إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من الجهات إلى مدينة الثقافة.. ملتقى مسرح الهواية يُراهن على التنوّع والاعتراف المؤسساتي

-❞جميلة الشيحي لـ«الصباح»: «كل مسار مسرحي يبدأ من الهواية.. ومن واجبنا احتواء الهواة وتوفير فضاء محترف لتجاربهم»❝

في قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، تتجدّد الأسئلة القديمة عن المسرح، لا من بوابة الاحتراف هذه المرّة، بل من خشبة الهواية، حيث انطلقت عشية أمس الجمعة 9 جانفي 2026 فعاليات الدورة السادسة لملتقى مسرح الهواية الذي ينظّمه قطب المسرح والفنون الركحية – مسرح أوبرا تونس، ويتواصل إلى غاية 14 جانفي. تظاهرة تضع الهواية في صدارة المشهد، لا باعتبارها مستوى أدنى، بل كمساحة تأسيس، وتجريب، وربما مقاومة.

منذ دورته الأولى، لم يُقدَّم ملتقى مسرح الهواية بوصفه تظاهرة احتفالية عابرة، بل كموعد سنوي لاكتشاف الطاقات المسرحية الشابة القادمة من مختلف الولايات، ومختبرا تتقاطع فيه التجارب الهاوية على اختلاف خلفياتها الجمالية والفكرية. والدورة السادسة لا تخرج عن هذا السياق، لكنها تطرح بحدّة أكبر سؤال العلاقة بين المؤسسة الثقافية الرسمية والممارسة الهاوية: لماذا تحتضن أوبرا تونس الهواية اليوم؟ وما الذي تضيفه هذه المساحة إلى المشهد المسرحي؟

أن تُنظَّم تظاهرة لمسرح الهواية داخل فضاء مؤسساتي بحجم مسرح أوبرا تونس، فذلك ليس تفصيلا إداريا أو تقنيا أو برمجيا عابرا، بل هو اختيار ثقافي يعكس وعيا بدور الهواية في دورة الحياة المسرحية، وبحاجة المشهد إلى دماء جديدة تتشكّل خارج قوالب الاحتراف الصارمة. هذا الاحتضان المؤسسي يطرح في الآن ذاته تساؤلات عن حدود الحرية، وعن قدرة الهواية على الحفاظ على طابعها التجريبي داخل فضاء محترف.

الهواية داخل المؤسسة.. اعتراف أم احتواء؟

في هذا السياق، أوضحت مديرة قطب المسرح والفنون الركحية بمسرح أوبرا تونس جميلة الشيحي، في تصريحها لـ»الصباح»، أنّ الجديد في هذه الدورة «يكمن في تنوّع العروض، لأنه من دورة إلى دورة لا نعتمد نفس الولايات التي تشارك معنا، فهذه السنة تشارك كل من ولاية صفاقس والمنستير إلى جانب المؤسسات العمومية والخاصة». وأضافت أنّ «هذا التنوّع الجغرافي ينعكس مباشرة على طبيعة الأعمال المقدّمة، باعتبار أنّ المسرح متجدّد، وبالتالي هناك الجديد مع العروض الشبابية».

هذا الرهان على التنويع وعدم إعادة إنتاج نفس التجارب، يكشف عن رغبة في كسر المركزية الثقافية، وفي التعامل مع الهواية بوصفها حقلا حيّا ومتغيّرا، لا خزّانا ثابتا للطاقات فحسب. فالهواية هنا لا تُستدعى لتزيين البرنامج، بل لتوسيع أفقه الجمالي.

مسرح الهواية.. من أين يبدأ المسرح؟

وبعيدا عن التصنيفات، تعود الهواية إلى جوهر الفعل المسرحي، أي الرغبة الأولى في التعبير. وهو ما تؤكده جميلة الشيحي بوضوح حين قالت إنّ «مسرح الهواية على غاية من الأهمية لأننا جميعنا جئنا من الهواية، فالبداية كانت من هكذا طريق، فكنا في نوادي المسرح بدور الثقافة ودور الشباب والمؤسسات الجامعية».

هذا التذكير ليس حنينا شخصيا بقدر ما هو إعادة تثبيت للهواية كمرحلة تأسيسية لا يمكن القفز عليها. فالمسرح، في مساره الطبيعي، لا يولد محترفا، بل يتشكّل داخل فضاءات الهواية، حيث الخطأ ممكن، والتجريب مسموح، والبحث عن الذات أولوية.

وأضافت جميلة الشيحي أنّ «البداية أكيد تكون بالهواية ثم يأتي الاحتراف»، معتبرة أنّ من واجب المؤسسات الثقافية «أن تُشجّع الهواة وتحتويهم وتُقدّم لهم الفضاء بآلياته التقنية والفنية المتمثّل في قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي».

ولأنّ المسارات ليست واحدة، «فهناك فئة من الناس ومن الشباب يواصلون دراسة المسرح وآخرون يتجهون إلى مجالات أخرى»، فإنّ الهواية لا تُختزل في وظيفة التمهيد للاحتراف، بل تُقدَّم كفضاء يتيح للشباب اختبار خياراتهم، واكتشاف علاقتهم بالفن، سواء استمرّوا فيه أو غادروه.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يُراد لمسرح الهواية أن يبقى مساحة حرّة موازية، أم أنّه يُستثمر كمعبر منظّم نحو الاحتراف وكتوجّه واختيار ثقافي مؤسساتي؟ أجابت مديرة قطب المسرح والفنون الركحية عن هذا الإشكال بنبرة عمليّة، معتبرة أنّ الأمر يعود أساسا إلى اختيار الشباب أنفسهم. فأكّدت «هو اختيار الشباب، كما نجد من يمارس الموسيقى، الرسم، الرقص، نجد من يمارس المسرح».

وربطت جميلة الشيحي هذا التوجّه بتعدّد التظاهرات التي يشرف عليها القطب، موضّحة «كما لدينا مهرجان الخروج إلى المسرح كمهرجان خاص بالمحترفين، ولدينا مهرجان التعبيرات المسرحية وهو مهرجان خاص بمن يدرسون المسرح في الورشات التكوينية في قطب المسرح والفنون الركحية، فإنّه من واجبنا أيضا أن نهتم بالشباب الهاوي».

بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الهواية كنقيض للاحتراف، بل كحلقة ضمن منظومة أشمل، تتكامل فيها التظاهرات بحسب مستويات الممارسة والتكوين. «فلا يوجد ممثل بدأ في الاحتراف مباشرة»، وفق الشيحي، فـ»أكيد أنّه مرّ بالهواية التي تشجّعه على المواصلة».

فضاء محترف لتجارب هاوية

أحد أبرز رهانات ملتقى مسرح الهواية، هو تمكين الفرق الهاوية من تقديم أعمالها داخل فضاء محترف، بما يتيحه ذلك من إمكانات تقنية وفنية. فاعتبرت الشيحي أنّ «هذا المهرجان هو فرصة لتقديم العروض في فضاء يكون محترفا، يوفّر الآليات التقنية والفنية اللازمة لأعمالهم».

والهدف الأساسي، كما أكّدته مديرة القطب، يتجاوز البعد التقني ليصل إلى بعد ثقافي أعمق، يتمثّل في «الاهتمام الأوّلي بأن تتمكّن الجهات من المشاركة بغاية الابتعاد نوعا ما عن المركزية الثقافية في تونس».

وبالتالي، اختيار مسرح أوبرا تونس، بوصفه مؤسسة عمومية رسمية، احتضان ملتقى مسرح الهواية ليس تفصيلا إداريا أو برمجيا عابرا. فالمؤسسة التي ارتبط اسمها، تاريخيا ورمزيا، بالإنتاجات الكبرى وبالأشكال الفنية المؤطّرة، تفتح فضاءها أمام تجارب قادمة من الجمعيات والفضاءات المستقلة وورشات التكوين. وهو احتضان يحمل دلالة مزدوجة: من جهة اعتراف بشرعية الهواية كممارسة ثقافية، ومن جهة أخرى محاولة إعادة وصل ما انقطع بين المؤسسات الرسمية والطاقات المسرحية الشابة التي غالبا ما تشتغل خارج دوائر الدعم والتمويل.

وبالتالي فإنّ ملتقى مسرح الهواية، في دورته السادسة، يواصل هذا الرهان عبر برنامج يضم ستة عروض، تمتد على ستة أيام متتالية، وتجمع بين فرق من صفاقس والمنستير وسكرة وتونس العاصمة.

تنوّع العروض والجهات

افتتح الملتقى، يوم أمس، بعرض «المهمشون» من إخراج عمر بن سلطانة، إنتاج جمعية فندق الحدادين بصفاقس. عنوان العرض وحده يحيل إلى انشغال اجتماعي واضح، وإلى مسرح ينحاز إلى الفئات التي تم اقصاؤها فيمنحها صوتا فوق الركح. اختيار هذا العمل كعرض افتتاحي ليس بريئا، إذ يضع منذ البداية سؤال الدور الاجتماعي لمسرح الهواية، وقدرته على الاشتباك مع الواقع دون وسائط تجميلية أو حسابات سوقية.

يتواصل البرنامج يوم السبت 10 جانفي مع عرض «بوراشكا» من إخراج نبيل الشاهد، إنتاج جمعية البعث المسرحي بالمنستير. هنا ننتقل إلى تجربة أخرى، تنتمي إلى سياق جهوي مختلف، وتحمل توقيع مخرج راكم تجربة داخل النسيج الجمعياتي. هذا التنوّع في الخلفيات يفتح المجال لمقارنة غير مباشرة بين تجارب الهواة، لا من حيث «المستوى» بل من حيث الرؤية الجمالية والرهانات الفنية.

ويُقدَّم يوم الأحد 11 جانفي عرض «بروفة»، وهو ثمرة ورشات الفنون التابعة لمسرح أوبرا تونس – قطب المسرح والفنون الركحية، بتأطير نبيه دلاعي. هذا العمل يحتل موقعا خاصا داخل البرنامج، لأنه يأتي من داخل المؤسسة نفسها، لكنه ينتمي إلى خانة التكوين والورشات. حضور «بروفة» في الملتقى يطرح سؤال العلاقة بين التكوين المؤسسي والهواية: هل نحن أمام محاولة لتأطير الهواية داخل منطق أكاديمي، أم أمام اعتراف بأن الهواية هي في ذاتها فضاء تعلّم وتجريب؟

أما يوم الاثنين 12 جانفي، فيشهد عرض «ذنوب» من إخراج محمد علي كشطان، إنتاج جمعية أرتوميموس بسكرة. عمل آخر يندرج ضمن الإنتاج الجمعياتي، ويعكس حيوية الفضاءات الثقافية المستقلة في الضواحي، بعيدا عن مركز العاصمة. هنا تبرز الهواية بوصفها فعل مقاومة ثقافية، يحافظ على استمرارية المسرح في مناطق غالبا ما تعاني من هشاشة البنية التحتية والدعم.

ويُقدَّم يوم الثلاثاء 13 جانفي عرض «موندو 25» من إخراج محمد علي دمق، إنتاج فضاء Open Space بتونس. عنوان العمل يوحي بانفتاح على أسئلة راهنة، وربما على أشكال تعبير معاصرة، ما يعكس قدرة مسرح الهواية على مواكبة التحوّلات وعدم انغلاقه في قوالب تقليدية. هذا العرض، وغيره، يذكّر بأن الهواية ليست بالضرورة مرادفا للتأخّر أو البساطة، بل قد تكون مختبرا للأشكال الجديدة.

ويُختتم الملتقى يوم الأربعاء 14 جانفي بعرض «Sucre Amer» من إخراج زينب الفرشيشي، إنتاج Be Actor Studio. حضور عمل بعنوان فرنسي داخل ملتقى للهواية يفتح بدوره نقاشا حول التعدّد اللغوي والجمالي في المسرح التونسي، وحول انفتاح الهواة على مدارس وأساليب مختلفة، دون الارتهان لتصنيفات جاهزة.

 إيمان عبد اللطيف

من الجهات إلى مدينة الثقافة..   ملتقى مسرح الهواية يُراهن على التنوّع والاعتراف المؤسساتي

-❞جميلة الشيحي لـ«الصباح»: «كل مسار مسرحي يبدأ من الهواية.. ومن واجبنا احتواء الهواة وتوفير فضاء محترف لتجاربهم»❝

في قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، تتجدّد الأسئلة القديمة عن المسرح، لا من بوابة الاحتراف هذه المرّة، بل من خشبة الهواية، حيث انطلقت عشية أمس الجمعة 9 جانفي 2026 فعاليات الدورة السادسة لملتقى مسرح الهواية الذي ينظّمه قطب المسرح والفنون الركحية – مسرح أوبرا تونس، ويتواصل إلى غاية 14 جانفي. تظاهرة تضع الهواية في صدارة المشهد، لا باعتبارها مستوى أدنى، بل كمساحة تأسيس، وتجريب، وربما مقاومة.

منذ دورته الأولى، لم يُقدَّم ملتقى مسرح الهواية بوصفه تظاهرة احتفالية عابرة، بل كموعد سنوي لاكتشاف الطاقات المسرحية الشابة القادمة من مختلف الولايات، ومختبرا تتقاطع فيه التجارب الهاوية على اختلاف خلفياتها الجمالية والفكرية. والدورة السادسة لا تخرج عن هذا السياق، لكنها تطرح بحدّة أكبر سؤال العلاقة بين المؤسسة الثقافية الرسمية والممارسة الهاوية: لماذا تحتضن أوبرا تونس الهواية اليوم؟ وما الذي تضيفه هذه المساحة إلى المشهد المسرحي؟

أن تُنظَّم تظاهرة لمسرح الهواية داخل فضاء مؤسساتي بحجم مسرح أوبرا تونس، فذلك ليس تفصيلا إداريا أو تقنيا أو برمجيا عابرا، بل هو اختيار ثقافي يعكس وعيا بدور الهواية في دورة الحياة المسرحية، وبحاجة المشهد إلى دماء جديدة تتشكّل خارج قوالب الاحتراف الصارمة. هذا الاحتضان المؤسسي يطرح في الآن ذاته تساؤلات عن حدود الحرية، وعن قدرة الهواية على الحفاظ على طابعها التجريبي داخل فضاء محترف.

الهواية داخل المؤسسة.. اعتراف أم احتواء؟

في هذا السياق، أوضحت مديرة قطب المسرح والفنون الركحية بمسرح أوبرا تونس جميلة الشيحي، في تصريحها لـ»الصباح»، أنّ الجديد في هذه الدورة «يكمن في تنوّع العروض، لأنه من دورة إلى دورة لا نعتمد نفس الولايات التي تشارك معنا، فهذه السنة تشارك كل من ولاية صفاقس والمنستير إلى جانب المؤسسات العمومية والخاصة». وأضافت أنّ «هذا التنوّع الجغرافي ينعكس مباشرة على طبيعة الأعمال المقدّمة، باعتبار أنّ المسرح متجدّد، وبالتالي هناك الجديد مع العروض الشبابية».

هذا الرهان على التنويع وعدم إعادة إنتاج نفس التجارب، يكشف عن رغبة في كسر المركزية الثقافية، وفي التعامل مع الهواية بوصفها حقلا حيّا ومتغيّرا، لا خزّانا ثابتا للطاقات فحسب. فالهواية هنا لا تُستدعى لتزيين البرنامج، بل لتوسيع أفقه الجمالي.

مسرح الهواية.. من أين يبدأ المسرح؟

وبعيدا عن التصنيفات، تعود الهواية إلى جوهر الفعل المسرحي، أي الرغبة الأولى في التعبير. وهو ما تؤكده جميلة الشيحي بوضوح حين قالت إنّ «مسرح الهواية على غاية من الأهمية لأننا جميعنا جئنا من الهواية، فالبداية كانت من هكذا طريق، فكنا في نوادي المسرح بدور الثقافة ودور الشباب والمؤسسات الجامعية».

هذا التذكير ليس حنينا شخصيا بقدر ما هو إعادة تثبيت للهواية كمرحلة تأسيسية لا يمكن القفز عليها. فالمسرح، في مساره الطبيعي، لا يولد محترفا، بل يتشكّل داخل فضاءات الهواية، حيث الخطأ ممكن، والتجريب مسموح، والبحث عن الذات أولوية.

وأضافت جميلة الشيحي أنّ «البداية أكيد تكون بالهواية ثم يأتي الاحتراف»، معتبرة أنّ من واجب المؤسسات الثقافية «أن تُشجّع الهواة وتحتويهم وتُقدّم لهم الفضاء بآلياته التقنية والفنية المتمثّل في قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي».

ولأنّ المسارات ليست واحدة، «فهناك فئة من الناس ومن الشباب يواصلون دراسة المسرح وآخرون يتجهون إلى مجالات أخرى»، فإنّ الهواية لا تُختزل في وظيفة التمهيد للاحتراف، بل تُقدَّم كفضاء يتيح للشباب اختبار خياراتهم، واكتشاف علاقتهم بالفن، سواء استمرّوا فيه أو غادروه.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يُراد لمسرح الهواية أن يبقى مساحة حرّة موازية، أم أنّه يُستثمر كمعبر منظّم نحو الاحتراف وكتوجّه واختيار ثقافي مؤسساتي؟ أجابت مديرة قطب المسرح والفنون الركحية عن هذا الإشكال بنبرة عمليّة، معتبرة أنّ الأمر يعود أساسا إلى اختيار الشباب أنفسهم. فأكّدت «هو اختيار الشباب، كما نجد من يمارس الموسيقى، الرسم، الرقص، نجد من يمارس المسرح».

وربطت جميلة الشيحي هذا التوجّه بتعدّد التظاهرات التي يشرف عليها القطب، موضّحة «كما لدينا مهرجان الخروج إلى المسرح كمهرجان خاص بالمحترفين، ولدينا مهرجان التعبيرات المسرحية وهو مهرجان خاص بمن يدرسون المسرح في الورشات التكوينية في قطب المسرح والفنون الركحية، فإنّه من واجبنا أيضا أن نهتم بالشباب الهاوي».

بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الهواية كنقيض للاحتراف، بل كحلقة ضمن منظومة أشمل، تتكامل فيها التظاهرات بحسب مستويات الممارسة والتكوين. «فلا يوجد ممثل بدأ في الاحتراف مباشرة»، وفق الشيحي، فـ»أكيد أنّه مرّ بالهواية التي تشجّعه على المواصلة».

فضاء محترف لتجارب هاوية

أحد أبرز رهانات ملتقى مسرح الهواية، هو تمكين الفرق الهاوية من تقديم أعمالها داخل فضاء محترف، بما يتيحه ذلك من إمكانات تقنية وفنية. فاعتبرت الشيحي أنّ «هذا المهرجان هو فرصة لتقديم العروض في فضاء يكون محترفا، يوفّر الآليات التقنية والفنية اللازمة لأعمالهم».

والهدف الأساسي، كما أكّدته مديرة القطب، يتجاوز البعد التقني ليصل إلى بعد ثقافي أعمق، يتمثّل في «الاهتمام الأوّلي بأن تتمكّن الجهات من المشاركة بغاية الابتعاد نوعا ما عن المركزية الثقافية في تونس».

وبالتالي، اختيار مسرح أوبرا تونس، بوصفه مؤسسة عمومية رسمية، احتضان ملتقى مسرح الهواية ليس تفصيلا إداريا أو برمجيا عابرا. فالمؤسسة التي ارتبط اسمها، تاريخيا ورمزيا، بالإنتاجات الكبرى وبالأشكال الفنية المؤطّرة، تفتح فضاءها أمام تجارب قادمة من الجمعيات والفضاءات المستقلة وورشات التكوين. وهو احتضان يحمل دلالة مزدوجة: من جهة اعتراف بشرعية الهواية كممارسة ثقافية، ومن جهة أخرى محاولة إعادة وصل ما انقطع بين المؤسسات الرسمية والطاقات المسرحية الشابة التي غالبا ما تشتغل خارج دوائر الدعم والتمويل.

وبالتالي فإنّ ملتقى مسرح الهواية، في دورته السادسة، يواصل هذا الرهان عبر برنامج يضم ستة عروض، تمتد على ستة أيام متتالية، وتجمع بين فرق من صفاقس والمنستير وسكرة وتونس العاصمة.

تنوّع العروض والجهات

افتتح الملتقى، يوم أمس، بعرض «المهمشون» من إخراج عمر بن سلطانة، إنتاج جمعية فندق الحدادين بصفاقس. عنوان العرض وحده يحيل إلى انشغال اجتماعي واضح، وإلى مسرح ينحاز إلى الفئات التي تم اقصاؤها فيمنحها صوتا فوق الركح. اختيار هذا العمل كعرض افتتاحي ليس بريئا، إذ يضع منذ البداية سؤال الدور الاجتماعي لمسرح الهواية، وقدرته على الاشتباك مع الواقع دون وسائط تجميلية أو حسابات سوقية.

يتواصل البرنامج يوم السبت 10 جانفي مع عرض «بوراشكا» من إخراج نبيل الشاهد، إنتاج جمعية البعث المسرحي بالمنستير. هنا ننتقل إلى تجربة أخرى، تنتمي إلى سياق جهوي مختلف، وتحمل توقيع مخرج راكم تجربة داخل النسيج الجمعياتي. هذا التنوّع في الخلفيات يفتح المجال لمقارنة غير مباشرة بين تجارب الهواة، لا من حيث «المستوى» بل من حيث الرؤية الجمالية والرهانات الفنية.

ويُقدَّم يوم الأحد 11 جانفي عرض «بروفة»، وهو ثمرة ورشات الفنون التابعة لمسرح أوبرا تونس – قطب المسرح والفنون الركحية، بتأطير نبيه دلاعي. هذا العمل يحتل موقعا خاصا داخل البرنامج، لأنه يأتي من داخل المؤسسة نفسها، لكنه ينتمي إلى خانة التكوين والورشات. حضور «بروفة» في الملتقى يطرح سؤال العلاقة بين التكوين المؤسسي والهواية: هل نحن أمام محاولة لتأطير الهواية داخل منطق أكاديمي، أم أمام اعتراف بأن الهواية هي في ذاتها فضاء تعلّم وتجريب؟

أما يوم الاثنين 12 جانفي، فيشهد عرض «ذنوب» من إخراج محمد علي كشطان، إنتاج جمعية أرتوميموس بسكرة. عمل آخر يندرج ضمن الإنتاج الجمعياتي، ويعكس حيوية الفضاءات الثقافية المستقلة في الضواحي، بعيدا عن مركز العاصمة. هنا تبرز الهواية بوصفها فعل مقاومة ثقافية، يحافظ على استمرارية المسرح في مناطق غالبا ما تعاني من هشاشة البنية التحتية والدعم.

ويُقدَّم يوم الثلاثاء 13 جانفي عرض «موندو 25» من إخراج محمد علي دمق، إنتاج فضاء Open Space بتونس. عنوان العمل يوحي بانفتاح على أسئلة راهنة، وربما على أشكال تعبير معاصرة، ما يعكس قدرة مسرح الهواية على مواكبة التحوّلات وعدم انغلاقه في قوالب تقليدية. هذا العرض، وغيره، يذكّر بأن الهواية ليست بالضرورة مرادفا للتأخّر أو البساطة، بل قد تكون مختبرا للأشكال الجديدة.

ويُختتم الملتقى يوم الأربعاء 14 جانفي بعرض «Sucre Amer» من إخراج زينب الفرشيشي، إنتاج Be Actor Studio. حضور عمل بعنوان فرنسي داخل ملتقى للهواية يفتح بدوره نقاشا حول التعدّد اللغوي والجمالي في المسرح التونسي، وحول انفتاح الهواة على مدارس وأساليب مختلفة، دون الارتهان لتصنيفات جاهزة.

 إيمان عبد اللطيف