مدينة سيدي بوسعيد أكثر من مجرد قرية سياحية.. إنها حالة وجدانية ومعمارية وتاريخية متجذرة في الذاكرة التونسية والمتوسطية.
الخبراء يحذّرون منذ أكثر من عقدين من التصدعات والانزلاقات بالهضبة، خاصة مع تزايد الضغط العمراني.
إن لم تُحل القضية، فإن سيدي بوسعيد ستظل معلّقة بين جمالها الأخّاذ وخطر يزحف بصمت تحت أقدامها.
بلغت كميات الأمطار بسيدي بوسعيد يوم الثلاثاء 20 جانفي الجاري حوالي 120 مم، وهي أعلى كمية تم تسجيلها بالعاصمة في ظرف زمني وجيز. وقد تعرّضت الضواحي الشمالية والعديد من المناطق الأخرى بالعاصمة وبمدن تونس الكبرى وعدد من الجهات التونسية إلى أضرار بسبب السيول الجارفة التي تسببت في انجرافات وتصدعات لعدد من الطرقات. وأعادت الكميات الكبيرة من التساقطات التي شهدتها سيدي بوسعيد، وما ترتب عنها من أضرار للبنية التحتية، إلى الواجهة ما يمكن أن نسمّيه بقضية «هضبة سيدي بوسعيد»، وأثارت حالة قلق عامة حول مصير الهضبة التي تقوم عليها واحدة من أكثر المدن التونسية رمزية.
لم تكن التساقطات الأخيرة مجرد حدث مناخي عابر، بل تحوّلت بسرعة إلى مؤشر جديد على هشاشة وضع جيولوجي ظلّ لسنوات محل تحذير الخبراء وتنبيه المختصين، دون أن يُترجم ذلك إلى تدخلات جذرية بحجم المخاطر القائمة. هذه الوضعية أعادت بقوة التساؤلات والإشكاليات المطروحة منذ سنوات على مستوى هضبة سيدي بوسعيد، والتي أُطلقت بخصوصها مرارًا صافرات الإنذار، خاصة مع تواتر الحديث عن الانزلاقات الأرضية والتشققات التي بدأت تتسع رقعتها، بما يستوجب التسريع في إيجاد حلول حقيقية لإنقاذ الهضبة من الانهيارات المحتملة. فالهضبة، بما تمثله من ثقل عمراني وثقافي وسياحي، ليست مجرد فضاء طبيعي، بل بنية مركبة تتداخل فيها العوامل الجيولوجية مع الضغوط البشرية، ما يجعل أي خلل فيها قابلًا للتحول إلى كارثة بطيئة، صامتة، لكنها مدمّرة.
وفي هذا السياق، أكد أستاذ التعليم العالي في الجيولوجيا وعلوم الأرض شكري يعيش، في تصريح لصحيفة “الصباح”، أنه «من الممكن أن تؤثر التساقطات الأخيرة على هضبة سيدي بوسعيد، لأنه من بين المشاكل التي تواجهها هي إشكالية تشبع الصخور والطبقات الطينية بالماء، ما من شأنه تسهيل الانزلاقات. التساقطات يصبح لها تأثيرات أكبر عندما تكون هناك بناءات عشوائية، وهي موجودة بسيدي بوسعيد. ولكن في نفس الوقت من الصعب الجزم بأن كمية الأمطار التي تهاطلت على المدينة قد تتسبب في انزلاقات بالهضبة، باعتبار أن هنالك العديد من العوامل الأخرى المؤثرة، أولها الصدوع الموجودة، ثانيها التأثيرات المسجلة جراء الرجّات الأرضية التي حدثت السنة الماضية بخليج تونس، وثالثها تسرّب المياه التي قد تكون متأتية من الأمطار أو من مياه الصرف الصحي المستعملة.
وبالتالي لا بدّ من دراسة دقيقة خاصة للصدوع والتحركات بصفة عامة، وتكون الدراسة مورفولوجية وجيولوجية وإيدرو-جيولوجية لمعرفة مدى تفاعل الهضبة مع كميات كبيرة من الأمطار».
هذا التصريح، الذي يضع الظاهرة في إطارها العلمي، يقطع مع القراءة التبسيطية التي تختزل المخاطر في كمية الأمطار وحدها، ويؤكد أن ما تعيشه سيدي بوسعيد هو نتيجة تراكمات معقدة تتداخل فيها الطبيعة مع تدخل الإنسان. فالتربة المكوّنة للهضبة، بحسب أغلب الدراسات الجيولوجية، تتكون من طبقات رملية وطينية هشة، تتأثر بسرعة بتشبع المياه، خاصة في ظل غياب شبكة تصريف فعالة، واستمرار تسرّبات المياه المستعملة، إلى جانب ضغط عمراني متزايد، كثير منه خارج الأطر القانونية. غير أن خطورة الوضع لا تتوقف عند المعطيات العلمية المجردة، بل تتضاعف حين نضعها في سياق القيمة الرمزية والثقافية لسيدي بوسعيد.
فالمدينة ليست مجرد معلم سياحي أو وجهة للزوار، بل حالة وجدانية ومعمارية وتاريخية متجذرة في الذاكرة التونسية والمتوسطية. اللافت أن هذا الخطر ليس وليد اليوم، بل هو ملف قديم متجدد. فمنذ أكثر من عقدين، حذّر خبراء من أن التصدعات والانزلاقات قد تتحول إلى واقع ملموس في حال استمرار الإهمال، ومع كل موسم أمطار تتأكد هذه النبوءات أكثر. كما أن الهزات الأرضية الخفيفة التي عرفها خليج تونس خلال السنة الماضية زادت من تعقيد المشهد، باعتبارها عاملًا إضافيًا قد يسرّع من وتيرة التحركات الأرضية، خاصة في المناطق المطلة على البحر حيث تلعب التعرية البحرية دورًا مستمرًا في إضعاف الأساسات.
الجدير بالتذكير أنه أمام هذا الوضع المقلق، التأمت في شهر جويلية 2025 جلسة عمل رفيعة المستوى بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية، أمينة الصرارفي، خُصصت لمتابعة ملف الانزلاقات الأرضية بهضبة سيدي بوسعيد، وجمعت ممثلين عن عدة وزارات وهياكل معنية. الجلسة عكست اعترافًا رسميًا بخطورة الوضع، ومحاولة لتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، خاصة في ظل ارتباط الملف بترشيح سيدي بوسعيد للإدراج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. غير أن قراءة متأنية لمخرجات هذه الاجتماعات، وللبيانات الرسمية الصادرة في الغرض، تكشف بطئًا واضحًا في الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ.
فرغم الحديث عن تكوين لجنة فنية موحدة، وربط الدراسات السابقة بخرائط مستحدثة، وإعادة تشخيص شبكات تصريف المياه، إلا أنه لم تتوفر بعد أي معطيات عن أي مستجدات بخصوص هذه اللجنة أو عن أعمالها. في المقابل، يواصل المختصون التأكيد على أن الحل لا يمكن أن يكون جزئيًا أو ترقيعيًا. فالأمر لا يتعلق بترميم واجهات أو إصلاح موضعي، بل بمعالجة تربة متحركة تحتاج إلى تدخلات علمية دقيقة، تبدأ بإنجاز خريطة جيولوجية وتكتونية محيّنة، تسمح بتحديد مناطق الهشاشة والصدوع بدقة، ومراقبة تحركات الأرض باستخدام تقنيات متطورة، وصولًا إلى اتخاذ قرارات شجاعة قد تشمل إزالة البناءات العشوائية وإخلاء بعض المناطق المهددة، حمايةً للأرواح قبل الحجر.
إن التساقطات الأخيرة، بما حملته من مشاهد سيول وانجرافات، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة إنذارات متواصلة. وما لم تُترجم هذه الإنذارات إلى قرارات عاجلة، مدعومة بتمويل فعلي وجداول زمنية واضحة، فإن سيدي بوسعيد ستظل معلّقة بين جمالها الأخّاذ وخطر يزحف بصمت تحت أقدامها، مهددًا واحدًا من أهم رموز الذاكرة الجماعية التونسية.
إيمان عبد اللطيف
مدينة سيدي بوسعيد أكثر من مجرد قرية سياحية.. إنها حالة وجدانية ومعمارية وتاريخية متجذرة في الذاكرة التونسية والمتوسطية.
الخبراء يحذّرون منذ أكثر من عقدين من التصدعات والانزلاقات بالهضبة، خاصة مع تزايد الضغط العمراني.
إن لم تُحل القضية، فإن سيدي بوسعيد ستظل معلّقة بين جمالها الأخّاذ وخطر يزحف بصمت تحت أقدامها.
بلغت كميات الأمطار بسيدي بوسعيد يوم الثلاثاء 20 جانفي الجاري حوالي 120 مم، وهي أعلى كمية تم تسجيلها بالعاصمة في ظرف زمني وجيز. وقد تعرّضت الضواحي الشمالية والعديد من المناطق الأخرى بالعاصمة وبمدن تونس الكبرى وعدد من الجهات التونسية إلى أضرار بسبب السيول الجارفة التي تسببت في انجرافات وتصدعات لعدد من الطرقات. وأعادت الكميات الكبيرة من التساقطات التي شهدتها سيدي بوسعيد، وما ترتب عنها من أضرار للبنية التحتية، إلى الواجهة ما يمكن أن نسمّيه بقضية «هضبة سيدي بوسعيد»، وأثارت حالة قلق عامة حول مصير الهضبة التي تقوم عليها واحدة من أكثر المدن التونسية رمزية.
لم تكن التساقطات الأخيرة مجرد حدث مناخي عابر، بل تحوّلت بسرعة إلى مؤشر جديد على هشاشة وضع جيولوجي ظلّ لسنوات محل تحذير الخبراء وتنبيه المختصين، دون أن يُترجم ذلك إلى تدخلات جذرية بحجم المخاطر القائمة. هذه الوضعية أعادت بقوة التساؤلات والإشكاليات المطروحة منذ سنوات على مستوى هضبة سيدي بوسعيد، والتي أُطلقت بخصوصها مرارًا صافرات الإنذار، خاصة مع تواتر الحديث عن الانزلاقات الأرضية والتشققات التي بدأت تتسع رقعتها، بما يستوجب التسريع في إيجاد حلول حقيقية لإنقاذ الهضبة من الانهيارات المحتملة. فالهضبة، بما تمثله من ثقل عمراني وثقافي وسياحي، ليست مجرد فضاء طبيعي، بل بنية مركبة تتداخل فيها العوامل الجيولوجية مع الضغوط البشرية، ما يجعل أي خلل فيها قابلًا للتحول إلى كارثة بطيئة، صامتة، لكنها مدمّرة.
وفي هذا السياق، أكد أستاذ التعليم العالي في الجيولوجيا وعلوم الأرض شكري يعيش، في تصريح لصحيفة “الصباح”، أنه «من الممكن أن تؤثر التساقطات الأخيرة على هضبة سيدي بوسعيد، لأنه من بين المشاكل التي تواجهها هي إشكالية تشبع الصخور والطبقات الطينية بالماء، ما من شأنه تسهيل الانزلاقات. التساقطات يصبح لها تأثيرات أكبر عندما تكون هناك بناءات عشوائية، وهي موجودة بسيدي بوسعيد. ولكن في نفس الوقت من الصعب الجزم بأن كمية الأمطار التي تهاطلت على المدينة قد تتسبب في انزلاقات بالهضبة، باعتبار أن هنالك العديد من العوامل الأخرى المؤثرة، أولها الصدوع الموجودة، ثانيها التأثيرات المسجلة جراء الرجّات الأرضية التي حدثت السنة الماضية بخليج تونس، وثالثها تسرّب المياه التي قد تكون متأتية من الأمطار أو من مياه الصرف الصحي المستعملة.
وبالتالي لا بدّ من دراسة دقيقة خاصة للصدوع والتحركات بصفة عامة، وتكون الدراسة مورفولوجية وجيولوجية وإيدرو-جيولوجية لمعرفة مدى تفاعل الهضبة مع كميات كبيرة من الأمطار».
هذا التصريح، الذي يضع الظاهرة في إطارها العلمي، يقطع مع القراءة التبسيطية التي تختزل المخاطر في كمية الأمطار وحدها، ويؤكد أن ما تعيشه سيدي بوسعيد هو نتيجة تراكمات معقدة تتداخل فيها الطبيعة مع تدخل الإنسان. فالتربة المكوّنة للهضبة، بحسب أغلب الدراسات الجيولوجية، تتكون من طبقات رملية وطينية هشة، تتأثر بسرعة بتشبع المياه، خاصة في ظل غياب شبكة تصريف فعالة، واستمرار تسرّبات المياه المستعملة، إلى جانب ضغط عمراني متزايد، كثير منه خارج الأطر القانونية. غير أن خطورة الوضع لا تتوقف عند المعطيات العلمية المجردة، بل تتضاعف حين نضعها في سياق القيمة الرمزية والثقافية لسيدي بوسعيد.
فالمدينة ليست مجرد معلم سياحي أو وجهة للزوار، بل حالة وجدانية ومعمارية وتاريخية متجذرة في الذاكرة التونسية والمتوسطية. اللافت أن هذا الخطر ليس وليد اليوم، بل هو ملف قديم متجدد. فمنذ أكثر من عقدين، حذّر خبراء من أن التصدعات والانزلاقات قد تتحول إلى واقع ملموس في حال استمرار الإهمال، ومع كل موسم أمطار تتأكد هذه النبوءات أكثر. كما أن الهزات الأرضية الخفيفة التي عرفها خليج تونس خلال السنة الماضية زادت من تعقيد المشهد، باعتبارها عاملًا إضافيًا قد يسرّع من وتيرة التحركات الأرضية، خاصة في المناطق المطلة على البحر حيث تلعب التعرية البحرية دورًا مستمرًا في إضعاف الأساسات.
الجدير بالتذكير أنه أمام هذا الوضع المقلق، التأمت في شهر جويلية 2025 جلسة عمل رفيعة المستوى بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية، أمينة الصرارفي، خُصصت لمتابعة ملف الانزلاقات الأرضية بهضبة سيدي بوسعيد، وجمعت ممثلين عن عدة وزارات وهياكل معنية. الجلسة عكست اعترافًا رسميًا بخطورة الوضع، ومحاولة لتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، خاصة في ظل ارتباط الملف بترشيح سيدي بوسعيد للإدراج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. غير أن قراءة متأنية لمخرجات هذه الاجتماعات، وللبيانات الرسمية الصادرة في الغرض، تكشف بطئًا واضحًا في الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ.
فرغم الحديث عن تكوين لجنة فنية موحدة، وربط الدراسات السابقة بخرائط مستحدثة، وإعادة تشخيص شبكات تصريف المياه، إلا أنه لم تتوفر بعد أي معطيات عن أي مستجدات بخصوص هذه اللجنة أو عن أعمالها. في المقابل، يواصل المختصون التأكيد على أن الحل لا يمكن أن يكون جزئيًا أو ترقيعيًا. فالأمر لا يتعلق بترميم واجهات أو إصلاح موضعي، بل بمعالجة تربة متحركة تحتاج إلى تدخلات علمية دقيقة، تبدأ بإنجاز خريطة جيولوجية وتكتونية محيّنة، تسمح بتحديد مناطق الهشاشة والصدوع بدقة، ومراقبة تحركات الأرض باستخدام تقنيات متطورة، وصولًا إلى اتخاذ قرارات شجاعة قد تشمل إزالة البناءات العشوائية وإخلاء بعض المناطق المهددة، حمايةً للأرواح قبل الحجر.
إن التساقطات الأخيرة، بما حملته من مشاهد سيول وانجرافات، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة إنذارات متواصلة. وما لم تُترجم هذه الإنذارات إلى قرارات عاجلة، مدعومة بتمويل فعلي وجداول زمنية واضحة، فإن سيدي بوسعيد ستظل معلّقة بين جمالها الأخّاذ وخطر يزحف بصمت تحت أقدامها، مهددًا واحدًا من أهم رموز الذاكرة الجماعية التونسية.