إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مشروع «سمارتماد».. حين يتحول التعاون المتوسطي إلى حلول لمدن ذكية

-مدير مشروع «سمارتماد» لـ«الصباح»: هذه أهداف المشروع

وسط التحولات المتسارعة في مقاربات التخطيط الحضري وتنامي تحديات البيئة والطاقة والصحة الرقمية، يبرز المشروع المتوسطي «سمارتماد» - الذي أعطيت مؤخرًا إشارة انطلاقه - كمبادرة عابرة للحدود تسعى إلى بلورة مقاربة جديدة للمدن الذكية في الفضاء المتوسطي.

فبميزانية تُقدّر بـ1,13 مليون أورو، يتجاوز هذا المشروع طابعه التقني ليحمل أبعادا تنموية ترمي إلى تحسين إدارة الشأن الحضري، وتعزيز الابتكار المحلي، ودعم مسارات الانتقال نحو مدن أكثر ذكاءً واستدامة وقربًا من المواطن، وذلك من خلال العمل على إنشاء مراكز ابتكار محلية ومنصات إلكترونية ومشاريع تجريبية، لاسيما في مجالات الصحة الرقمية والطاقة الذكية في تونس واليونان والأردن، وفقًا لما تم الإعلان عنه مؤخرًا خلال ندوة صحفية خصصت لتقديم المشروع.

تبادل للخبرات

يأتي «SMARTMED» في إطار برنامج سماراتماد Interreg NEXT MED 2025-2028، الممول من الاتحاد الأوروبي، ليجسّد سياسة التعاون المتوسطي القائمة على تبادل الخبرات وتكامل المقاربات بين دول تختلف في مستويات تطورها، لكنها تتقاسم تحديات حضرية متشابهة. فاختيار تونس واليونان والأردن لتنفيذ هذا المشروع يعكس وعيًا بأن التحول نحو المدن الذكية لا يمكن أن يكون مسارًا أحادي الجانب، بل عملية تشاركية عابرة للحدود، تستفيد فيها كل جهة من مختلف التجارب الأخرى.

في هذا الصدد، وأثناء تقديمه لإيضاحات حول أهمية المشروع بالنسبة لتونس، أشار مدير الاتصال بمشروع «سمارتماد» زياد الدبابي في تصريح لـ»الصباح» إلى أن المشروع يشمل جملة من المجالات تتعلق أساسًا بالصحة الرقمية والطاقة والبيئة، وكل ما يهم جودة الحياة، على غرار مسألة التصرف في النفايات ومعالجتها بالنسبة للبلديات وللشركات المختصة في هذا المجال.

وفسّر محدثنا أن المشروع النموذجي سيكون ببلدية دير علا بالأردن، على أن يتم لاحقًا التباحث في آليات اعتماده في مختلف بلديات تونس.

ورداً عن سؤال يتعلق بالقواسم المشتركة بين تونس والأردن واليونان بما أفضى إلى الاشتراك في هذا المشروع، فسّر محدثنا أن اختيار البلدان الثلاث لم يكن اعتباطيًا أو وليد الصدفة، وإنما يعود إلى التشابه في معالجة بعض المسائل، على غرار التقارب بين تونس والأردن في مسألة إعادة تدوير النفايات، موضحًا في الإطار نفسه أن المشروع بما سيوفره من تبادل للخبرات من شأنه أن يرتقي بجودة الحياة في تونس وباقي المدن.

في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن المشروع يكتسي أهمية خاصة، إذ يتقاطع مع مسار التحول الرقمي الذي تعلنه الدولة ومع الحاجة الملحّة إلى تحسين البيئة الحضرية وجودة الخدمات العمومية. فالمدن التونسية، وعلى اختلافها، تواجه ضغطًا ديمغرافيًا وتحديات في البنية التحتية إضافة إلى إشكاليات بيئية متفاقمة، مما يجعل من الابتكار الرقمي أداة لا غنى عنها لمواجهة هذه التحديات، وبالتالي، يراهن مشروع «سمارتماد»، وفقًا لما أشار إليه مديره، على الانتقال من مستوى التخطيط إلى مستوى التطبيق عبر تنفيذ مشاريع نموذجية في مجالات حيوية على غرار الصحة الرقمية والطاقة.

الصحة الرقمية والطاقة الذكية

وفي هذا الاتجاه، يمثل التركيز على الصحة الرقمية أحد أبرز نقاط قوة المشروع، فالرقمنة تتيح تحسين إدارة المنظومات الصحية، وتقريب الخدمات من المواطن، وتعزيز آليات الوقاية والمتابعة بما يخفف الضغط على المنظومة الصحية.

أما الطاقة الذكية، فتندرج في سياق أوسع يرتبط بالانتقال الطاقي ومجابهة التغيرات المناخية. فاعتماد حلول ذكية في إدارة الطاقة داخل المدن لا يساهم فقط في ترشيد الاستهلاك، وإنما من شأنه أن يعزز استقلالية المدن وقدرتها على الصمود أمام الأزمات.

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن مشروع «سمارتماد» دون التوقف عند الدور الموكول للمثل الإقليمي للقطاع الخاص المتوسطي «بيزنس ماد»، الذي يعكس إدراكًا بأن التحول نحو المدن الذكية لا يتحقق فقط عبر السياسات العمومية، وإنما يقتضي شراكة فعلية مع القطاع الخاص.

وفي هذا الاتجاه، يفتح المشروع آفاقًا جديدة أمام الشركات الناشئة والجمعيات من خلال اقتراح مبادرات وفرص خلال سنة 2026، بما يرسّخ مقاربة تشاركية تُشرك مختلف الفاعلين في صياغة الحلول الحضرية.من جهة أخرى، تظهر النقاشات التي رافقت الإطلاق الرسمي للمشروع في تونس يوم 23 ديسمبر الجاري أن التحدي الأكبر لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما في حسن الإدارة والتصرف، على اعتبار أن الرهان الأساسي هو بلورة مدن ذكية قادرة على التفاعل السريع مع حاجيات المواطنين.

وفي هذا الصدد، يركز مشروع «سمارتماد» في مرحلته الأولى على تعزيز قدرات السلطات العمومية وتشجيعها على اعتماد أنظمة رقمية ذكية بما يعزز الشفافية ويحسن من جودة الحياة ويرسّخ ثقة المواطن في الإدارة المحلية.

من المتوسط إلى إفريقيا

في هذا الخضم، ورغم أن المشروع متوسطي في تسميته وإطاره، فإن دلالاته تتجاوز حدود الجغرافيا، فالتجربة التونسية، إذا ما تم ترسيخها في مختلف المجالات الحيوية ووفقًا للأهداف المرجوة، فإنها يمكن أن تشكل نموذجًا يُحتذى به في الفضاء الإفريقي، حيث تواجه المدن تحديات مماثلة.

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل «سمارتماد» حلقة وصل بين الضفتين وجسرًا ينقل الخبرة والمعرفة من المتوسط إلى العمق الإفريقي، في إطار رؤية تنموية قائمة على الابتكار والتعاون.

منال حرزي

مشروع «سمارتماد»..    حين يتحول التعاون المتوسطي إلى حلول لمدن ذكية

-مدير مشروع «سمارتماد» لـ«الصباح»: هذه أهداف المشروع

وسط التحولات المتسارعة في مقاربات التخطيط الحضري وتنامي تحديات البيئة والطاقة والصحة الرقمية، يبرز المشروع المتوسطي «سمارتماد» - الذي أعطيت مؤخرًا إشارة انطلاقه - كمبادرة عابرة للحدود تسعى إلى بلورة مقاربة جديدة للمدن الذكية في الفضاء المتوسطي.

فبميزانية تُقدّر بـ1,13 مليون أورو، يتجاوز هذا المشروع طابعه التقني ليحمل أبعادا تنموية ترمي إلى تحسين إدارة الشأن الحضري، وتعزيز الابتكار المحلي، ودعم مسارات الانتقال نحو مدن أكثر ذكاءً واستدامة وقربًا من المواطن، وذلك من خلال العمل على إنشاء مراكز ابتكار محلية ومنصات إلكترونية ومشاريع تجريبية، لاسيما في مجالات الصحة الرقمية والطاقة الذكية في تونس واليونان والأردن، وفقًا لما تم الإعلان عنه مؤخرًا خلال ندوة صحفية خصصت لتقديم المشروع.

تبادل للخبرات

يأتي «SMARTMED» في إطار برنامج سماراتماد Interreg NEXT MED 2025-2028، الممول من الاتحاد الأوروبي، ليجسّد سياسة التعاون المتوسطي القائمة على تبادل الخبرات وتكامل المقاربات بين دول تختلف في مستويات تطورها، لكنها تتقاسم تحديات حضرية متشابهة. فاختيار تونس واليونان والأردن لتنفيذ هذا المشروع يعكس وعيًا بأن التحول نحو المدن الذكية لا يمكن أن يكون مسارًا أحادي الجانب، بل عملية تشاركية عابرة للحدود، تستفيد فيها كل جهة من مختلف التجارب الأخرى.

في هذا الصدد، وأثناء تقديمه لإيضاحات حول أهمية المشروع بالنسبة لتونس، أشار مدير الاتصال بمشروع «سمارتماد» زياد الدبابي في تصريح لـ»الصباح» إلى أن المشروع يشمل جملة من المجالات تتعلق أساسًا بالصحة الرقمية والطاقة والبيئة، وكل ما يهم جودة الحياة، على غرار مسألة التصرف في النفايات ومعالجتها بالنسبة للبلديات وللشركات المختصة في هذا المجال.

وفسّر محدثنا أن المشروع النموذجي سيكون ببلدية دير علا بالأردن، على أن يتم لاحقًا التباحث في آليات اعتماده في مختلف بلديات تونس.

ورداً عن سؤال يتعلق بالقواسم المشتركة بين تونس والأردن واليونان بما أفضى إلى الاشتراك في هذا المشروع، فسّر محدثنا أن اختيار البلدان الثلاث لم يكن اعتباطيًا أو وليد الصدفة، وإنما يعود إلى التشابه في معالجة بعض المسائل، على غرار التقارب بين تونس والأردن في مسألة إعادة تدوير النفايات، موضحًا في الإطار نفسه أن المشروع بما سيوفره من تبادل للخبرات من شأنه أن يرتقي بجودة الحياة في تونس وباقي المدن.

في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن المشروع يكتسي أهمية خاصة، إذ يتقاطع مع مسار التحول الرقمي الذي تعلنه الدولة ومع الحاجة الملحّة إلى تحسين البيئة الحضرية وجودة الخدمات العمومية. فالمدن التونسية، وعلى اختلافها، تواجه ضغطًا ديمغرافيًا وتحديات في البنية التحتية إضافة إلى إشكاليات بيئية متفاقمة، مما يجعل من الابتكار الرقمي أداة لا غنى عنها لمواجهة هذه التحديات، وبالتالي، يراهن مشروع «سمارتماد»، وفقًا لما أشار إليه مديره، على الانتقال من مستوى التخطيط إلى مستوى التطبيق عبر تنفيذ مشاريع نموذجية في مجالات حيوية على غرار الصحة الرقمية والطاقة.

الصحة الرقمية والطاقة الذكية

وفي هذا الاتجاه، يمثل التركيز على الصحة الرقمية أحد أبرز نقاط قوة المشروع، فالرقمنة تتيح تحسين إدارة المنظومات الصحية، وتقريب الخدمات من المواطن، وتعزيز آليات الوقاية والمتابعة بما يخفف الضغط على المنظومة الصحية.

أما الطاقة الذكية، فتندرج في سياق أوسع يرتبط بالانتقال الطاقي ومجابهة التغيرات المناخية. فاعتماد حلول ذكية في إدارة الطاقة داخل المدن لا يساهم فقط في ترشيد الاستهلاك، وإنما من شأنه أن يعزز استقلالية المدن وقدرتها على الصمود أمام الأزمات.

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن مشروع «سمارتماد» دون التوقف عند الدور الموكول للمثل الإقليمي للقطاع الخاص المتوسطي «بيزنس ماد»، الذي يعكس إدراكًا بأن التحول نحو المدن الذكية لا يتحقق فقط عبر السياسات العمومية، وإنما يقتضي شراكة فعلية مع القطاع الخاص.

وفي هذا الاتجاه، يفتح المشروع آفاقًا جديدة أمام الشركات الناشئة والجمعيات من خلال اقتراح مبادرات وفرص خلال سنة 2026، بما يرسّخ مقاربة تشاركية تُشرك مختلف الفاعلين في صياغة الحلول الحضرية.من جهة أخرى، تظهر النقاشات التي رافقت الإطلاق الرسمي للمشروع في تونس يوم 23 ديسمبر الجاري أن التحدي الأكبر لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما في حسن الإدارة والتصرف، على اعتبار أن الرهان الأساسي هو بلورة مدن ذكية قادرة على التفاعل السريع مع حاجيات المواطنين.

وفي هذا الصدد، يركز مشروع «سمارتماد» في مرحلته الأولى على تعزيز قدرات السلطات العمومية وتشجيعها على اعتماد أنظمة رقمية ذكية بما يعزز الشفافية ويحسن من جودة الحياة ويرسّخ ثقة المواطن في الإدارة المحلية.

من المتوسط إلى إفريقيا

في هذا الخضم، ورغم أن المشروع متوسطي في تسميته وإطاره، فإن دلالاته تتجاوز حدود الجغرافيا، فالتجربة التونسية، إذا ما تم ترسيخها في مختلف المجالات الحيوية ووفقًا للأهداف المرجوة، فإنها يمكن أن تشكل نموذجًا يُحتذى به في الفضاء الإفريقي، حيث تواجه المدن تحديات مماثلة.

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل «سمارتماد» حلقة وصل بين الضفتين وجسرًا ينقل الخبرة والمعرفة من المتوسط إلى العمق الإفريقي، في إطار رؤية تنموية قائمة على الابتكار والتعاون.

منال حرزي