إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ارتفعت إلى 44,5 مليار دينار في 2025.. الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي تشكّل قرابة 70 بالمائة من إجمالي الصادرات

تؤكد المؤشرات التجارية لسنة 2025 متانة العلاقات الاقتصادية بين تونس والاتحاد الأوروبي، حيث واصلت الصادرات التونسية نحو السوق الأوروبية منحاها التصاعدي لتبلغ ما قيمته 44.527,8 مليون دينار، أي نحو 70 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية، مقابل 42.862,3 مليون دينار خلال سنة 2024.

ويعكس هذا التطور تسجيل نمو ملحوظ في حجم المبادلات التجارية بين الجانبين، باعتبار الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لتونس، ويبرز في الآن ذاته درجة الاندماج العالية للاقتصاد التونسي داخل الفضاء الأوروبي.

كما تدل هذه الأرقام على قدرة الصادرات الوطنية على الصمود والتأقلم مع المتغيرات الاقتصادية الدولية، مستفيدة من القرب الجغرافي واتفاقيات الشراكة وتنوّع المنتجات الموجّهة للتصدير، الأمر الذي يعزز دور السوق الأوروبية كرافعة أساسية لدعم النمو الاقتصادي وجلب العملة الصعبة.

ديناميكية الطلب وقدرة المنظومة التصديرية على الصمود

تعكس الزيادة المسجّلة في قيمة الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي بين سنتي 2024 و2025، والمقدّرة بنحو 1.665,5 مليون دينار، تطورا نوعيا يؤشّر على نسق تصاعدي في ديناميكية التبادل التجاري بين الجانبين. ويعود هذا النمو بالأساس إلى تواصل الطلب الأوروبي على المنتوجات التونسية، ولا سيما في القطاعات الصناعية والفلاحية والغذائية، التي حافظت على حضورها داخل الأسواق الأوروبية بفضل ما تتمتع به من قدرة تنافسية واستجابة للمعايير الفنية والصحية المعتمدة.

كما يؤكد هذا التطور قدرة المنظومة التصديرية التونسية على التكيّف مع التحولات الاقتصادية العالمية، في ظل سياق دولي يتسم بتباطؤ النمو وارتفاع كلفة الإنتاج والطاقة والنقل.

وفي هذا الإطار، تبرز قدرة المؤسسات التونسية، وخاصة المصدّرة منها، على المحافظة على تموقعها داخل سلاسل التوريد الأوروبية رغم التحديات المرتبطة بتقلبات الأسواق وتشدد الشروط اللوجستية والبيئية. وقد ساهم القرب الجغرافي، إلى جانب الخبرة المتراكمة في التعامل مع الشركاء الأوروبيين، في تعزيز الثقة في المنتوج التونسي واستمرارية تدفقه نحو هذه الأسواق، بما يرسّخ دور الصادرات كأحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي وتوفير العملة الصعبة.

ومن جهة أخرى، فإن بلوغ الصادرات الموجهة نحو الاتحاد الأوروبي نسبة 69,9 بالمائة من جملة الصادرات التونسية يعكس مستوى مرتفعًا من الاندماج التجاري مع الفضاء الأوروبي، ويؤكد عمق الروابط الاقتصادية والتاريخية التي تجمع تونس بشركائها الأوروبيين.

الاندماج التجاري مع أوروبا يقود الصادرات التونسية

تعود النتائج الإيجابية المسجلة في مستوى الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي بالأساس إلى الأداء اللافت لعدد من القطاعات الاستراتيجية التي شكّلت المحرك الرئيسي لنسق التصدير خلال سنة 2025. وفي مقدمة هذه القطاعات تبرز الصناعات الميكانيكية والكهربائية، ولا سيما صناعة مكونات السيارات، التي واصلت تعزيز حضورها داخل سلاسل الإنتاج الأوروبية بفضل تطور خبرتها التقنية واندماجها في شبكات التزويد الصناعية.

كما حافظ قطاع النسيج والملابس الجاهزة على مكانته التقليدية، مستفيدا من سرعة التوريد والقرب الجغرافي الذي يمنح المنتوج التونسي أفضلية تنافسية مقارنة بالأسواق البعيدة. وإلى جانب القطاعات الصناعية، ساهمت المنتجات الفلاحية والغذائية، على غرار زيت الزيتون والتمور، في دعم الصادرات مدفوعة بارتفاع الطلب الأوروبي على المنتجات ذات الجودة العالية والطابع المتوسطي.

وقد استفادت هذه القطاعات من جملة من العوامل المساندة، من بينها التسهيلات الجمركية واتفاقيات الشراكة والتبادل الحر التي تربط تونس بالاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الامتيازات اللوجستية الناتجة عن القرب الجغرافي. كما لعب التحسن النسبي في جودة المنتجات واحترام المعايير الأوروبية الصارمة دورًا محوريًا في تعزيز النفاذ إلى الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل تشدد الاتحاد الأوروبي في شروط السلامة الصحية والجودة وحماية المستهلك. ويعكس هذا التطور وعي المؤسسات التونسية بأهمية الارتقاء بالمواصفات الفنية واعتماد أنظمة الجودة، بما يعزز تنافسية الصادرات الوطنية ويضمن استدامة حضورها داخل واحدة من أكثر الأسواق تطلبًا في العالم.

الشراكة التاريخية مع أوروبا عامل حاسم لمواجهة تحديات الاقتصاد الوطني

يواصل الاتحاد الأوروبي ترسيخ موقعه كشريك تجاري أول لتونس سواء على مستوى الصادرات أو الواردات، وهو ما يعكس عمق الروابط الاقتصادية التي تجمع الجانبين. وهذا الارتباط الوثيق يجعل الاقتصاد التونسي شديد التأثر بالتحولات الظرفية داخل الفضاء الأوروبي، إذ ينعكس انتعاش الطلب في الأسواق الأوروبية بشكل مباشر على نسق الصادرات التونسية، في حين تؤدي فترات التباطؤ أو الركود الاقتصادي إلى تراجع وتيرة التصدير وتزايد الضغوط على النمو. ويبرز هذا الواقع حجم الرهانات المرتبطة باستقرار الشريك الأوروبي ودوره المحوري في دعم التوازنات الاقتصادية الوطنية.

وفي هذا السياق، تحمل الأرقام المسجلة خلال سنة 2025 دلالات إيجابية خاصة، إذ تأتي في ظرف اقتصادي داخلي يتسم بتحديات متزايدة، من بينها ارتفاع معدلات التضخم، وصعوبات النفاذ إلى التمويل، وتراجع نسق الاستثمار.

وتؤكد هذه المعطيات الدور الحيوي الذي تلعبه الصادرات، ولا سيما الموجهة نحو الاتحاد الأوروبي، كرافعة أساسية لجلب العملة الصعبة والمساهمة في التخفيف من حدة عجز الميزان التجاري. كما تبرز أهمية المحافظة على متانة هذه الشراكة وتعزيزها، باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحقيق قدر من التوازن في ظل سياق داخلي وخارجي متقلب.

ألمانيا وفرنسا الوجهة الأبرز للصادرات التونسية

تعكس تطورات المبادلات التجارية بين تونس وعدد من الشركاء الأوروبيين خلال سنة 2025 تباينا في نسق الصادرات بحسب الوجهات، بما يبرز اختلاف ديناميكية الطلب داخل السوق الأوروبية نفسها. فقد سجلت الصادرات التونسية نحو ألمانيا ارتفاعا لافتا بنسبة 10,7 بالمائة، وهو تطور يعكس بالأساس متانة الطلب الألماني على المنتجات الصناعية التونسية، ولا سيما مكونات السيارات والصناعات الميكانيكية والكهربائية التي تندرج ضمن سلاسل التزويد الصناعية الكبرى.

ويؤشر هذا الأداء الإيجابي على تعزيز تموقع المؤسسات التونسية داخل السوق الألمانية، المعروفة بتنافسيتها العالية وتشددها في معايير الجودة، بما يمنح الصادرات الوطنية قيمة مضافة من حيث السمعة والموثوقية.

وبالنسق ذاته، عرفت الصادرات نحو فرنسا نموًا بنسبة 10,1 بالمائة، مؤكدة الدور المحوري لهذا الشريك التاريخي في المبادلات التجارية التونسية. ويعود هذا التطور إلى تنوع قاعدة الصادرات الموجهة إلى السوق الفرنسية، والتي تشمل النسيج والملابس الجاهزة، والصناعات الميكانيكية والكهربائية، إلى جانب المنتجات الفلاحية والغذائية. كما ساهم القرب الجغرافي وكثافة العلاقات الاقتصادية والاستثمارية في تعزيز تدفق الصادرات، خاصة في ظل بحث المؤسسات الفرنسية عن أسواق قريبة ومرنة في إطار إعادة تنظيم سلاسل التوريد.

كما سجلت الصادرات التونسية نحو هولندا ارتفاعا بنسبة 3,2 بالمائة، وهو نمو وإن كان أقل نسبيا، إلا أنه يعكس استقرار المبادلات مع هذا السوق التي تمثل بوابة لوجستية مهمة نحو بقية بلدان شمال أوروبا. ويشير هذا التطور إلى قدرة الصادرات التونسية على الحفاظ على حضورها داخل أسواق متخصصة تعتمد بشكل متزايد على الجودة والتتبع واحترام المعايير البيئية.

في المقابل، شهدت الصادرات التونسية نحو بعض الشركاء الأوروبيين تراجعا ملحوظا، حيث انخفضت المبادلات مع إيطاليا بنسبة 9,5 بالمائة ومع إسبانيا بنسبة 4,1 بالمائة. ويعكس هذا التراجع جملة من العوامل، من بينها تقلص الطلب في بعض القطاعات واشتداد المنافسة داخل هذه الأسواق، إضافة إلى تأثير التقلبات الاقتصادية واللوجستية. كما قد يكون لهذا الانخفاض ارتباط بتغير هيكلة الواردات لدى هذه البلدان أو بتراجع بعض الأصناف التصديرية التقليدية.

كما شهدت الواردات التونسية من الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025 ارتفاعا ملحوظا لتبلغ قيمتها 37.321,2 مليون دينار، أي ما يمثل 43,7 بالمائة من إجمالي الواردات الوطنية، مقارنة بـ35.141,9 مليون دينار خلال سنة 2024. ويشير هذا الرقم إلى تطور حركة المبادلات التجارية مع الشركاء الأوروبيين، كما يترجم موقع الاتحاد الأوروبي كشريك استراتيجي بالنسبة للاقتصاد التونسي سواء على مستوى الصادرات أو الواردات، وهو مؤشر على اعتماد تونس الكبير على الفضاء الأوروبي لتلبية حاجياتها من السلع والخدمات المختلفة.

وعلى مستوى الشركاء، سجلت الواردات ارتفاعا ملحوظا مع فرنسا بنسبة 12,1 بالمائة ومع ألمانيا بنسبة 11 بالمائة، وهو ما يعكس قوة العلاقات الاقتصادية الثنائية وارتفاع الطلب التونسي على المنتجات الصناعية والخدمات والمواد الأولية التي توفرها هذه الأسواق. ويشير هذا النمو إلى قدرة الاقتصاد التونسي على الاستفادة من القرب الجغرافي والتسهيلات التجارية القائمة، إضافة إلى أهمية هذه الدول في سلاسل الإمداد الأوروبية التي تزود تونس بمنتجات عالية الجودة تساهم في دعم الإنتاج المحلي وتعزيز قدرات الصناعات الوطنية.

في المقابل، سجلت الواردات تراجعا ملموسا مع بعض الشركاء الأوروبيين، حيث انخفضت بنسبة 36,4 بالمائة مع اليونان وبنسبة 17,1 بالمائة مع بلجيكا، ويعود هذا التراجع إلى عدة عوامل من بينها تغير هيكلة الواردات التونسية، وتراجع الطلب على بعض الأصناف، بالإضافة إلى المنافسة الإقليمية والتحولات الاقتصادية داخل هذه الأسواق.

وتعكس هذه الأرقام أهمية الاتحاد الأوروبي في دعم الاستقرار الاقتصادي الوطني، حيث تساهم الواردات الأوروبية في تزويد السوق التونسية بالمنتجات الأساسية والمواد الوسيطة اللازمة للإنتاج، ما يدعم سلسلة القيمة المحلية ويساهم في تحقيق توازن نسبي بين العرض والطلب. كما تؤكد التوجهات الأخيرة الحاجة إلى تنويع مصادر الواردات وتعزيز الاستفادة من اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر، لضمان استدامة التدفقات التجارية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات الاقتصادية الدولية.

جهاد الكلبوسي

ارتفعت إلى 44,5 مليار دينار في 2025..   الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي تشكّل قرابة 70 بالمائة من إجمالي الصادرات

تؤكد المؤشرات التجارية لسنة 2025 متانة العلاقات الاقتصادية بين تونس والاتحاد الأوروبي، حيث واصلت الصادرات التونسية نحو السوق الأوروبية منحاها التصاعدي لتبلغ ما قيمته 44.527,8 مليون دينار، أي نحو 70 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية، مقابل 42.862,3 مليون دينار خلال سنة 2024.

ويعكس هذا التطور تسجيل نمو ملحوظ في حجم المبادلات التجارية بين الجانبين، باعتبار الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لتونس، ويبرز في الآن ذاته درجة الاندماج العالية للاقتصاد التونسي داخل الفضاء الأوروبي.

كما تدل هذه الأرقام على قدرة الصادرات الوطنية على الصمود والتأقلم مع المتغيرات الاقتصادية الدولية، مستفيدة من القرب الجغرافي واتفاقيات الشراكة وتنوّع المنتجات الموجّهة للتصدير، الأمر الذي يعزز دور السوق الأوروبية كرافعة أساسية لدعم النمو الاقتصادي وجلب العملة الصعبة.

ديناميكية الطلب وقدرة المنظومة التصديرية على الصمود

تعكس الزيادة المسجّلة في قيمة الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي بين سنتي 2024 و2025، والمقدّرة بنحو 1.665,5 مليون دينار، تطورا نوعيا يؤشّر على نسق تصاعدي في ديناميكية التبادل التجاري بين الجانبين. ويعود هذا النمو بالأساس إلى تواصل الطلب الأوروبي على المنتوجات التونسية، ولا سيما في القطاعات الصناعية والفلاحية والغذائية، التي حافظت على حضورها داخل الأسواق الأوروبية بفضل ما تتمتع به من قدرة تنافسية واستجابة للمعايير الفنية والصحية المعتمدة.

كما يؤكد هذا التطور قدرة المنظومة التصديرية التونسية على التكيّف مع التحولات الاقتصادية العالمية، في ظل سياق دولي يتسم بتباطؤ النمو وارتفاع كلفة الإنتاج والطاقة والنقل.

وفي هذا الإطار، تبرز قدرة المؤسسات التونسية، وخاصة المصدّرة منها، على المحافظة على تموقعها داخل سلاسل التوريد الأوروبية رغم التحديات المرتبطة بتقلبات الأسواق وتشدد الشروط اللوجستية والبيئية. وقد ساهم القرب الجغرافي، إلى جانب الخبرة المتراكمة في التعامل مع الشركاء الأوروبيين، في تعزيز الثقة في المنتوج التونسي واستمرارية تدفقه نحو هذه الأسواق، بما يرسّخ دور الصادرات كأحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي وتوفير العملة الصعبة.

ومن جهة أخرى، فإن بلوغ الصادرات الموجهة نحو الاتحاد الأوروبي نسبة 69,9 بالمائة من جملة الصادرات التونسية يعكس مستوى مرتفعًا من الاندماج التجاري مع الفضاء الأوروبي، ويؤكد عمق الروابط الاقتصادية والتاريخية التي تجمع تونس بشركائها الأوروبيين.

الاندماج التجاري مع أوروبا يقود الصادرات التونسية

تعود النتائج الإيجابية المسجلة في مستوى الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي بالأساس إلى الأداء اللافت لعدد من القطاعات الاستراتيجية التي شكّلت المحرك الرئيسي لنسق التصدير خلال سنة 2025. وفي مقدمة هذه القطاعات تبرز الصناعات الميكانيكية والكهربائية، ولا سيما صناعة مكونات السيارات، التي واصلت تعزيز حضورها داخل سلاسل الإنتاج الأوروبية بفضل تطور خبرتها التقنية واندماجها في شبكات التزويد الصناعية.

كما حافظ قطاع النسيج والملابس الجاهزة على مكانته التقليدية، مستفيدا من سرعة التوريد والقرب الجغرافي الذي يمنح المنتوج التونسي أفضلية تنافسية مقارنة بالأسواق البعيدة. وإلى جانب القطاعات الصناعية، ساهمت المنتجات الفلاحية والغذائية، على غرار زيت الزيتون والتمور، في دعم الصادرات مدفوعة بارتفاع الطلب الأوروبي على المنتجات ذات الجودة العالية والطابع المتوسطي.

وقد استفادت هذه القطاعات من جملة من العوامل المساندة، من بينها التسهيلات الجمركية واتفاقيات الشراكة والتبادل الحر التي تربط تونس بالاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الامتيازات اللوجستية الناتجة عن القرب الجغرافي. كما لعب التحسن النسبي في جودة المنتجات واحترام المعايير الأوروبية الصارمة دورًا محوريًا في تعزيز النفاذ إلى الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل تشدد الاتحاد الأوروبي في شروط السلامة الصحية والجودة وحماية المستهلك. ويعكس هذا التطور وعي المؤسسات التونسية بأهمية الارتقاء بالمواصفات الفنية واعتماد أنظمة الجودة، بما يعزز تنافسية الصادرات الوطنية ويضمن استدامة حضورها داخل واحدة من أكثر الأسواق تطلبًا في العالم.

الشراكة التاريخية مع أوروبا عامل حاسم لمواجهة تحديات الاقتصاد الوطني

يواصل الاتحاد الأوروبي ترسيخ موقعه كشريك تجاري أول لتونس سواء على مستوى الصادرات أو الواردات، وهو ما يعكس عمق الروابط الاقتصادية التي تجمع الجانبين. وهذا الارتباط الوثيق يجعل الاقتصاد التونسي شديد التأثر بالتحولات الظرفية داخل الفضاء الأوروبي، إذ ينعكس انتعاش الطلب في الأسواق الأوروبية بشكل مباشر على نسق الصادرات التونسية، في حين تؤدي فترات التباطؤ أو الركود الاقتصادي إلى تراجع وتيرة التصدير وتزايد الضغوط على النمو. ويبرز هذا الواقع حجم الرهانات المرتبطة باستقرار الشريك الأوروبي ودوره المحوري في دعم التوازنات الاقتصادية الوطنية.

وفي هذا السياق، تحمل الأرقام المسجلة خلال سنة 2025 دلالات إيجابية خاصة، إذ تأتي في ظرف اقتصادي داخلي يتسم بتحديات متزايدة، من بينها ارتفاع معدلات التضخم، وصعوبات النفاذ إلى التمويل، وتراجع نسق الاستثمار.

وتؤكد هذه المعطيات الدور الحيوي الذي تلعبه الصادرات، ولا سيما الموجهة نحو الاتحاد الأوروبي، كرافعة أساسية لجلب العملة الصعبة والمساهمة في التخفيف من حدة عجز الميزان التجاري. كما تبرز أهمية المحافظة على متانة هذه الشراكة وتعزيزها، باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحقيق قدر من التوازن في ظل سياق داخلي وخارجي متقلب.

ألمانيا وفرنسا الوجهة الأبرز للصادرات التونسية

تعكس تطورات المبادلات التجارية بين تونس وعدد من الشركاء الأوروبيين خلال سنة 2025 تباينا في نسق الصادرات بحسب الوجهات، بما يبرز اختلاف ديناميكية الطلب داخل السوق الأوروبية نفسها. فقد سجلت الصادرات التونسية نحو ألمانيا ارتفاعا لافتا بنسبة 10,7 بالمائة، وهو تطور يعكس بالأساس متانة الطلب الألماني على المنتجات الصناعية التونسية، ولا سيما مكونات السيارات والصناعات الميكانيكية والكهربائية التي تندرج ضمن سلاسل التزويد الصناعية الكبرى.

ويؤشر هذا الأداء الإيجابي على تعزيز تموقع المؤسسات التونسية داخل السوق الألمانية، المعروفة بتنافسيتها العالية وتشددها في معايير الجودة، بما يمنح الصادرات الوطنية قيمة مضافة من حيث السمعة والموثوقية.

وبالنسق ذاته، عرفت الصادرات نحو فرنسا نموًا بنسبة 10,1 بالمائة، مؤكدة الدور المحوري لهذا الشريك التاريخي في المبادلات التجارية التونسية. ويعود هذا التطور إلى تنوع قاعدة الصادرات الموجهة إلى السوق الفرنسية، والتي تشمل النسيج والملابس الجاهزة، والصناعات الميكانيكية والكهربائية، إلى جانب المنتجات الفلاحية والغذائية. كما ساهم القرب الجغرافي وكثافة العلاقات الاقتصادية والاستثمارية في تعزيز تدفق الصادرات، خاصة في ظل بحث المؤسسات الفرنسية عن أسواق قريبة ومرنة في إطار إعادة تنظيم سلاسل التوريد.

كما سجلت الصادرات التونسية نحو هولندا ارتفاعا بنسبة 3,2 بالمائة، وهو نمو وإن كان أقل نسبيا، إلا أنه يعكس استقرار المبادلات مع هذا السوق التي تمثل بوابة لوجستية مهمة نحو بقية بلدان شمال أوروبا. ويشير هذا التطور إلى قدرة الصادرات التونسية على الحفاظ على حضورها داخل أسواق متخصصة تعتمد بشكل متزايد على الجودة والتتبع واحترام المعايير البيئية.

في المقابل، شهدت الصادرات التونسية نحو بعض الشركاء الأوروبيين تراجعا ملحوظا، حيث انخفضت المبادلات مع إيطاليا بنسبة 9,5 بالمائة ومع إسبانيا بنسبة 4,1 بالمائة. ويعكس هذا التراجع جملة من العوامل، من بينها تقلص الطلب في بعض القطاعات واشتداد المنافسة داخل هذه الأسواق، إضافة إلى تأثير التقلبات الاقتصادية واللوجستية. كما قد يكون لهذا الانخفاض ارتباط بتغير هيكلة الواردات لدى هذه البلدان أو بتراجع بعض الأصناف التصديرية التقليدية.

كما شهدت الواردات التونسية من الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025 ارتفاعا ملحوظا لتبلغ قيمتها 37.321,2 مليون دينار، أي ما يمثل 43,7 بالمائة من إجمالي الواردات الوطنية، مقارنة بـ35.141,9 مليون دينار خلال سنة 2024. ويشير هذا الرقم إلى تطور حركة المبادلات التجارية مع الشركاء الأوروبيين، كما يترجم موقع الاتحاد الأوروبي كشريك استراتيجي بالنسبة للاقتصاد التونسي سواء على مستوى الصادرات أو الواردات، وهو مؤشر على اعتماد تونس الكبير على الفضاء الأوروبي لتلبية حاجياتها من السلع والخدمات المختلفة.

وعلى مستوى الشركاء، سجلت الواردات ارتفاعا ملحوظا مع فرنسا بنسبة 12,1 بالمائة ومع ألمانيا بنسبة 11 بالمائة، وهو ما يعكس قوة العلاقات الاقتصادية الثنائية وارتفاع الطلب التونسي على المنتجات الصناعية والخدمات والمواد الأولية التي توفرها هذه الأسواق. ويشير هذا النمو إلى قدرة الاقتصاد التونسي على الاستفادة من القرب الجغرافي والتسهيلات التجارية القائمة، إضافة إلى أهمية هذه الدول في سلاسل الإمداد الأوروبية التي تزود تونس بمنتجات عالية الجودة تساهم في دعم الإنتاج المحلي وتعزيز قدرات الصناعات الوطنية.

في المقابل، سجلت الواردات تراجعا ملموسا مع بعض الشركاء الأوروبيين، حيث انخفضت بنسبة 36,4 بالمائة مع اليونان وبنسبة 17,1 بالمائة مع بلجيكا، ويعود هذا التراجع إلى عدة عوامل من بينها تغير هيكلة الواردات التونسية، وتراجع الطلب على بعض الأصناف، بالإضافة إلى المنافسة الإقليمية والتحولات الاقتصادية داخل هذه الأسواق.

وتعكس هذه الأرقام أهمية الاتحاد الأوروبي في دعم الاستقرار الاقتصادي الوطني، حيث تساهم الواردات الأوروبية في تزويد السوق التونسية بالمنتجات الأساسية والمواد الوسيطة اللازمة للإنتاج، ما يدعم سلسلة القيمة المحلية ويساهم في تحقيق توازن نسبي بين العرض والطلب. كما تؤكد التوجهات الأخيرة الحاجة إلى تنويع مصادر الواردات وتعزيز الاستفادة من اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر، لضمان استدامة التدفقات التجارية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات الاقتصادية الدولية.

جهاد الكلبوسي