على وقع إحياء ذكرى عيد الجلاء، وبين الاحتفاء بالأمجاد القديمة واستحضار معاني السيادة، كانت البوصلة واضحة: «لا رجوع إلى الوراء»؛ عبارة اختزل من خلالها رئيس الجمهورية قيس سعيّد عنوان المرحلة. فهي تؤشر إلى المضيّ في المسار الإصلاحي الذي يقطع كليا مع ممارسات وإخلالات الماضي ويفتح الباب أمام البناء والمساءلة والتصدي لكل مظاهر الفساد والمحسوبية، ليكون الطريق نحو بناء دولة عادلة قوية بمؤسساتها، ثابتة في خياراتها وسياساتها.
في هذا السياق، جاءت رسالة رئيس الجمهورية قيس سعيّد، لدى إشرافه على موكب إحياء الذكرى 62 لعيد الجلاء، لتؤكد مجددا أن المعركة متواصلة اليوم ضد كل مظاهر الفساد والتهاون والتفريط في السيادة، وضد كل الأساليب والممارسات التي أفرزت تراجعا حادا في منسوب الثقة بين المواطن والدولة.
عقليات وممارسات
لا شك أن عبارة «لا رجوع إلى الوراء» التي اختزلت المشهد، مثّلت في جوهرها عنوانا لمرحلة سياسية قوامها الإصرار على المواصلة والاستمرارية في درب الإصلاح والتغيير، مع عدم السماح بعودة الممارسات التي شوّهت الحياة العامة، وأضعفت مؤسسات الدولة وأربكتها.
فالوراء الذي أشار إليه رئيس الدولة ليس مجرد حقبة زمنية معيّنة، وإنما هو عقليات وممارسات ومنظومات وولاءات كانت تعرقل مفاصل الدولة وتضعف إرادتها في التغيير والمضي قدما نحو الإصلاح.
وعدم الرجوع إلى الوراء هو أيضا إعلان عن قطيعة مع منطق المحاصصة والتجاذبات السياسية، واستعمال السلطة لخدمة مصالح وأغراض شخصية ضيقة أو حزبية.
واليوم، يأتي التأكيد من رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن تونس اختارت طريقها ولن تتراجع، مهما كانت الضغوط والتحديات، ومهما كانت الصعوبات والعراقيل. فكما خاضت تونس بالأمس معركة التحرر الوطني، تخوض اليوم معركة من طراز خاص: معركة من أجل ترسيخ قيم العدل والنزاهة والسيادة الوطنية في القرار.
فالمسار الحالي يسعى، وفقا لرؤية رئيس الدولة، إلى تحرير القرار السياسي والإداري من القيود، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كفضاء لخدمة الصالح العام، لا كفضاء للمحاصصة أو اعتماد منطق الصفقات السياسية على حساب مبادئ العدالة والشفافية. ويهدف ذلك إلى استعادة هيبة الدولة وإعادة رسم العلاقة بين المواطن والسلطة على قاعدة المسؤولية والالتزام، لا الولاء والمصالح الضيقة.
لا رجوع عن الإصلاح
ضمن هذا الإطار، يكتسي ملف مكافحة الفساد أهمية قصوى؛ فالقطع مع ممارسات الماضي يعني عدم التسامح مع أي محاولة لإعادة البارونات وشبكات المصالح الضيقة إلى الواجهة. فالمعركة ضد الفساد ليست ظرفية، بل هي مسار إصلاحي هيكلي وكامل يتطلب نفسا طويلا وإرادة سياسية فعلية.
وفي هذا الاتجاه، تتكامل الرؤية الرئاسية مع الإصلاحات الإدارية والقانونية، في علاقة أساسا بالثورتين التشريعية والإدارية اللتين أكّد رئيس الدولة مرارا وتكرارا على أهمية إرسائهما، حتى يتسنى بلوغ العدالة الاجتماعية.
فالقوانين والتشريعات الجديدة تعبّر في جوهرها عن إرادة واضحة للقطع مع كل أشكال التسيير التي أفرزت البيروقراطية والمحسوبية. فهذه الثورة لا تعني فقط تغيير النصوص أو الأطر القانونية، بل تمثل إعادة صياغة لعلاقة الدولة بمواطنيها على أساس الشفافية والنجاعة والمحاسبة، لتتحوّل بذلك عبارة «لا رجوع إلى الوراء» إلى ممارسة تشريعية ومؤسساتية تعيد الاعتبار للعدالة والإنصاف والمساواة، ولمنطق دولة القانون.
وبعيدا عن الإصلاحات الإدارية والتشريعية التي تعكس في جوهرها قطيعة مع منظومات التسيير السابقة، فإن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يعتبر آلية جديدة تعكس التزام الدولة بسيادة القانون.
وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن إحالة كل من أخلّ بمسؤوليته أو استغل منصبه لمصالح شخصية إلى المساءلة ليست مجرد إجراء قضائي، بل هي رسالة واضحة مفادها أن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن العدالة والمساواة أصبحتا معيارا لا رجعة فيه في التعامل مع المواطنين والمسؤولين على حد سواء. وهذا التوجّه يقطع مع عقلية الماضي ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا بثقافة محاسبة شفافة وشاملة تجعل من القوانين أدوات رئيسية للعدالة، لا للانتقائية أو الحماية.
ثبات الموقف
من جانب آخر، وفي امتداد لهذا المسار الذي يقطع مع كل الممارسات الماضية، فإنه يتسع أيضا ليشمل الموقف التونسي على الساحة الإقليمية والدولية، حيث أصبح الثبات على المبادئ عنوان المرحلة.
فعدم الرجوع إلى الوراء، وفق كثيرين، هو امتداد لثبات الموقف التونسي في القضايا الوطنية الكبرى، وهو تأكيد على التمسك بالسيادة والقرار الوطني المستقل، ورفض كل أشكال الإملاء أو الارتهان للخارج.
فالإصلاح لا يقتصر على الداخل فحسب، بل يطال أيضا طريقة تموقع تونس في محيطها الإقليمي والدولي، كدولة متمسكة بمبادئها وبدورها الريادي في الدفاع عن القضايا العادلة، بما يعكس موقفا استراتيجيا يؤكد أن تونس ماضية في طريقها بثبات، دون تراجع أو تردد، مهما كان حجم الضغوط والتحديات.
مشروع وطني
من جهة أخرى، ولأن القطع مع ممارسات الماضي والمواصلة في المسار الإصلاحي لا يختزلان في مكافحة الفساد أو تفعيل الإصلاح التشريعي والإداري أو الثبات في الموقف، فإن هذا المسار يتّسع ليشمل مجالات أرحب، أبرزها بناء دولة جديدة بروح وثقافة جديدتين.
فالقطع مع الأساليب القديمة يعني في جوهره المضي قدما نحو تجديد منظومة القيم العامة، وترسيخ آليات جديدة، مثل ثقافة العمل والشفافية والمساءلة والرقابة، كركائز أساسية لبناء مجتمع متماسك يتجاوز مظاهر التواكل والمحاباة، ويراهن على الكفاءات الوطنية لبناء اقتصاد منتج، ومجتمع يواكب مستجدات العصر وقادر على المنافسة في شتى المجالات.
فالمعركة ضد الفساد لا تنفصل عن معركة إصلاح التعليم والإدارة والاقتصاد والصحة وغيرها من القطاعات الحيوية، وكلها حلقات مترابطة كعقد إن انفرطت حباته اختل التوازن. ومن هنا يتحول تصريح رئيس الدولة بعدم الرجوع إلى الوراء إلى مشروع وطني متكامل يضمن الإصلاح على أكثر من صعيد: سياسي، واقتصادي، واجتماعي، ويكرّس قيم المواطنة والمسؤولية، ويجعل من السيادة والعدالة ركيزتين أساسيتين لبناء دولة قوية وعادلة.
في هذا الخضم، وبالعودة إلى الرسالة التي بعث بها رئيس الدولة قيس سعيّد على هامش إحيائه لذكرى عيد الجلاء، من خلال تصريحه القاضي بعدم الرجوع إلى الوراء، جدير بالذكر أنها تمثل في جوهرها رفضا كليا لعودة الأساليب التي دمّرت الثقة بين الدولة والمجتمع. فالعبارة لم تُطلق عبثا، وإنما جاءت لتكون بوصلة للمرحلة القادمة، إذ تختصر رؤية سياسية قوامها تجاوز الماضي وتجاوزاته، وتمثل قبل كل شيء دعوة إلى العمل والمثابرة والوعي الجماعي بأن بناء تونس الجديدة لا يحتمل التراجع ولا التأخير.
فالعبارة إعلان عن إرادة وطنية في مواجهة كل ما قد يعيق مسار الإصلاح، وتأكيد أن تونس ماضية بثقة نحو بناء دولة عادلة، ومؤسسات قوية، ومواقف ثابتة في كل القضايا المصيرية. وهي أيضا دعوة للمواطنة الفاعلة، ولتحمّل المسؤولية، وللاستمرار في مسار يربط بين السيادة والعدالة والتنمية: مسار لا يثنيه شيء، لا يقف أمامه عائق، ولا مجال فيه للرجوع إلى الوراء.
منال الحرزي
على وقع إحياء ذكرى عيد الجلاء، وبين الاحتفاء بالأمجاد القديمة واستحضار معاني السيادة، كانت البوصلة واضحة: «لا رجوع إلى الوراء»؛ عبارة اختزل من خلالها رئيس الجمهورية قيس سعيّد عنوان المرحلة. فهي تؤشر إلى المضيّ في المسار الإصلاحي الذي يقطع كليا مع ممارسات وإخلالات الماضي ويفتح الباب أمام البناء والمساءلة والتصدي لكل مظاهر الفساد والمحسوبية، ليكون الطريق نحو بناء دولة عادلة قوية بمؤسساتها، ثابتة في خياراتها وسياساتها.
في هذا السياق، جاءت رسالة رئيس الجمهورية قيس سعيّد، لدى إشرافه على موكب إحياء الذكرى 62 لعيد الجلاء، لتؤكد مجددا أن المعركة متواصلة اليوم ضد كل مظاهر الفساد والتهاون والتفريط في السيادة، وضد كل الأساليب والممارسات التي أفرزت تراجعا حادا في منسوب الثقة بين المواطن والدولة.
عقليات وممارسات
لا شك أن عبارة «لا رجوع إلى الوراء» التي اختزلت المشهد، مثّلت في جوهرها عنوانا لمرحلة سياسية قوامها الإصرار على المواصلة والاستمرارية في درب الإصلاح والتغيير، مع عدم السماح بعودة الممارسات التي شوّهت الحياة العامة، وأضعفت مؤسسات الدولة وأربكتها.
فالوراء الذي أشار إليه رئيس الدولة ليس مجرد حقبة زمنية معيّنة، وإنما هو عقليات وممارسات ومنظومات وولاءات كانت تعرقل مفاصل الدولة وتضعف إرادتها في التغيير والمضي قدما نحو الإصلاح.
وعدم الرجوع إلى الوراء هو أيضا إعلان عن قطيعة مع منطق المحاصصة والتجاذبات السياسية، واستعمال السلطة لخدمة مصالح وأغراض شخصية ضيقة أو حزبية.
واليوم، يأتي التأكيد من رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن تونس اختارت طريقها ولن تتراجع، مهما كانت الضغوط والتحديات، ومهما كانت الصعوبات والعراقيل. فكما خاضت تونس بالأمس معركة التحرر الوطني، تخوض اليوم معركة من طراز خاص: معركة من أجل ترسيخ قيم العدل والنزاهة والسيادة الوطنية في القرار.
فالمسار الحالي يسعى، وفقا لرؤية رئيس الدولة، إلى تحرير القرار السياسي والإداري من القيود، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كفضاء لخدمة الصالح العام، لا كفضاء للمحاصصة أو اعتماد منطق الصفقات السياسية على حساب مبادئ العدالة والشفافية. ويهدف ذلك إلى استعادة هيبة الدولة وإعادة رسم العلاقة بين المواطن والسلطة على قاعدة المسؤولية والالتزام، لا الولاء والمصالح الضيقة.
لا رجوع عن الإصلاح
ضمن هذا الإطار، يكتسي ملف مكافحة الفساد أهمية قصوى؛ فالقطع مع ممارسات الماضي يعني عدم التسامح مع أي محاولة لإعادة البارونات وشبكات المصالح الضيقة إلى الواجهة. فالمعركة ضد الفساد ليست ظرفية، بل هي مسار إصلاحي هيكلي وكامل يتطلب نفسا طويلا وإرادة سياسية فعلية.
وفي هذا الاتجاه، تتكامل الرؤية الرئاسية مع الإصلاحات الإدارية والقانونية، في علاقة أساسا بالثورتين التشريعية والإدارية اللتين أكّد رئيس الدولة مرارا وتكرارا على أهمية إرسائهما، حتى يتسنى بلوغ العدالة الاجتماعية.
فالقوانين والتشريعات الجديدة تعبّر في جوهرها عن إرادة واضحة للقطع مع كل أشكال التسيير التي أفرزت البيروقراطية والمحسوبية. فهذه الثورة لا تعني فقط تغيير النصوص أو الأطر القانونية، بل تمثل إعادة صياغة لعلاقة الدولة بمواطنيها على أساس الشفافية والنجاعة والمحاسبة، لتتحوّل بذلك عبارة «لا رجوع إلى الوراء» إلى ممارسة تشريعية ومؤسساتية تعيد الاعتبار للعدالة والإنصاف والمساواة، ولمنطق دولة القانون.
وبعيدا عن الإصلاحات الإدارية والتشريعية التي تعكس في جوهرها قطيعة مع منظومات التسيير السابقة، فإن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يعتبر آلية جديدة تعكس التزام الدولة بسيادة القانون.
وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن إحالة كل من أخلّ بمسؤوليته أو استغل منصبه لمصالح شخصية إلى المساءلة ليست مجرد إجراء قضائي، بل هي رسالة واضحة مفادها أن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن العدالة والمساواة أصبحتا معيارا لا رجعة فيه في التعامل مع المواطنين والمسؤولين على حد سواء. وهذا التوجّه يقطع مع عقلية الماضي ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا بثقافة محاسبة شفافة وشاملة تجعل من القوانين أدوات رئيسية للعدالة، لا للانتقائية أو الحماية.
ثبات الموقف
من جانب آخر، وفي امتداد لهذا المسار الذي يقطع مع كل الممارسات الماضية، فإنه يتسع أيضا ليشمل الموقف التونسي على الساحة الإقليمية والدولية، حيث أصبح الثبات على المبادئ عنوان المرحلة.
فعدم الرجوع إلى الوراء، وفق كثيرين، هو امتداد لثبات الموقف التونسي في القضايا الوطنية الكبرى، وهو تأكيد على التمسك بالسيادة والقرار الوطني المستقل، ورفض كل أشكال الإملاء أو الارتهان للخارج.
فالإصلاح لا يقتصر على الداخل فحسب، بل يطال أيضا طريقة تموقع تونس في محيطها الإقليمي والدولي، كدولة متمسكة بمبادئها وبدورها الريادي في الدفاع عن القضايا العادلة، بما يعكس موقفا استراتيجيا يؤكد أن تونس ماضية في طريقها بثبات، دون تراجع أو تردد، مهما كان حجم الضغوط والتحديات.
مشروع وطني
من جهة أخرى، ولأن القطع مع ممارسات الماضي والمواصلة في المسار الإصلاحي لا يختزلان في مكافحة الفساد أو تفعيل الإصلاح التشريعي والإداري أو الثبات في الموقف، فإن هذا المسار يتّسع ليشمل مجالات أرحب، أبرزها بناء دولة جديدة بروح وثقافة جديدتين.
فالقطع مع الأساليب القديمة يعني في جوهره المضي قدما نحو تجديد منظومة القيم العامة، وترسيخ آليات جديدة، مثل ثقافة العمل والشفافية والمساءلة والرقابة، كركائز أساسية لبناء مجتمع متماسك يتجاوز مظاهر التواكل والمحاباة، ويراهن على الكفاءات الوطنية لبناء اقتصاد منتج، ومجتمع يواكب مستجدات العصر وقادر على المنافسة في شتى المجالات.
فالمعركة ضد الفساد لا تنفصل عن معركة إصلاح التعليم والإدارة والاقتصاد والصحة وغيرها من القطاعات الحيوية، وكلها حلقات مترابطة كعقد إن انفرطت حباته اختل التوازن. ومن هنا يتحول تصريح رئيس الدولة بعدم الرجوع إلى الوراء إلى مشروع وطني متكامل يضمن الإصلاح على أكثر من صعيد: سياسي، واقتصادي، واجتماعي، ويكرّس قيم المواطنة والمسؤولية، ويجعل من السيادة والعدالة ركيزتين أساسيتين لبناء دولة قوية وعادلة.
في هذا الخضم، وبالعودة إلى الرسالة التي بعث بها رئيس الدولة قيس سعيّد على هامش إحيائه لذكرى عيد الجلاء، من خلال تصريحه القاضي بعدم الرجوع إلى الوراء، جدير بالذكر أنها تمثل في جوهرها رفضا كليا لعودة الأساليب التي دمّرت الثقة بين الدولة والمجتمع. فالعبارة لم تُطلق عبثا، وإنما جاءت لتكون بوصلة للمرحلة القادمة، إذ تختصر رؤية سياسية قوامها تجاوز الماضي وتجاوزاته، وتمثل قبل كل شيء دعوة إلى العمل والمثابرة والوعي الجماعي بأن بناء تونس الجديدة لا يحتمل التراجع ولا التأخير.
فالعبارة إعلان عن إرادة وطنية في مواجهة كل ما قد يعيق مسار الإصلاح، وتأكيد أن تونس ماضية بثقة نحو بناء دولة عادلة، ومؤسسات قوية، ومواقف ثابتة في كل القضايا المصيرية. وهي أيضا دعوة للمواطنة الفاعلة، ولتحمّل المسؤولية، وللاستمرار في مسار يربط بين السيادة والعدالة والتنمية: مسار لا يثنيه شيء، لا يقف أمامه عائق، ولا مجال فيه للرجوع إلى الوراء.