ينصح خبراء التنمية والموارد المائية بالتوجّه نحو إحياء تراث اعتماد البيوت التونسية على الفسقيات، كأحد أبرز حلول مجابهة مشكل الشحّ المائي وانقطاعات الماء الصالح للشراب التي بدأت تعيشه تونس منذ نحو عقدين، وكان وقعه عميقًا في السنوات الأخيرة، إذ تجد مدن وأحياء وقرى ومعتمديات نفسها أمام انقطاعات متكرّرة للماء لفترات متفاوتة.
واتجه عدد من التونسيين لمجابهة مشكل الشحّ المائي إلى بناء صهاريج فوق الأسطح وربطها بشبكة توزيع المياه الخاصة بهم ليتم استغلالها عند تسجيل الانقطاعات.
وفي إطار مشروع «فسقيتنا» المموّل من قبل الصندوق العالمي للطبيعة، مكتب شمال إفريقيا – تونس، والمنفّذ بالشراكة مع إدارة المياه بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بمدنين وخلايا الإرشاد الفلاحي بحومة السوق، أجيم والماي، تمّت تهيئة عدد من الفسقيات. كما تواصل جمعية «جليج» تهيئة الفساقي العمومية بجزيرة جربة. وتُظهر الدراسات الميدانية أن الفساقي العمومية لا تتبع نموذجًا معماريًا واحدًا، إذ تم توثيق وجود 11 نمطًا معماريًا مختلفًا للفساقي، تتنوّع حسب الفترة التاريخية، والحضارات المتعاقبة، والخصوصيات التراثية المحلية. ومن بين هذه الأنماط، فساقي ذات قبو واحد وأخرى ذات قبو مزدوج لزيادة السعة والمتانة، إلى جانب فساقي بأشكال دائرية أو مستطيلة، وأخرى تحتوي على سُلّم داخلي مدمج في الجدار.
وحسب الجمعية، تتميّز بعض الفساقي بنمط معماري يُسمّى «مالطي»، وخاصة وجود السلم الداخلي، ويسمح بالنزول إلى قاع الخزان لأغراض التنظيف والصيانة ومراقبة مستوى المياه، ويعكس فهمًا عميقًا لإدارة المياه في البيئات الجافة.
نمط معماري متميّز
ويوجد في جزيرة جربة 37 فسقية من هذا النمط المعماري تتوزّع حسب خريطة رقمية موجودة على موقع (واب) الجمعية. وكل فسقية من هذا النمط بها خزانان مرتبطان بثلاث فتحات بينها لمرور الماء.
ويبلغ طول الخزان 8 م، وعرضه 2,5 م، وارتفاعه 3 م. وتمّ بناء هذا النوع من قبل بنّائين مالطيين.
ويتقاطع تطوّر هذا النمط في جربة مع فترة الاستقرار المالطي بالجزيرة منذ سنة 1822، خاصة مع قدوم البنّائين والحرفيين المالطيين، ومن بينهم ألكسندر غريما، وما تلاه من استقرار عائلات مالطية عديدة، وفق ما يؤكّده مؤرّخون وباحثون في المجال. وقد ساهم هذا الحضور في إدخال أو تطوير تقنيات بناء، من بينها الخزّانات ذات السلالم الداخلية، والأسقف المقوّسة، وهي عناصر معروفة في العمارة المالطية.
هذا التفاعل بين الخبرة المالطية والمعرفة المحلية أدّى إلى ظهور تنوّع معماري يعكس تاريخ التبادل الثقافي وإدارة المياه، ويمثّل نتاجًا لتلاقح بين المعرفة المحلية الجربية والتأثيرات المتوسطية، حيث حافظت الفساقي على طابعها المحلي مع الاستفادة من تقنيات وافدة أثبتت نجاعتها واستدامتها عبر الزمن. ويسعى مشروع «فسقيتنا» إلى تثمين هذا الإرث المائي من خلال إعادة صيانتها مع احترام أنماطها المعمارية الأصلية، وتوثيق مختلف أنواعها حسب الفترات والحضارات، والتعريف بقيمتها التاريخية والبيئية، مع إدماجها في مسارات ثقافية وتربوية وسياحية مستدامة.
إحياء الطرق الموروثة
في سياق متّصل، يؤكّد حسين الرحيلي، المختص في التنمية والتصرّف في الموارد، على ضرورة أن تكون الحلول المطروحة على المدى المتوسط والبعيد، وليست مجرّد حلول ظرفية.
وقال في تصريحه لـ«الصباح» إنّه على مستوى الندرة، التونسيون مطالبون بإعادة الاعتبار لطرق التأقلم مع الوضع، باعتماد طرق موروثة وثقافة الترشيد التي طالما اعتمدها. وبيّن أن التونسي طالما برهن على مرّ التاريخ قدرته على ذلك من خلال بناء الحنايا والفسقيات والماجل، وهو ما يستدعي ضرورة إحياء هذه الثقافة لدى كلّ الأجيال.
ودعا الخبير المختص في التنمية والتصرّف في الموارد إلى فتح حوار مجتمعي شامل لتحديد البرامج والسياسات الاستباقية للتكيّف، على اعتبار أن التغيّر المناخي لا يمكن مقاربته ببرامج حينية، ويجب العمل على تنويع مصادر الماء من خلال تثمين مياه الصرف الصحي وكلّ أنواع المياه المهجورة، وإعادة النظر في سياسات وخطط تنمية الموارد المائية السطحية في علاقة بالتغيّر المناخي، وخاصة إعادة النظر في سياسة تعبئة موارد السدود والبحيرات الجبلية التي تتعرّض للتبخّر بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
ريم سوودي
ينصح خبراء التنمية والموارد المائية بالتوجّه نحو إحياء تراث اعتماد البيوت التونسية على الفسقيات، كأحد أبرز حلول مجابهة مشكل الشحّ المائي وانقطاعات الماء الصالح للشراب التي بدأت تعيشه تونس منذ نحو عقدين، وكان وقعه عميقًا في السنوات الأخيرة، إذ تجد مدن وأحياء وقرى ومعتمديات نفسها أمام انقطاعات متكرّرة للماء لفترات متفاوتة.
واتجه عدد من التونسيين لمجابهة مشكل الشحّ المائي إلى بناء صهاريج فوق الأسطح وربطها بشبكة توزيع المياه الخاصة بهم ليتم استغلالها عند تسجيل الانقطاعات.
وفي إطار مشروع «فسقيتنا» المموّل من قبل الصندوق العالمي للطبيعة، مكتب شمال إفريقيا – تونس، والمنفّذ بالشراكة مع إدارة المياه بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بمدنين وخلايا الإرشاد الفلاحي بحومة السوق، أجيم والماي، تمّت تهيئة عدد من الفسقيات. كما تواصل جمعية «جليج» تهيئة الفساقي العمومية بجزيرة جربة. وتُظهر الدراسات الميدانية أن الفساقي العمومية لا تتبع نموذجًا معماريًا واحدًا، إذ تم توثيق وجود 11 نمطًا معماريًا مختلفًا للفساقي، تتنوّع حسب الفترة التاريخية، والحضارات المتعاقبة، والخصوصيات التراثية المحلية. ومن بين هذه الأنماط، فساقي ذات قبو واحد وأخرى ذات قبو مزدوج لزيادة السعة والمتانة، إلى جانب فساقي بأشكال دائرية أو مستطيلة، وأخرى تحتوي على سُلّم داخلي مدمج في الجدار.
وحسب الجمعية، تتميّز بعض الفساقي بنمط معماري يُسمّى «مالطي»، وخاصة وجود السلم الداخلي، ويسمح بالنزول إلى قاع الخزان لأغراض التنظيف والصيانة ومراقبة مستوى المياه، ويعكس فهمًا عميقًا لإدارة المياه في البيئات الجافة.
نمط معماري متميّز
ويوجد في جزيرة جربة 37 فسقية من هذا النمط المعماري تتوزّع حسب خريطة رقمية موجودة على موقع (واب) الجمعية. وكل فسقية من هذا النمط بها خزانان مرتبطان بثلاث فتحات بينها لمرور الماء.
ويبلغ طول الخزان 8 م، وعرضه 2,5 م، وارتفاعه 3 م. وتمّ بناء هذا النوع من قبل بنّائين مالطيين.
ويتقاطع تطوّر هذا النمط في جربة مع فترة الاستقرار المالطي بالجزيرة منذ سنة 1822، خاصة مع قدوم البنّائين والحرفيين المالطيين، ومن بينهم ألكسندر غريما، وما تلاه من استقرار عائلات مالطية عديدة، وفق ما يؤكّده مؤرّخون وباحثون في المجال. وقد ساهم هذا الحضور في إدخال أو تطوير تقنيات بناء، من بينها الخزّانات ذات السلالم الداخلية، والأسقف المقوّسة، وهي عناصر معروفة في العمارة المالطية.
هذا التفاعل بين الخبرة المالطية والمعرفة المحلية أدّى إلى ظهور تنوّع معماري يعكس تاريخ التبادل الثقافي وإدارة المياه، ويمثّل نتاجًا لتلاقح بين المعرفة المحلية الجربية والتأثيرات المتوسطية، حيث حافظت الفساقي على طابعها المحلي مع الاستفادة من تقنيات وافدة أثبتت نجاعتها واستدامتها عبر الزمن. ويسعى مشروع «فسقيتنا» إلى تثمين هذا الإرث المائي من خلال إعادة صيانتها مع احترام أنماطها المعمارية الأصلية، وتوثيق مختلف أنواعها حسب الفترات والحضارات، والتعريف بقيمتها التاريخية والبيئية، مع إدماجها في مسارات ثقافية وتربوية وسياحية مستدامة.
إحياء الطرق الموروثة
في سياق متّصل، يؤكّد حسين الرحيلي، المختص في التنمية والتصرّف في الموارد، على ضرورة أن تكون الحلول المطروحة على المدى المتوسط والبعيد، وليست مجرّد حلول ظرفية.
وقال في تصريحه لـ«الصباح» إنّه على مستوى الندرة، التونسيون مطالبون بإعادة الاعتبار لطرق التأقلم مع الوضع، باعتماد طرق موروثة وثقافة الترشيد التي طالما اعتمدها. وبيّن أن التونسي طالما برهن على مرّ التاريخ قدرته على ذلك من خلال بناء الحنايا والفسقيات والماجل، وهو ما يستدعي ضرورة إحياء هذه الثقافة لدى كلّ الأجيال.
ودعا الخبير المختص في التنمية والتصرّف في الموارد إلى فتح حوار مجتمعي شامل لتحديد البرامج والسياسات الاستباقية للتكيّف، على اعتبار أن التغيّر المناخي لا يمكن مقاربته ببرامج حينية، ويجب العمل على تنويع مصادر الماء من خلال تثمين مياه الصرف الصحي وكلّ أنواع المياه المهجورة، وإعادة النظر في سياسات وخطط تنمية الموارد المائية السطحية في علاقة بالتغيّر المناخي، وخاصة إعادة النظر في سياسة تعبئة موارد السدود والبحيرات الجبلية التي تتعرّض للتبخّر بسبب ارتفاع درجات الحرارة.