إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ريبورتاج: معرض «الأرض الروحية» بقصر خير الدين.. رحلة الفنان التشكيلي سامي بن عامر في إعادة اكتشاف المعنى

في قلب المدينة العتيقة بتونس، بين الأزقة الضيقة، ينتصب قصر خير الدين كجوهرة معمارية تستدرج الزائر من ضجيج الخارج إلى صمت الفن. في هذا الفضاء المحمّل بتاريخ يمتد لأربعة قرون، يتواصل إلى غاية 5 نوفمبر معرض «الأرض الروحية» للفنان البصري والرسام التونسي سامي بن عامر، الذي يواصل من خلاله مسارًا فكريًا وجماليًا بدأ منذ سنوات طويلة، باحثًا في علاقة الإنسان بالأرض، لا بوصفها مادة أو موطنًا فحسب، بل بوصفها كيانًا رمزيًا وروحيًا يحتضن الذاكرة والوجدان.

وُلد مشروع «الأرض الروحية» لدى الفنان كامتداد لمسار بدأه منذ سنة 2007، وتناول موضوع الأرض في أبعادها الوجودية والأخلاقية والبيئية والرمزية. لم يكن هذا التوجّه طارئًا في مسيرة سامي بن عامر، بل ثمرة تأمل طويل في علاقة الإنسان بأصله ومحيطه. ففي معارض سابقة مثل «جلال الأرض» و»الأرض البكر»، اشتغل الفنان على مفهوم الذاكرة والأثر والرمز الأركيولوجي، محاولًا في كل مرة استكشاف وجه جديد من وجوه الأرض بوصفها حاضنة للمعنى ومختبرًا للقيم الإنسانية.

ومع مرور السنوات، أخذت التجربة بُعدًا أكثر روحانية، إذ أدرك الفنان التشكيلي أن العالم يعيش أزمة قيم، وأن ما ينقص الإنسان المعاصر ليس التقدّم المادي أو العلمي، بل الغذاء الروحي، لأن القيم في جوهرها هي روح الوجود. ومن هنا جاء عنوان المعرض «الأرض الروحية» تعبيرًا عن هذا الوعي المتنامي بالحاجة إلى إعادة تأسيس الصلة بين المادة والروح، بين الخلق والضمير، وبين الإنسان والطبيعة.

المعرض، الذي استقر أخيرًا في قصر خير الدين بعد تأجيل دام سنوات بسبب الجائحة، وُلد من تجربة موازية خاضها الفنان سنة 2021 حين قدّم عرضًا افتراضيًا رقميًا بثّه مباشرة عبر الإنترنت في شهر رمضان، مستعملًا الوسائط التكنولوجية لتوسيع دائرة التلقي. التجربة، التي لاقت صدى في الصحافة الفرنسية، كانت بالنسبة إليه لحظة وعي بأن التكنولوجيا ليست خصمًا للفن، بل أداة جديدة لإيصال الفكرة الجمالية، شرط أن يبقى الإنسان هو المركز.

ويرى سامي بن عامر أن الذكاء الاصطناعي، مهما تطوّر، لا يمكنه أن يهدّد الفن، لأن الإبداع يتأسّس على الحس والروح والتأمل، لا على البرمجة. التقنية بالنسبة إليه امتداد للخيال الإنساني، وليست بديلاً عنه، أداة يمكن تسخيرها للبحث في الرموز والذاكرة البصرية، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج عمق التجربة الإنسانية.

تأخذنا الجولة داخل أروقة المعرض إلى «سلاسل» بصرية على غرار سلسلة «رموز الإنسان الأزلي»، حيث – وكما يُقدّمها – «تنبع» فيها «الرموز من عمق الأزمنة، حاملة قيمًا إنسانية خالدة: الاحترام والحب والذاكرة والسلام والمقاومة والروحانية ووحدة الإنسان». فأعاد «رسم ملامحها كما لو كانت صدى بعيدًا للحضارات، قديمها وحديثها، محافظًا على جوهرها النقي، كي تبقى شاهدة على ثبات المعنى، وإشراق الروح، وديمومة ما هو مشترك بين البشر».

في هذه السلسلة، تتجوّل بين لوحة تحت عنوان «تنفّس الأرض»، وأخرى سمّاها «سلام ميلاد»، وثالثة «حارسة الفصول»، ثم «ذيول الحب الأبدي»، تليها «تانيت: مصفوفة من الشظايا المتلألئة». وبعدها تتحول إلى سلسلة «مشاهد الأرواح»، حيث «سعى إلى استكشاف فضاءات قد تُحيلنا إلى المرئي، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى ملاذ الروح، فضاءات تتمدّد وتنكمش، وتتنفّس وتسافر».

فوفق توصيفه «كلّ عمل فنّي يصوّر أرضًا حسيّة وجغرافيا عاطفية، منسوجة من الشفافية والمادة والإشارات». فنجد لوحات كـ»سديم في طور التكوّن»، «اهتزاز من عوالم عليا»، «غابة البدء»، «صمت الأحمر»، «الرقصة السماوية». ومنها نتحول إلى سلسلة «قبلات السلام»، حيث أراد بن عامر من خلالها رفع «شكل القبلة إلى مرتبة الرمز الروحي، لتغدو تعبيرًا عن التحام الأنفاس وتوق إلى السلام والحب والسكينة. تتحوّل الإماءة والرموز إلى حب جوهري يجسّد قوة للمصالحة والمقاومة الصامتة»، فتتعدّد بها اللوحات وتتنوع تسمياتها وعناوينها المازجة بين البعدين المادي والروحي.

بعد ذلك تأتي سلسلة «حلزونية اللامرئي»، فـ»تتماهى» فيها «الحلزونية مع مراكز الذات اللامرئية، كما استخدمتها الحضارات القديمة، لتغدو علامة على حركة داخلية تخترق الكيان». فسعى إلى «استكشاف أبعادها الكاشفة عن دقائق الوجود، حيث تتحاور المادة مع الروح». ثم تأتي سلسلة «غزّة جرح الإنسانية»، وفيها منح «شكلًا لصرخة شعب جريح»، فبالنسبة إليه «غزة ليست مكانًا فقط، بل أصبحت رمزًا لإنسانية مكسورة واقفة، أرضًا مُضحّى بها، لكنها ما زالت تحمل أملًا دفينًا».

من الناحية التقنية، يُظهر المعرض نضجًا في التعامل مع المواد والخامات التي تطوّرت عبر مسيرة الفنان: من الكولاج إلى الأكريليك، ومن التصوير إلى الكتابة على اللوحة. في «الأرض الروحية» يتفاعل اللون مع الضوء والرمز ليُشكّل نسيجًا بصريًا كثيفًا يربط بين الثقافات والأديان. الحروف تتحول إلى إشارات رمزية، والرموز إلى جسور بين الذاكرة الفردية والجماعية.

وتبدو تجربة الفنان والناقد سامي بن عامر في معرضه خلاصة مسار طويل من البحث في معنى اللون وموقعه من التجربة الإنسانية، بحثٌ يتقاطع فيه التشكيلي بالفلسفي، والمادي بالرمزي، والذاتي ب»الكوني» (لكوسمولوجي). فمنذ بداياته الأولى، كان الفنان يعيش اللون لا كعنصر زخرفي أو وسيلة تصويرية، بل كقوة حيّة تعبّر عن حالة روحية داخلية، عن طاقة تسكن المادة وتحولها إلى كيان نابض بالحياة.

وفي معرضه الشخصي تتجلّى رؤية الفنان التشكيلي الذي اكتشف تدريجيًا أن اللون في جوهره ليس مادة، بل «طاقة كونية»، وأن ما يجذبه ليس الأصباغ بل الحقل الضوئي الذي تنبثق منه، وذلك من خلال حضور الأصفر المشعّ، والبرتقالي الحيّ، والأزرق المتدرج؛ ألوان تتداخل لتكوّن فضاءً بصريًا يحيل إلى الكون في حركته المستمرة. إنها ألوان «كوسمولوجية» كما يسميها، لأنها تمثّل لديه فكرة الدوران والتلاشي والخلق المتجدد.

أما من الناحية التقنية، فقد اعتمد سامي بن عامر في معرضه «الأرض الروحية» على مواد وتقنيات متعددة تطورت عبر مسيرته. ويُظهر المعرض اهتمامًا خاصًا بالكتابة كعنصر تشكيلي ورمزي، حيث تتحوّل الحروف والعلامات إلى نسيج بصري يربط بين الثقافات والأديان، كما في توظيفه لرموز مثل «يد فاطمة» التي تتقاطع فيها المعتقدات اليهودية والمسيحية والإسلامية، بما يجعلها دلالة على وحدة القيم الإنسانية رغم اختلاف الشعوب.

هذه الرموز ليست زينة شكلية، بل مفاتيح تأويلية تُمكّن المتلقي من الولوج إلى عمق الفكرة. لذلك يرفق الفنان كل لوحة بنص موجز يوضح نية العمل دون أن يحدّ من حرية التأويل، فالكتابة عنده ليست شرحًا، بل إضاءة على الدلالات الممكنة.

واختيار قصر خير الدين لاحتضان المعرض لم يكن صدفة، بل نتيجة وعي معمّق بعلاقة المكان بالزمن والتاريخ. فالمبنى العريق مثّل للفنان التشكيلي فضاءً مثاليًا لتجسيد هذا الحوار بين الأرض والروح، بين الحاضر والماضي، بين المادة والمعنى.

وقد عمل على تنظيم العرض بطريقة سينوغرافية دقيقة، بحيث تتجاور الأعمال في تسلسل بصري يوحي برحلة داخلية، تبدأ من الأرض المادية وتنتهي عند الأرض الروحية، مرورًا بالمراحل المختلفة لتجربة الإنسان مع الطبيعة والرمز.

وقد استعان بمجموعة من طلبة المعهد العالي للفنون الجميلة لإنجاز ترتيب وتوضيب المعرض، معتبرًا أن إشراك الطلبة في هذه التجربة هو شكل من أشكال الوساطة الفنية، أي التربية على التلقي الجمالي، لأن الفن لا يكتمل إلا بلقاء المتلقي.

وفي نهاية الرحلة داخل «الأرض الروحية»، يشعر الزائر أنه لم يشاهد معرضًا بالمعنى التقليدي، بل عاش تجربة روحية مكتملة. الألوان تحيط به من كل جانب، الضوء يتحرك معه، واللوحات تفتح أمامه أبوابًا للتأمل أكثر مما تقدّم أجوبة. هنا، تتجسد رؤية سامي بن عامر في أن الفن ليس ترفًا، بل حاجة روحية، وأن اللوحة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لاكتشاف الإنسان في أعمق طبقات وجوده.

إيمان عبد اللطيف

ريبورتاج:   معرض «الأرض الروحية» بقصر خير الدين..   رحلة الفنان التشكيلي سامي بن عامر في إعادة اكتشاف المعنى

في قلب المدينة العتيقة بتونس، بين الأزقة الضيقة، ينتصب قصر خير الدين كجوهرة معمارية تستدرج الزائر من ضجيج الخارج إلى صمت الفن. في هذا الفضاء المحمّل بتاريخ يمتد لأربعة قرون، يتواصل إلى غاية 5 نوفمبر معرض «الأرض الروحية» للفنان البصري والرسام التونسي سامي بن عامر، الذي يواصل من خلاله مسارًا فكريًا وجماليًا بدأ منذ سنوات طويلة، باحثًا في علاقة الإنسان بالأرض، لا بوصفها مادة أو موطنًا فحسب، بل بوصفها كيانًا رمزيًا وروحيًا يحتضن الذاكرة والوجدان.

وُلد مشروع «الأرض الروحية» لدى الفنان كامتداد لمسار بدأه منذ سنة 2007، وتناول موضوع الأرض في أبعادها الوجودية والأخلاقية والبيئية والرمزية. لم يكن هذا التوجّه طارئًا في مسيرة سامي بن عامر، بل ثمرة تأمل طويل في علاقة الإنسان بأصله ومحيطه. ففي معارض سابقة مثل «جلال الأرض» و»الأرض البكر»، اشتغل الفنان على مفهوم الذاكرة والأثر والرمز الأركيولوجي، محاولًا في كل مرة استكشاف وجه جديد من وجوه الأرض بوصفها حاضنة للمعنى ومختبرًا للقيم الإنسانية.

ومع مرور السنوات، أخذت التجربة بُعدًا أكثر روحانية، إذ أدرك الفنان التشكيلي أن العالم يعيش أزمة قيم، وأن ما ينقص الإنسان المعاصر ليس التقدّم المادي أو العلمي، بل الغذاء الروحي، لأن القيم في جوهرها هي روح الوجود. ومن هنا جاء عنوان المعرض «الأرض الروحية» تعبيرًا عن هذا الوعي المتنامي بالحاجة إلى إعادة تأسيس الصلة بين المادة والروح، بين الخلق والضمير، وبين الإنسان والطبيعة.

المعرض، الذي استقر أخيرًا في قصر خير الدين بعد تأجيل دام سنوات بسبب الجائحة، وُلد من تجربة موازية خاضها الفنان سنة 2021 حين قدّم عرضًا افتراضيًا رقميًا بثّه مباشرة عبر الإنترنت في شهر رمضان، مستعملًا الوسائط التكنولوجية لتوسيع دائرة التلقي. التجربة، التي لاقت صدى في الصحافة الفرنسية، كانت بالنسبة إليه لحظة وعي بأن التكنولوجيا ليست خصمًا للفن، بل أداة جديدة لإيصال الفكرة الجمالية، شرط أن يبقى الإنسان هو المركز.

ويرى سامي بن عامر أن الذكاء الاصطناعي، مهما تطوّر، لا يمكنه أن يهدّد الفن، لأن الإبداع يتأسّس على الحس والروح والتأمل، لا على البرمجة. التقنية بالنسبة إليه امتداد للخيال الإنساني، وليست بديلاً عنه، أداة يمكن تسخيرها للبحث في الرموز والذاكرة البصرية، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج عمق التجربة الإنسانية.

تأخذنا الجولة داخل أروقة المعرض إلى «سلاسل» بصرية على غرار سلسلة «رموز الإنسان الأزلي»، حيث – وكما يُقدّمها – «تنبع» فيها «الرموز من عمق الأزمنة، حاملة قيمًا إنسانية خالدة: الاحترام والحب والذاكرة والسلام والمقاومة والروحانية ووحدة الإنسان». فأعاد «رسم ملامحها كما لو كانت صدى بعيدًا للحضارات، قديمها وحديثها، محافظًا على جوهرها النقي، كي تبقى شاهدة على ثبات المعنى، وإشراق الروح، وديمومة ما هو مشترك بين البشر».

في هذه السلسلة، تتجوّل بين لوحة تحت عنوان «تنفّس الأرض»، وأخرى سمّاها «سلام ميلاد»، وثالثة «حارسة الفصول»، ثم «ذيول الحب الأبدي»، تليها «تانيت: مصفوفة من الشظايا المتلألئة». وبعدها تتحول إلى سلسلة «مشاهد الأرواح»، حيث «سعى إلى استكشاف فضاءات قد تُحيلنا إلى المرئي، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى ملاذ الروح، فضاءات تتمدّد وتنكمش، وتتنفّس وتسافر».

فوفق توصيفه «كلّ عمل فنّي يصوّر أرضًا حسيّة وجغرافيا عاطفية، منسوجة من الشفافية والمادة والإشارات». فنجد لوحات كـ»سديم في طور التكوّن»، «اهتزاز من عوالم عليا»، «غابة البدء»، «صمت الأحمر»، «الرقصة السماوية». ومنها نتحول إلى سلسلة «قبلات السلام»، حيث أراد بن عامر من خلالها رفع «شكل القبلة إلى مرتبة الرمز الروحي، لتغدو تعبيرًا عن التحام الأنفاس وتوق إلى السلام والحب والسكينة. تتحوّل الإماءة والرموز إلى حب جوهري يجسّد قوة للمصالحة والمقاومة الصامتة»، فتتعدّد بها اللوحات وتتنوع تسمياتها وعناوينها المازجة بين البعدين المادي والروحي.

بعد ذلك تأتي سلسلة «حلزونية اللامرئي»، فـ»تتماهى» فيها «الحلزونية مع مراكز الذات اللامرئية، كما استخدمتها الحضارات القديمة، لتغدو علامة على حركة داخلية تخترق الكيان». فسعى إلى «استكشاف أبعادها الكاشفة عن دقائق الوجود، حيث تتحاور المادة مع الروح». ثم تأتي سلسلة «غزّة جرح الإنسانية»، وفيها منح «شكلًا لصرخة شعب جريح»، فبالنسبة إليه «غزة ليست مكانًا فقط، بل أصبحت رمزًا لإنسانية مكسورة واقفة، أرضًا مُضحّى بها، لكنها ما زالت تحمل أملًا دفينًا».

من الناحية التقنية، يُظهر المعرض نضجًا في التعامل مع المواد والخامات التي تطوّرت عبر مسيرة الفنان: من الكولاج إلى الأكريليك، ومن التصوير إلى الكتابة على اللوحة. في «الأرض الروحية» يتفاعل اللون مع الضوء والرمز ليُشكّل نسيجًا بصريًا كثيفًا يربط بين الثقافات والأديان. الحروف تتحول إلى إشارات رمزية، والرموز إلى جسور بين الذاكرة الفردية والجماعية.

وتبدو تجربة الفنان والناقد سامي بن عامر في معرضه خلاصة مسار طويل من البحث في معنى اللون وموقعه من التجربة الإنسانية، بحثٌ يتقاطع فيه التشكيلي بالفلسفي، والمادي بالرمزي، والذاتي ب»الكوني» (لكوسمولوجي). فمنذ بداياته الأولى، كان الفنان يعيش اللون لا كعنصر زخرفي أو وسيلة تصويرية، بل كقوة حيّة تعبّر عن حالة روحية داخلية، عن طاقة تسكن المادة وتحولها إلى كيان نابض بالحياة.

وفي معرضه الشخصي تتجلّى رؤية الفنان التشكيلي الذي اكتشف تدريجيًا أن اللون في جوهره ليس مادة، بل «طاقة كونية»، وأن ما يجذبه ليس الأصباغ بل الحقل الضوئي الذي تنبثق منه، وذلك من خلال حضور الأصفر المشعّ، والبرتقالي الحيّ، والأزرق المتدرج؛ ألوان تتداخل لتكوّن فضاءً بصريًا يحيل إلى الكون في حركته المستمرة. إنها ألوان «كوسمولوجية» كما يسميها، لأنها تمثّل لديه فكرة الدوران والتلاشي والخلق المتجدد.

أما من الناحية التقنية، فقد اعتمد سامي بن عامر في معرضه «الأرض الروحية» على مواد وتقنيات متعددة تطورت عبر مسيرته. ويُظهر المعرض اهتمامًا خاصًا بالكتابة كعنصر تشكيلي ورمزي، حيث تتحوّل الحروف والعلامات إلى نسيج بصري يربط بين الثقافات والأديان، كما في توظيفه لرموز مثل «يد فاطمة» التي تتقاطع فيها المعتقدات اليهودية والمسيحية والإسلامية، بما يجعلها دلالة على وحدة القيم الإنسانية رغم اختلاف الشعوب.

هذه الرموز ليست زينة شكلية، بل مفاتيح تأويلية تُمكّن المتلقي من الولوج إلى عمق الفكرة. لذلك يرفق الفنان كل لوحة بنص موجز يوضح نية العمل دون أن يحدّ من حرية التأويل، فالكتابة عنده ليست شرحًا، بل إضاءة على الدلالات الممكنة.

واختيار قصر خير الدين لاحتضان المعرض لم يكن صدفة، بل نتيجة وعي معمّق بعلاقة المكان بالزمن والتاريخ. فالمبنى العريق مثّل للفنان التشكيلي فضاءً مثاليًا لتجسيد هذا الحوار بين الأرض والروح، بين الحاضر والماضي، بين المادة والمعنى.

وقد عمل على تنظيم العرض بطريقة سينوغرافية دقيقة، بحيث تتجاور الأعمال في تسلسل بصري يوحي برحلة داخلية، تبدأ من الأرض المادية وتنتهي عند الأرض الروحية، مرورًا بالمراحل المختلفة لتجربة الإنسان مع الطبيعة والرمز.

وقد استعان بمجموعة من طلبة المعهد العالي للفنون الجميلة لإنجاز ترتيب وتوضيب المعرض، معتبرًا أن إشراك الطلبة في هذه التجربة هو شكل من أشكال الوساطة الفنية، أي التربية على التلقي الجمالي، لأن الفن لا يكتمل إلا بلقاء المتلقي.

وفي نهاية الرحلة داخل «الأرض الروحية»، يشعر الزائر أنه لم يشاهد معرضًا بالمعنى التقليدي، بل عاش تجربة روحية مكتملة. الألوان تحيط به من كل جانب، الضوء يتحرك معه، واللوحات تفتح أمامه أبوابًا للتأمل أكثر مما تقدّم أجوبة. هنا، تتجسد رؤية سامي بن عامر في أن الفن ليس ترفًا، بل حاجة روحية، وأن اللوحة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لاكتشاف الإنسان في أعمق طبقات وجوده.

إيمان عبد اللطيف