تعيش تونس في الأسابيع الأخيرة على وقع انتعاشة سياحية غير مسبوقة، أكّدتها الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة والبنك المركزي التونسي. فقد استقبلت البلاد حتى تاريخ 20 أكتوبر الجاري أكثر من تسعة ملايين سائح، مسجّلة زيادة تقدّر بنحو 9.2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، وهو تطور يعكس استعادة الوجهة التونسية جاذبيتها بعد سنوات من الركود والتحديات الاقتصادية العالمية.
وعلى الصعيد المالي، بلغت إيرادات القطاع السياحي إلى حدود التاريخ ذاته نحو 6.7 مليارات دينار، مقابل 6.2 مليارات دينار في الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بزيادة تفوق 8 في المائة وفق بيانات البنك المركزي، مما يجعل السياحة أحد أهم مصادر العملة الصعبة ودعائم الاقتصاد الوطني خلال العام الجاري.
عودة قوية للأسواق التقليدية وصعود أسواق جديدة
تؤكد المؤشرات الميدانية أن السوق الأوروبية لا تزال العمود الفقري للسياحة التونسية، حيث تواصل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا تصدّر قائمة الأسواق المصدّرة للسياح نحو تونس وفق ما أفاد به في وقت سابق مصدر مسؤول بوزارة السياحة لـ»الصباح». وقد شهدت الأشهر الأخيرة عودة قوية للوافدين من أوروبا الوسطى والشرقية، خصوصا من بولندا وتشيكيا والمجر، بعد توسّع الرحلات الجوية المباشرة نحو مطارات المنستير والنفيضة وجربة. وفي الوقت نفسه، بدأت أسواق جديدة تفرض حضورها تدريجيًا مثل الهند والصين ودول الخليج، التي تمثل فئات سياحية مختلفة من حيث مستوى الإنفاق ومدة الإقامة، وهو ما يعوّل عليه المهنيون لتنويع مصادر الوافدين وتعزيز العائدات.
كما ساهمت الجهود الترويجية الرقمية التي أطلقتها وزارة السياحة والديوان الوطني للسياحة التونسية في تحسين صورة الوجهة في الخارج، حيث استفادت تونس من تطور وسائل الحجز الإلكتروني، ومنصات السفر العالمية التي أبرزت تنوّع المنتج السياحي التونسي، من السياحة الشاطئية إلى الصحراوية والثقافية والصحية.
استثمارات جديدة وطفرة في البنية التحتية
تزامن الانتعاش السياحي مع عودة الاستثمارات في القطاع، إذ بلغت قيمة المشاريع الجديدة خلال هذا العام أكثر من 48.6 مليون دينار، تركز أغلبها في الشريط الساحلي الشرقي الممتد من الحمامات إلى سوسة فالمهدية، بالإضافة إلى مشاريع قيد الدراسة في جزيرة جربة وتوزر. هذه الاستثمارات تشمل توسعة وحدات فندقية وتحديث بنيات الاستقبال وتطوير منتجعات بيئية وصحية، ما يعكس ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في مستقبل السياحة التونسية.
كما تعمل السلطات على تحسين جودة الخدمات وتطوير النقل الجوي والبحري والبري، بما يواكب الارتفاع في عدد الوافدين ويضمن تجربة مريحة للزائر. ويُنتظر أن تساهم مشاريع البنية التحتية الجارية في المطارات والمناطق السياحية في مضاعفة الطاقة الاستيعابية خلال السنتين المقبلتين.
توقعات بتسجيل موسم قياسي بنهاية 2025
تؤكد التقديرات الصادرة عن وزارة السياحة أن وتيرة النمو الحالية قد تمكّن تونس من بلوغ رقم قياسي جديد في عدد السياح مع نهاية عام 2025، حيث يُنتظر أن يتجاوز عدد الوافدين 11 مليون زائر، في حال تواصلت المؤشرات الإيجابية الحالية. ويُرجّح أن ترتفع الإيرادات السياحية إلى أكثر من ثمانية مليارات دينار بنهاية العام المقبل، خاصة مع انتعاش الطلب من الأسواق الأوروبية وتحسّن القدرة الشرائية في بعض البلدان المصدّرة.
كما تراهن تونس على تنويع العروض لجذب فئات جديدة من الزوار، من خلال الترويج للسياحة الثقافية والتاريخية في المدن العتيقة مثل تونس العاصمة والقيروان وسوسة، وتطوير السياحة الصحراوية في الجنوب عبر مهرجانات الفروسية والرالي الدولي، إلى جانب تشجيع السياحة العلاجية التي تشهد نموا متزايدا بفضل جودة الخدمات الطبية وتنافسية الأسعار.
نحو رؤية استراتيجية لسياحة مستدامة
التحوّل الذي يشهده القطاع لا يقتصر على الأرقام بل يتعداه إلى الرؤية المستقبلية التي تتبناها الحكومة. فبعد اعتماد المخطط الاستراتيجي «تونس السياحة 2035»، أصبح التركيز منصبا على تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي، والحفاظ على البيئة والموروث الثقافي. وتشمل هذه الرؤية تشجيع المشاريع الصديقة للبيئة، وتوسيع استخدام الطاقات المتجددة في الوحدات الفندقية، وتثمين الموارد الطبيعية والجهات الداخلية التي لم تُستغل بعد سياحيا.
ويقول الخبراء في عديد المنتديات التي واكبتها «الصباح»، إنّ تونس تمتلك إمكانات ضخمة في هذا المجال، إذ يمكن للسياحة المستدامة أن توفر آلاف مواطن الشغل الإضافية، وتساهم في تنمية المناطق الريفية، شرط أن يتم الاستثمار فيها برؤية شمولية وشراكة بين القطاعين العام والخاص.
تحديات قائمة وفرص واعدة
ورغم المؤشرات المشجعة، لا تزال بعض التحديات قائمة أمام القطاع السياحي. فالمنافسة الإقليمية من بلدان مثل المغرب ومصر وتركيا تفرض على تونس تجديد نموذجها السياحي وتطوير جودة الخدمات الفندقية. كما يتطلب الحفاظ على وتيرة النمو، معالجة بعض النقاط المتعلقة بالنقل الجوي والربط المباشر مع أسواق جديدة، خاصة في آسيا والخليج، إضافة إلى تحسين البنية التحتية في بعض المناطق الداخلية.
في المقابل، يرى المراقبون أن تونس تملك كل المقومات لتكون من أبرز الوجهات المتوسطية في السنوات القادمة، بفضل تنوعها الطبيعي والثقافي وأسعارها التنافسية ودفء استقبالها. ومع تزايد الطلب العالمي على السياحة الأصيلة والمستدامة، فإن البلاد مؤهلة للاستفادة من هذه التحولات العالمية إذا أحسنت التخطيط والترويج واستثمرت في رأس المال البشري.
آفاق 2026.. نحو موسم غير مسبوق
يتفق الخبراء على أن عام 2026 قد يكون موعدا حاسما لترسيخ هذا المسار التصاعدي، إذ تشير التوقعات الأولية إلى إمكانية استقبال ما بين 12 و13 مليون سائح، وتحقيق إيرادات تتجاوز تسعة مليارات دينار، وهو ما سيجعل من القطاع السياحي رافعة أساسية للاقتصاد الوطني. كما يُتوقع أن يشهد العام ذاته دخول شركات طيران جديدة إلى السوق التونسية، وتوسيع برامج التعاون مع وكالات السفر الأوروبية والخليجية، ما من شأنه أن يعزز جاذبية البلاد، ويرسخ موقعها في خريطة السياحة العالمية.
في ضوء هذه المؤشرات الإيجابية، تبدو تونس اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من الانتعاش السياحي، قائمة على تنويع الأسواق، ورفع جودة الخدمات وتحقيق استدامة حقيقية في النمو. ومع عودة الثقة إلى الوجهة التونسية، واستمرار الدعم الرسمي للقطاع، تتجه الأنظار نحو نهاية العام الحالي كبداية فعلية لمرحلة من الازدهار الذي من المنتظر أن يبلغ ذروته في موسمي 2025 و2026. وإذا استمرت هذه الجهود بنفس الوتيرة، فإن السياحة لن تكون فقط محركا للنمو الاقتصادي، بل عنوانا لعودة تونس بقوة إلى الساحة السياحية المتوسطية والدولية.
سفيان المهداوي
تعيش تونس في الأسابيع الأخيرة على وقع انتعاشة سياحية غير مسبوقة، أكّدتها الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة والبنك المركزي التونسي. فقد استقبلت البلاد حتى تاريخ 20 أكتوبر الجاري أكثر من تسعة ملايين سائح، مسجّلة زيادة تقدّر بنحو 9.2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، وهو تطور يعكس استعادة الوجهة التونسية جاذبيتها بعد سنوات من الركود والتحديات الاقتصادية العالمية.
وعلى الصعيد المالي، بلغت إيرادات القطاع السياحي إلى حدود التاريخ ذاته نحو 6.7 مليارات دينار، مقابل 6.2 مليارات دينار في الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بزيادة تفوق 8 في المائة وفق بيانات البنك المركزي، مما يجعل السياحة أحد أهم مصادر العملة الصعبة ودعائم الاقتصاد الوطني خلال العام الجاري.
عودة قوية للأسواق التقليدية وصعود أسواق جديدة
تؤكد المؤشرات الميدانية أن السوق الأوروبية لا تزال العمود الفقري للسياحة التونسية، حيث تواصل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا تصدّر قائمة الأسواق المصدّرة للسياح نحو تونس وفق ما أفاد به في وقت سابق مصدر مسؤول بوزارة السياحة لـ»الصباح». وقد شهدت الأشهر الأخيرة عودة قوية للوافدين من أوروبا الوسطى والشرقية، خصوصا من بولندا وتشيكيا والمجر، بعد توسّع الرحلات الجوية المباشرة نحو مطارات المنستير والنفيضة وجربة. وفي الوقت نفسه، بدأت أسواق جديدة تفرض حضورها تدريجيًا مثل الهند والصين ودول الخليج، التي تمثل فئات سياحية مختلفة من حيث مستوى الإنفاق ومدة الإقامة، وهو ما يعوّل عليه المهنيون لتنويع مصادر الوافدين وتعزيز العائدات.
كما ساهمت الجهود الترويجية الرقمية التي أطلقتها وزارة السياحة والديوان الوطني للسياحة التونسية في تحسين صورة الوجهة في الخارج، حيث استفادت تونس من تطور وسائل الحجز الإلكتروني، ومنصات السفر العالمية التي أبرزت تنوّع المنتج السياحي التونسي، من السياحة الشاطئية إلى الصحراوية والثقافية والصحية.
استثمارات جديدة وطفرة في البنية التحتية
تزامن الانتعاش السياحي مع عودة الاستثمارات في القطاع، إذ بلغت قيمة المشاريع الجديدة خلال هذا العام أكثر من 48.6 مليون دينار، تركز أغلبها في الشريط الساحلي الشرقي الممتد من الحمامات إلى سوسة فالمهدية، بالإضافة إلى مشاريع قيد الدراسة في جزيرة جربة وتوزر. هذه الاستثمارات تشمل توسعة وحدات فندقية وتحديث بنيات الاستقبال وتطوير منتجعات بيئية وصحية، ما يعكس ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في مستقبل السياحة التونسية.
كما تعمل السلطات على تحسين جودة الخدمات وتطوير النقل الجوي والبحري والبري، بما يواكب الارتفاع في عدد الوافدين ويضمن تجربة مريحة للزائر. ويُنتظر أن تساهم مشاريع البنية التحتية الجارية في المطارات والمناطق السياحية في مضاعفة الطاقة الاستيعابية خلال السنتين المقبلتين.
توقعات بتسجيل موسم قياسي بنهاية 2025
تؤكد التقديرات الصادرة عن وزارة السياحة أن وتيرة النمو الحالية قد تمكّن تونس من بلوغ رقم قياسي جديد في عدد السياح مع نهاية عام 2025، حيث يُنتظر أن يتجاوز عدد الوافدين 11 مليون زائر، في حال تواصلت المؤشرات الإيجابية الحالية. ويُرجّح أن ترتفع الإيرادات السياحية إلى أكثر من ثمانية مليارات دينار بنهاية العام المقبل، خاصة مع انتعاش الطلب من الأسواق الأوروبية وتحسّن القدرة الشرائية في بعض البلدان المصدّرة.
كما تراهن تونس على تنويع العروض لجذب فئات جديدة من الزوار، من خلال الترويج للسياحة الثقافية والتاريخية في المدن العتيقة مثل تونس العاصمة والقيروان وسوسة، وتطوير السياحة الصحراوية في الجنوب عبر مهرجانات الفروسية والرالي الدولي، إلى جانب تشجيع السياحة العلاجية التي تشهد نموا متزايدا بفضل جودة الخدمات الطبية وتنافسية الأسعار.
نحو رؤية استراتيجية لسياحة مستدامة
التحوّل الذي يشهده القطاع لا يقتصر على الأرقام بل يتعداه إلى الرؤية المستقبلية التي تتبناها الحكومة. فبعد اعتماد المخطط الاستراتيجي «تونس السياحة 2035»، أصبح التركيز منصبا على تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي، والحفاظ على البيئة والموروث الثقافي. وتشمل هذه الرؤية تشجيع المشاريع الصديقة للبيئة، وتوسيع استخدام الطاقات المتجددة في الوحدات الفندقية، وتثمين الموارد الطبيعية والجهات الداخلية التي لم تُستغل بعد سياحيا.
ويقول الخبراء في عديد المنتديات التي واكبتها «الصباح»، إنّ تونس تمتلك إمكانات ضخمة في هذا المجال، إذ يمكن للسياحة المستدامة أن توفر آلاف مواطن الشغل الإضافية، وتساهم في تنمية المناطق الريفية، شرط أن يتم الاستثمار فيها برؤية شمولية وشراكة بين القطاعين العام والخاص.
تحديات قائمة وفرص واعدة
ورغم المؤشرات المشجعة، لا تزال بعض التحديات قائمة أمام القطاع السياحي. فالمنافسة الإقليمية من بلدان مثل المغرب ومصر وتركيا تفرض على تونس تجديد نموذجها السياحي وتطوير جودة الخدمات الفندقية. كما يتطلب الحفاظ على وتيرة النمو، معالجة بعض النقاط المتعلقة بالنقل الجوي والربط المباشر مع أسواق جديدة، خاصة في آسيا والخليج، إضافة إلى تحسين البنية التحتية في بعض المناطق الداخلية.
في المقابل، يرى المراقبون أن تونس تملك كل المقومات لتكون من أبرز الوجهات المتوسطية في السنوات القادمة، بفضل تنوعها الطبيعي والثقافي وأسعارها التنافسية ودفء استقبالها. ومع تزايد الطلب العالمي على السياحة الأصيلة والمستدامة، فإن البلاد مؤهلة للاستفادة من هذه التحولات العالمية إذا أحسنت التخطيط والترويج واستثمرت في رأس المال البشري.
آفاق 2026.. نحو موسم غير مسبوق
يتفق الخبراء على أن عام 2026 قد يكون موعدا حاسما لترسيخ هذا المسار التصاعدي، إذ تشير التوقعات الأولية إلى إمكانية استقبال ما بين 12 و13 مليون سائح، وتحقيق إيرادات تتجاوز تسعة مليارات دينار، وهو ما سيجعل من القطاع السياحي رافعة أساسية للاقتصاد الوطني. كما يُتوقع أن يشهد العام ذاته دخول شركات طيران جديدة إلى السوق التونسية، وتوسيع برامج التعاون مع وكالات السفر الأوروبية والخليجية، ما من شأنه أن يعزز جاذبية البلاد، ويرسخ موقعها في خريطة السياحة العالمية.
في ضوء هذه المؤشرات الإيجابية، تبدو تونس اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من الانتعاش السياحي، قائمة على تنويع الأسواق، ورفع جودة الخدمات وتحقيق استدامة حقيقية في النمو. ومع عودة الثقة إلى الوجهة التونسية، واستمرار الدعم الرسمي للقطاع، تتجه الأنظار نحو نهاية العام الحالي كبداية فعلية لمرحلة من الازدهار الذي من المنتظر أن يبلغ ذروته في موسمي 2025 و2026. وإذا استمرت هذه الجهود بنفس الوتيرة، فإن السياحة لن تكون فقط محركا للنمو الاقتصادي، بل عنوانا لعودة تونس بقوة إلى الساحة السياحية المتوسطية والدولية.