سنة 1996، وتعود في مجملها إلى الفترة الرومانية الممتدة بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثاني ميلادي. وهي تكشف عن ثراء الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية بمدينة كانت في الأصل إحدى الإقامات الهامة للملوك النوميديين، قبل أن تتحول إلى مركز حضري منفتح على العالم الروماني. وتتنوّع هذه القطع بين تماثيل نذرية، ومنحوتات، وأدوات طقسية استُخدمت داخل المعابد، بعضها مصنوع من التيراكوتا وبعضها الآخر من الرخام، وهو ما استوجب إخضاعها لتحاليل علمية دقيقة لتحديد مكوناتها وتقنيات صنعها قبل الشروع في ترميمها.
غير أن أهمية المعرض لا تكمن فقط في قيمة القطع المعروضة، بل في القصة التي يرويها عن عبادة “مانيا ماتر” أو “الإلهة الأم الكبرى”، تلك الإلهة ذات الأسماء المتعددة والهويات المتداخلة، من “عشتار” و“تانيت” في الفضاء الفينيقي–القرطاجي، إلى “سيبيل” في الأناضول والعالم الروماني. وهي إلهة جسدت، عبر العصور، القيم الكبرى لحضارات المتوسط: الحياة والموت، الخصوبة والبعث، القوة الحيوية للطبيعة، والحماية الرمزية للمدينة.
في هذا السياق شدّد وزير الثقافة الإيطالي ألساندرو جولي، في كلمته، على أن المعرض يروي في الآن ذاته تاريخ عبادة قديمة وحرفة معاصرة، وأن رمزية “مانيا ماتر” تعكس وحدة المخيال الديني لشعوب المتوسط رغم تنوع ثقافاتها.
وأشار إلى أن هذه الإلهة عُبدت لأكثر من ألف عام في الأناضول واليونان وروما وشمال إفريقيا، مبرزًا أن المعرض يقدم رؤية كونية للموضوعات الإنسانية الكبرى، ويعيد وصل خيوط العلاقات الثقافية التي ربطت منذ العصور القديمة بين الشعوب المتجاورة على ضفاف المتوسط.
ولا يمكن فصل هذا البعد الرمزي عن السياق التاريخي لمدينة زاما ريجيا نفسها، المعروفة اليوم بـ“هنشير جامة”، والتي كانت مسرحًا لمعركة زاما الشهيرة سنة 202 قبل الميلاد، حيث واجه القائد الروماني سيبيون الإفريقي القائد القرطاجي حنبعل في واحدة من أبرز معارك العصور القديمة. الموقع، الواقع على بعد نحو ثمانية كيلومترات من مدينة سليانة، مثّل أحد أهم المراكز في مملكة ماسينيسا، وشهد تراكمًا دينيًا ومعماريًا يعكس تعقّد الحياة الروحية والعمرانية في شمال إفريقيا القديمة.
والحفريات التي أنجزها المعهد الوطني للتراث بين 1996 و2015 كشفت عن معبد نوميدي مهيب، ومجمّع ديني متدرج المستويات يضم “نيمفيوم” ذا وظيفة طقسية، إلى جانب معبد مكرّس لعبادة “مانيا ماتر” وآخر مخصص للإله “أتيس”، رفيقها في المعتقدات الفريجية. وتبرز أهمية هذه المكتشفات في كونها تؤكد وجود ديانة مركّبة، ذات طقوس غامضة أحيانا، انتشرت في عدد من المدن الرومانية بشمال إفريقيا مثل قرطاج، وبولا ريجيا، ودقة، ولبدة الكبرى، لكنها اتخذت في زاما خصوصية معمارية ورمزية واضحة.
وتشير المعطيات العلمية المصاحبة للمعرض إلى أن بعض هذه القطع لم يسبق نشرها علميا رغم اكتشافها بين سنتي 2001 و2006، وهو ما يمنح للمعرض بعدا بحثيا يتجاوز العرض للجمهور العريض، ليخاطب كذلك الباحثين والمختصين. وقد مكّنت أعمال الجرد والتوثيق الحديثة من تصنيف هذه القطع بدقة، وربطها بسياقاتها الطقسية والمعمارية داخل الموقع.
أما على مستوى الترميم، فقد تم العمل على القطع المعروضة ضمن فريق مشترك من مرممي ومحافظي المعهد الوطني للتراث بتونس وخبراء المنتزه الأثري للكولوسيوم بروما، وفق منهج علمي دقيق جمع بين الدراسة والتشخيص والترميم. وشملت العملية تحاليل تشخيصية لفهم مكونات المواد والتقنيات القديمة، واستعمال صور عالية الدقة، والمجهر البصري، والمسح بالليزر، وهو ما سمح بالكشف عن آثار اللون والذهب الأصليين، وإعادة القطع إلى أقرب حالة ممكنة من شكلها التاريخي، مع احترام سطحها القديم وعدم المساس بذاكرتها المادية.
ويأتي هذا المعرض في إطار مشروع “زاما ريجيا”، الذي انطلق سنة 2024 إثر توقيع اتفاقية تعاون بين المنتزه الأثري للكولوسيوم والمعهد الوطني للتراث، بدعم من إدارة تثمين التراث الثقافي الإيطالية.
ويهدف المشروع إلى تعزيز البحث الأثري، وحماية الموقع، وتكوين الكفاءات، وتثمين المعالم، وإحداث مسار زيارة حديث ومفتوح للعموم. وقد شهدت المرحلة الأولى من المشروع، التي انطلقت في نوفمبر 2025، إنجاز مسح ثلاثي الأبعاد بالليزر لكامل الموقع الأثري، شمل منزل الحفريات والمخازن، ما أتاح لأول مرة توثيقا رقميا عالي الدقة للهياكل والمعالم.
وبداية من جانفي 2026، من المنتظر أن تنطلق أعمال تشخيص علمي للهياكل المكتشفة، لتكون أساسا لبرامج ترميم معمقة وتعميق البحوث الأثرية والتاريخية. كما يشمل برنامج العمل للفترة الممتدة بين 2026 و2029 ترميم المعالم والمناطق الأثرية المكتشفة، ومواصلة أعمال التنقيب، وإحداث مسارات زيارة آمنة وميسّرة باستعمال أحدث التقنيات، إلى جانب ترميم منزل الحفريات والمستودعات وتحويلها إلى فضاءات وظيفية لفائدة الباحثين.
في هذا السياق، أكدت وزيرة الشؤون الثقافية أن المشروع يندرج ضمن رؤية وطنية تهدف إلى حماية التراث التونسي وتثمينه لفائدة الأجيال القادمة، معتبرة أن الثقافة والتراث يشكلان ركيزة أساسية للتنمية المستدامة ولتعزيز صورة تونس على الصعيد الدولي. كما عبّرت عن أملها في أن يستقطب المعرض عددا كبيرا من الزوار من داخل تونس وخارجها، وأن يساهم في التعريف بموقع زاما ريجيا كوجهة ثقافية وسياحية واعدة.
أما وزير الثقافة الإيطالي، فقد ربط هذا التعاون بالسياق الأوسع للعلاقات التونسية–الإيطالية، مذكّرًا بأن المعرض يُعد من أوائل ثمار الاتفاق المبرم في أفريل 2024 بين رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، كما يندرج ضمن الاحتفال بالذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأكد أن إيطاليا تفخر بكونها الشريك الأول لتونس في المجال الأثري، من خلال أربع عشرة بعثة مشتركة ناشطة، معتبرًا أن الثقافة تظل من أكثر مجالات التعاون قدرة على خلق تنمية مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل.
بهذا المعنى، يتجاوز معرض “مانيا ماتر بين زاما وروما” كونه حدثا ثقافيا ظرفيا ليطرح، بشكل غير مباشر، مسألة موقع التراث في معادلات التنمية الثقافية والاقتصادية. فإعادة تثمين مكتشفات زاما ريجيا، عبر البحث العلمي والترميم والعرض المتحفي، تفتح إمكانات فعلية لدمج المواقع الأثرية الداخلية ضمن ديناميكية ثقافية مستدامة، لا تقوم على الاستهلاك السريع للتراث، بل على تحويل المعرفة الأثرية إلى مورد رمزي واقتصادي منظم.
وبين المتحف والموقع، وبين البحث والعرض، يتشكّل نموذج قابل للتوسّع يربط الثقافة بالسياحة الثقافية وبالاقتصاد المحلي، ويعيد التفكير في التنمية انطلاقا من الذاكرة، لا على حسابها، بما يطرح على السياسات العمومية سؤالا مركزيا بخصوص كيفية الاستثمار في التراث دون تفريغه من معناه التاريخي والعلمي.