في أغلب دول العالم، دأب الجمهور على مواعيد ثابتة، بعضها تحوّل إلى جزء من المخيال الجماعي ومن روزنامة السياحة الثقافية العالمية.
خارطة المهرجانات ليست مجرد وثيقة تقنية، بل هي انعكاس لرؤية ثقافية شاملة.
تعيش التظاهرات الثقافية الكبرى في تونس، في السنوات الأخيرة، على وقع لخبطة متواصلة لم تعد خافية على المتابعين ولا على الفاعلين في الحقل الثقافي، لخبطة تطال المهرجانات الصيفية كما تمتد إلى السينما والمسرح والموسيقى ومعرض تونس الدولي للكتاب، وصولًا إلى اختفاء مهرجانات أُعلن عنها في لحظة ما ثم لم يُكتب لها الاستمرار، أو تم تغيير أسمائها وصيغها دون توضيح، ممّا حوّل المشهد الثقافي من فضاء يُفترض أن يقوم على التراكم والاستقرار والموعد القارّ، إلى روزنامة مرتبكة يصعب توقّعها أو بناء علاقة دائمة معها من قبل الجمهور والمهنيين والشركاء على حدّ سواء.
في أغلب دول العالم، العربية منها والخليجية والأوروبية والأمريكية، دأب الجمهور المتابع للتظاهرات الثقافية الكبرى، سواء تعلّق الأمر بمهرجانات سينمائية أو مسرحية أو موسيقية، أو بمعارض كتب دولية، أو حتى بأسابيع الموضة والفنون البصرية، على مواعيد ثابتة ومتعارف عليها عبر سنوات طويلة، بل إن بعض هذه المواعيد تحوّل إلى جزء من المخيال الجماعي ومن روزنامة السياحة الثقافية العالمية، إذ يعرف المهتمون بالشأن السينمائي، على سبيل المثال، مهرجانات سينمائية عالمية كبرى مثل مهرجانات ما يُطلق عليها «أكبر ثلاثة»، وهي كان (Cannes)، والبندقية (Venice)، وبرلين (Berlin)، بالإضافة إلى تورونتو (Toronto) ولوكارنو (Locarno)، التي تُعتبر من أهم الفضاءات لعرض الأفلام المستقلة والجديدة، وتجمع صُنّاع السينما والجمهور النقدي.
فبرمجتها ونجومها وضيوفها تبدأ ملامحها في التشكّل قبل أشهر طويلة من الافتتاح، بما يتيح للإعلام وللمهنيين وللجمهور الاستعداد والمتابعة، ويمنح هذه التظاهرات الكبرى مكانة لا ينازعها فيها حدث آخر في تلك الفترة، فتتجه الأنظار إليها وحدها، وتُبنى حولها ديناميكية ثقافية واقتصادية وإعلامية متكاملة.
هذا المنطق لا يخصّ هذه الدول وحدها، بل يكاد يكون قاعدة في دول عديدة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية تُعرف مواعيد مهرجانات كبرى مثل صندانس أو تريبيكا، وسهرة توزيع جوائز الأوسكار منذ سنوات.
وفي المغرب بات مهرجان مراكش السينمائي الدولي موعدًا قارًّا في نهاية السنة، وفي الجزائر يندرج مهرجان وهران للفيلم العربي ضمن روزنامة شبه ثابتة رغم ما يطرأ عليه أحيانًا من تعديلات، وفي مصر يحافظ مهرجان القاهرة السينمائي الدولي على موقعه الزمني والاعتباري بما يسمح له باستقطاب أفلام وضيوف في إطار تنافسي واضح، بينما نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في تثبيت مواعيد تظاهرات ثقافية متعددة، مثل معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي بات من أكبر معارض الكتب في العالم العربي بفضل استقراره الزمني وحوكمته الواضحة واستراتيجيته الاتصالية المدروسة، إلى جانب مهرجانات فنية وموسيقية وسينمائية تُبنى وفق تخطيط بعيد المدى.
كما تشهد المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة استثمارًا كبيرًا في المهرجانات الثقافية والفنية والسينمائية، من خلال روزنامة سنوية مُعلنة سلفًا، سواء تعلّق الأمر بمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي أو بمواسم ثقافية وفنية أخرى، حيث يُنظر إلى الحدث الثقافي بوصفه مشروعًا متكاملًا لا مجرّد تظاهرة ظرفية.
الأردن بدورها أسّست لمهرجان سينمائي حديث، وهو مهرجان عمّان السينمائي (أول فيلم)، لم يتجاوز عمره الست سنوات، ولكن باتت له هوية ومكانة فتحت أشرعتها على دول عربية وغربية، وأضحى يتنافس من أجل إيجاد موضع قدم في خارطة المهرجانات السينمائية العربية والدولية والعالمية، وبالتالي خلق سياسة ثقافية استثمارية تجلب أكثر الأسماء نجومية في عالم الإخراج السينمائي والتلفزي للتصوير بمعالم البلد الأثرية.
في المقابل، يبدو هذا التوجه شبه غائب في تونس، أو بالأحرى فقد بريقه ومساره خلال السنوات الأخيرة، إذ تتكاثر الإعلانات عن مهرجانات وتظاهرات جديدة ثم تُلغى أو تُؤجّل، وتتغيّر مواعيد تظاهرات عريقة دون تفسير واضح، ولا يُعلن عن الأسباب ولا عن المسببات، بما يخلق حالة من الضبابية وعدم الثقة لدى الفاعلين الثقافيين والجمهور معًا. فعلى سبيل المثال، وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، لم يُحدَّد بعد الموعد الجديد لأيام قرطاج الموسيقية، ولا اسم مديرها الفني، رغم أن المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية نشرت منذ أكتوبر 2025 بلاغًا لفتح باب الترشحات لهذه الخطة، محدّدة ضمنه مهام المدير الفني من إعداد البرمجة الفنية إلى تنفيذها، والإشراف على الاتصال، وتحديد الاحتياجات المادية والبشرية، وتقديم ميزانية تقديرية، وهي مهام مرتبطة، بحسب البلاغ نفسه، بالدورة الحادية عشرة للتظاهرة التي يُفترض أن تُنظَّم في النصف الثاني من شهر جانفي، في إجراء يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق التخطيط.
إذ يبدو من غير المعقول، وفق المعايير المهنية المعمول بها دوليًا، الإعلان عن فتح باب الترشح لخطة مدير فني قبل أسابيع قليلة من موعد مهرجان يُفترض أن تكون برمجته واتفاقاته الأساسية قد أُنجزت قبل ذلك بأشهر أو حتى بسنة، أو فور اختتام الدورة السابقة. هذه الحالة ليست استثناء، بل تكرّرت مع تظاهرات أخرى كبرى على المستويين الوطني والدولي، حيث تغيّرت المواعيد أو أُلغيت دورات كاملة أو أُحدثت تظاهرات جديدة لم تعمّر سوى دورة أو دورتين، على غرار أيام قرطاج الشعرية التي اندثرت بعد بدايات واعدة، دون تقييم علني أو نقاش عمومي حول أسباب الفشل أو شروط الاستمرارية.
تغيّرت أيضًا تواريخ ومواعيد تنظيم أعرق المهرجانات الكبرى في تونس في عدة مناسبات، على غرار أيام قرطاج السينمائية وأيام قرطاج المسرحية. وشهدت أيضًا بعض المهرجانات الصيفية بدورها بعضًا من التذبذب في مواعيدها، واختارت أخرى أن تبتعد عن «زحمة» التظاهرات الصيفية، على غرار مهرجان دقّة. في المقابل، قررت وزارة الشؤون الثقافية، وفي خطوة مفاجئة، تغيير اسم مهرجان بعد أربع سنوات من التأسيس والعمل على بناء هويته، من تسمية مهرجان أوذنة الدولي إلى الدورة التأسيسية للمهرجان الدولي للفنون الشعبية، وفي ذات الاتجاه تمّ إحداث المهرجان الدولي «للراب» بولاية المنستير.
في ذات السياق، شهد معرض تونس الدولي للكتاب، في السنوات الأخيرة، تأجيلات وتغييرات في مواعيده أثّرت في صورته وفي علاقته بالناشرين والكتّاب والجمهور، في حين عاد مهرجان الأغنية التونسية بعد اثنتي عشرة سنة من الانقطاع، عودة حملت معها أسئلة أكثر مما قدّمت إجابات، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة تضمن له موقعًا ثابتًا وهوية متجددة داخل المشهد الموسيقي.
هذا الاضطراب لا يمكن قراءته فقط بوصفه نتيجة لأزمات مالية أو لظروف استثنائية، بل يكشف، في عمقه، عن أزمة حوكمة ثقافية وعن غياب استراتيجية واضحة للمهرجانات والتظاهرات الثقافية الكبرى تقوم على التخطيط البعيد المدى، وعلى تثبيت المواعيد وبناء العلامة الثقافية لكل تظاهرة، وهو ما يجعل المقارنة مع تجارب عربية ودولية أخرى ضرورية لفهم الفجوة القائمة.
ففي فرنسا، على سبيل المثال، لا يُنظر إلى المهرجان الثقافي كحدث منعزل، بل كجزء من منظومة تشمل السياحة، والاقتصاد الإبداعي، والإعلام، والتعليم، ما يفرض استقرار المواعيد وتكامل الأدوار، وفي الولايات المتحدة تُدار المهرجانات الكبرى عبر مؤسسات مستقلة، مع مجالس إدارة واضحة وشراكات طويلة الأمد.
بينما راهنت دول عربية عدة، مثل الإمارات والمغرب والأردن والسعودية، على تحويل المهرجانات إلى أدوات قوة ناعمة واستثمار رمزي واقتصادي جلب، وهو ما يتطلب بالضرورة وضوح الرؤية واستمرارية السياسات.
في هذا السياق التونسي المرتبك إلى حدّ ما، تعمل وزارة الشؤون الثقافية على إعداد خارطة وطنية شاملة للمهرجانات، في خطوة تُقدَّم بوصفها محاولة لإصلاح الإدارة الثقافية وتحديث حوكمة التظاهرات، عبر تكريس مبادئ الشفافية واللامركزية، وتعزيز دور الثقافة كرافعة للتنمية، مع التركيز على تثمين التراث، ودعم الإبداع، وتوسيع المشاركة المجتمعية، إلى جانب اعتماد استراتيجيات اتصال حديثة للترويج للإنتاجات الفنية، وذلك وفق ما أكّدته وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي في الجلسة العامة المشتركة التي خُصصت يوم 21 نوفمبر 2025 لمناقشة ميزانية وزارة الشؤون الثقافية في إطار مشروع ميزانية الدولة لسنة 2026.
غير أن نجاح هذه المبادرة يظل رهين تحويلها من إعلان نوايا إلى سياسة عمومية واضحة المعالم، تُحدَّد ضمنها أولويات الدولة الثقافية، وتُرسم رزنامة قارة للتظاهرات الكبرى، وتُفصل المسؤوليات، ويُفتح نقاش عمومي حول جدوى بعض المهرجانات وشروط استمراريتها، بعيدًا عن منطق الإحداث والإلغاء وردود الفعل الظرفية.
فخارطة المهرجانات ليست مجرد وثيقة تقنية، بل هي انعكاس لرؤية ثقافية شاملة، إمّا أن تعيد الاعتبار للموعد الثقافي بوصفه لحظة تراكم وبناء ثقة، أو أن تظل حبيسة إدارة الأزمة والتسيير الآني، وهو سؤال يظل مطروحًا بإلحاح اليوم: إلى أين تتجه خارطة المهرجانات والتظاهرات الثقافية الكبرى في تونس، وهل تنجح في استعادة المعنى المفقود للموعد الثقافي، أم تظل أسيرة اللخبطة التي باتت سمة من سمات المشهد؟
إيمان عبد اللطيف
في أغلب دول العالم، دأب الجمهور على مواعيد ثابتة، بعضها تحوّل إلى جزء من المخيال الجماعي ومن روزنامة السياحة الثقافية العالمية.
خارطة المهرجانات ليست مجرد وثيقة تقنية، بل هي انعكاس لرؤية ثقافية شاملة.
تعيش التظاهرات الثقافية الكبرى في تونس، في السنوات الأخيرة، على وقع لخبطة متواصلة لم تعد خافية على المتابعين ولا على الفاعلين في الحقل الثقافي، لخبطة تطال المهرجانات الصيفية كما تمتد إلى السينما والمسرح والموسيقى ومعرض تونس الدولي للكتاب، وصولًا إلى اختفاء مهرجانات أُعلن عنها في لحظة ما ثم لم يُكتب لها الاستمرار، أو تم تغيير أسمائها وصيغها دون توضيح، ممّا حوّل المشهد الثقافي من فضاء يُفترض أن يقوم على التراكم والاستقرار والموعد القارّ، إلى روزنامة مرتبكة يصعب توقّعها أو بناء علاقة دائمة معها من قبل الجمهور والمهنيين والشركاء على حدّ سواء.
في أغلب دول العالم، العربية منها والخليجية والأوروبية والأمريكية، دأب الجمهور المتابع للتظاهرات الثقافية الكبرى، سواء تعلّق الأمر بمهرجانات سينمائية أو مسرحية أو موسيقية، أو بمعارض كتب دولية، أو حتى بأسابيع الموضة والفنون البصرية، على مواعيد ثابتة ومتعارف عليها عبر سنوات طويلة، بل إن بعض هذه المواعيد تحوّل إلى جزء من المخيال الجماعي ومن روزنامة السياحة الثقافية العالمية، إذ يعرف المهتمون بالشأن السينمائي، على سبيل المثال، مهرجانات سينمائية عالمية كبرى مثل مهرجانات ما يُطلق عليها «أكبر ثلاثة»، وهي كان (Cannes)، والبندقية (Venice)، وبرلين (Berlin)، بالإضافة إلى تورونتو (Toronto) ولوكارنو (Locarno)، التي تُعتبر من أهم الفضاءات لعرض الأفلام المستقلة والجديدة، وتجمع صُنّاع السينما والجمهور النقدي.
فبرمجتها ونجومها وضيوفها تبدأ ملامحها في التشكّل قبل أشهر طويلة من الافتتاح، بما يتيح للإعلام وللمهنيين وللجمهور الاستعداد والمتابعة، ويمنح هذه التظاهرات الكبرى مكانة لا ينازعها فيها حدث آخر في تلك الفترة، فتتجه الأنظار إليها وحدها، وتُبنى حولها ديناميكية ثقافية واقتصادية وإعلامية متكاملة.
هذا المنطق لا يخصّ هذه الدول وحدها، بل يكاد يكون قاعدة في دول عديدة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية تُعرف مواعيد مهرجانات كبرى مثل صندانس أو تريبيكا، وسهرة توزيع جوائز الأوسكار منذ سنوات.
وفي المغرب بات مهرجان مراكش السينمائي الدولي موعدًا قارًّا في نهاية السنة، وفي الجزائر يندرج مهرجان وهران للفيلم العربي ضمن روزنامة شبه ثابتة رغم ما يطرأ عليه أحيانًا من تعديلات، وفي مصر يحافظ مهرجان القاهرة السينمائي الدولي على موقعه الزمني والاعتباري بما يسمح له باستقطاب أفلام وضيوف في إطار تنافسي واضح، بينما نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في تثبيت مواعيد تظاهرات ثقافية متعددة، مثل معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي بات من أكبر معارض الكتب في العالم العربي بفضل استقراره الزمني وحوكمته الواضحة واستراتيجيته الاتصالية المدروسة، إلى جانب مهرجانات فنية وموسيقية وسينمائية تُبنى وفق تخطيط بعيد المدى.
كما تشهد المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة استثمارًا كبيرًا في المهرجانات الثقافية والفنية والسينمائية، من خلال روزنامة سنوية مُعلنة سلفًا، سواء تعلّق الأمر بمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي أو بمواسم ثقافية وفنية أخرى، حيث يُنظر إلى الحدث الثقافي بوصفه مشروعًا متكاملًا لا مجرّد تظاهرة ظرفية.
الأردن بدورها أسّست لمهرجان سينمائي حديث، وهو مهرجان عمّان السينمائي (أول فيلم)، لم يتجاوز عمره الست سنوات، ولكن باتت له هوية ومكانة فتحت أشرعتها على دول عربية وغربية، وأضحى يتنافس من أجل إيجاد موضع قدم في خارطة المهرجانات السينمائية العربية والدولية والعالمية، وبالتالي خلق سياسة ثقافية استثمارية تجلب أكثر الأسماء نجومية في عالم الإخراج السينمائي والتلفزي للتصوير بمعالم البلد الأثرية.
في المقابل، يبدو هذا التوجه شبه غائب في تونس، أو بالأحرى فقد بريقه ومساره خلال السنوات الأخيرة، إذ تتكاثر الإعلانات عن مهرجانات وتظاهرات جديدة ثم تُلغى أو تُؤجّل، وتتغيّر مواعيد تظاهرات عريقة دون تفسير واضح، ولا يُعلن عن الأسباب ولا عن المسببات، بما يخلق حالة من الضبابية وعدم الثقة لدى الفاعلين الثقافيين والجمهور معًا. فعلى سبيل المثال، وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، لم يُحدَّد بعد الموعد الجديد لأيام قرطاج الموسيقية، ولا اسم مديرها الفني، رغم أن المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية نشرت منذ أكتوبر 2025 بلاغًا لفتح باب الترشحات لهذه الخطة، محدّدة ضمنه مهام المدير الفني من إعداد البرمجة الفنية إلى تنفيذها، والإشراف على الاتصال، وتحديد الاحتياجات المادية والبشرية، وتقديم ميزانية تقديرية، وهي مهام مرتبطة، بحسب البلاغ نفسه، بالدورة الحادية عشرة للتظاهرة التي يُفترض أن تُنظَّم في النصف الثاني من شهر جانفي، في إجراء يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق التخطيط.
إذ يبدو من غير المعقول، وفق المعايير المهنية المعمول بها دوليًا، الإعلان عن فتح باب الترشح لخطة مدير فني قبل أسابيع قليلة من موعد مهرجان يُفترض أن تكون برمجته واتفاقاته الأساسية قد أُنجزت قبل ذلك بأشهر أو حتى بسنة، أو فور اختتام الدورة السابقة. هذه الحالة ليست استثناء، بل تكرّرت مع تظاهرات أخرى كبرى على المستويين الوطني والدولي، حيث تغيّرت المواعيد أو أُلغيت دورات كاملة أو أُحدثت تظاهرات جديدة لم تعمّر سوى دورة أو دورتين، على غرار أيام قرطاج الشعرية التي اندثرت بعد بدايات واعدة، دون تقييم علني أو نقاش عمومي حول أسباب الفشل أو شروط الاستمرارية.
تغيّرت أيضًا تواريخ ومواعيد تنظيم أعرق المهرجانات الكبرى في تونس في عدة مناسبات، على غرار أيام قرطاج السينمائية وأيام قرطاج المسرحية. وشهدت أيضًا بعض المهرجانات الصيفية بدورها بعضًا من التذبذب في مواعيدها، واختارت أخرى أن تبتعد عن «زحمة» التظاهرات الصيفية، على غرار مهرجان دقّة. في المقابل، قررت وزارة الشؤون الثقافية، وفي خطوة مفاجئة، تغيير اسم مهرجان بعد أربع سنوات من التأسيس والعمل على بناء هويته، من تسمية مهرجان أوذنة الدولي إلى الدورة التأسيسية للمهرجان الدولي للفنون الشعبية، وفي ذات الاتجاه تمّ إحداث المهرجان الدولي «للراب» بولاية المنستير.
في ذات السياق، شهد معرض تونس الدولي للكتاب، في السنوات الأخيرة، تأجيلات وتغييرات في مواعيده أثّرت في صورته وفي علاقته بالناشرين والكتّاب والجمهور، في حين عاد مهرجان الأغنية التونسية بعد اثنتي عشرة سنة من الانقطاع، عودة حملت معها أسئلة أكثر مما قدّمت إجابات، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة تضمن له موقعًا ثابتًا وهوية متجددة داخل المشهد الموسيقي.
هذا الاضطراب لا يمكن قراءته فقط بوصفه نتيجة لأزمات مالية أو لظروف استثنائية، بل يكشف، في عمقه، عن أزمة حوكمة ثقافية وعن غياب استراتيجية واضحة للمهرجانات والتظاهرات الثقافية الكبرى تقوم على التخطيط البعيد المدى، وعلى تثبيت المواعيد وبناء العلامة الثقافية لكل تظاهرة، وهو ما يجعل المقارنة مع تجارب عربية ودولية أخرى ضرورية لفهم الفجوة القائمة.
ففي فرنسا، على سبيل المثال، لا يُنظر إلى المهرجان الثقافي كحدث منعزل، بل كجزء من منظومة تشمل السياحة، والاقتصاد الإبداعي، والإعلام، والتعليم، ما يفرض استقرار المواعيد وتكامل الأدوار، وفي الولايات المتحدة تُدار المهرجانات الكبرى عبر مؤسسات مستقلة، مع مجالس إدارة واضحة وشراكات طويلة الأمد.
بينما راهنت دول عربية عدة، مثل الإمارات والمغرب والأردن والسعودية، على تحويل المهرجانات إلى أدوات قوة ناعمة واستثمار رمزي واقتصادي جلب، وهو ما يتطلب بالضرورة وضوح الرؤية واستمرارية السياسات.
في هذا السياق التونسي المرتبك إلى حدّ ما، تعمل وزارة الشؤون الثقافية على إعداد خارطة وطنية شاملة للمهرجانات، في خطوة تُقدَّم بوصفها محاولة لإصلاح الإدارة الثقافية وتحديث حوكمة التظاهرات، عبر تكريس مبادئ الشفافية واللامركزية، وتعزيز دور الثقافة كرافعة للتنمية، مع التركيز على تثمين التراث، ودعم الإبداع، وتوسيع المشاركة المجتمعية، إلى جانب اعتماد استراتيجيات اتصال حديثة للترويج للإنتاجات الفنية، وذلك وفق ما أكّدته وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي في الجلسة العامة المشتركة التي خُصصت يوم 21 نوفمبر 2025 لمناقشة ميزانية وزارة الشؤون الثقافية في إطار مشروع ميزانية الدولة لسنة 2026.
غير أن نجاح هذه المبادرة يظل رهين تحويلها من إعلان نوايا إلى سياسة عمومية واضحة المعالم، تُحدَّد ضمنها أولويات الدولة الثقافية، وتُرسم رزنامة قارة للتظاهرات الكبرى، وتُفصل المسؤوليات، ويُفتح نقاش عمومي حول جدوى بعض المهرجانات وشروط استمراريتها، بعيدًا عن منطق الإحداث والإلغاء وردود الفعل الظرفية.
فخارطة المهرجانات ليست مجرد وثيقة تقنية، بل هي انعكاس لرؤية ثقافية شاملة، إمّا أن تعيد الاعتبار للموعد الثقافي بوصفه لحظة تراكم وبناء ثقة، أو أن تظل حبيسة إدارة الأزمة والتسيير الآني، وهو سؤال يظل مطروحًا بإلحاح اليوم: إلى أين تتجه خارطة المهرجانات والتظاهرات الثقافية الكبرى في تونس، وهل تنجح في استعادة المعنى المفقود للموعد الثقافي، أم تظل أسيرة اللخبطة التي باتت سمة من سمات المشهد؟