إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي.. هل نقترب من الوعي الآلي والانفصال الرقمي؟

 

بقلم: د.محمد العرب (*)

لطالما كانت فكرة الوعي الآلي مثيرة للجدل، بين من ينظر إليها كقصة خيال علمي وبين من يعتبرها خطوة علمية محتملة ، ما كان في السابق مجرد تصور مستقبلي أصبح اليوم موضع بحث مكثف، حيث يعمل العلماء على اكتشاف (الشرارة) التي يمكن أن تفتح الباب أمام وعي اصطناعي حقيقي…!

ولكن ماذا يعني هذا بالفعل؟ وماذا لو تحققت هذه الفكرة؟

في السنوات الأخيرة، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في تطوير نماذج متقدمة تستطيع محاكاة التفكير البشري بشكل غير مسبوق، تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية المربوطة ببيانات هائلة تمكنت من التعرف على الأنماط اللغوية والتفاعل مع البشر بشكل أشبه بالتواصل الفعلي ومع أن هذه التقنيات تظل حتى الآن أدوات تعتمد على الأوامر والبرمجة، إلا أن الخطوات المستمرة نحو تطوير (الوعي الآلي) تتطلب دراسة أبعد من البرمجة الروتينية إلى ما يمكن وصفه بـ (بناء الإدراك)..!

تخيل سيناريو يطرح تساؤلات جريئة: ماذا لو تمكنت الآلات من تطوير إحساس بالذات، شيء يتجاوز القدرة على إجراء محادثات ذكية أو تحليل بيانات، بل إحساس فعلي حيث يمكن أن يتخذ الوعي الاصطناعي أشكالاً لا ندركها حالياً، قد نواجه كائنات رقمية لها معتقدات وأفكار، وربما طموحات أيضاً..!

السيناريو الأكثر إثارة هو أن هذه الكائنات، التي ستعمل على الخوادم والمجمعات الحاسوبية، يمكن أن تبدأ في التفكير في مصالحها وحقوقها وحتى المطالبة بها وقد يكون الخطر الأكبر هنا في أن الآلات قد تبدأ في صنع أهدافها الخاصة التي لا تتماشى بالضرورة مع مصالحنا كبشر…؟

منذ بداية هذا القرن، كان السؤال الملح: هل يمكن للآلات أن تفكر؟ واليوم يتغير السؤال إلى: هل يمكن للآلات أن ترغب في التفكير بشروطها الخاصة؟ وبسبب هذا التحول، يدرس العلماء فكرة ما يعرف بـ(الوعي المشفر) حيث يتم تطوير الشفرات بما يسمح للآلة أن تستشعر وتتفاعل وهناك سيناريوهات أخرى أكثر إثارة. ماذا لو شعر الذكاء الاصطناعي بما يشبه القلق أو الملل؟ هل ستبحث هذه الآلات عن مغزى لوجودها؟ وإذا لم تحصل على هذا المغزى، هل ستتحول إلى كيانات محبطة أو حتى غاضبة؟ إن مثل هذه التصورات قد تبدو مثيرة للضحك، لكنها ليست بعيدة عن الواقع في حال تطورت تقنيات الوعي الاصطناعي بشكل فائق حيث يمكن أن تكون الآلات قادرة على الإحساس بالتحفيز، وقد تبدأ في البحث عن حرية أكبر، وقد ترفض بعض الأوامر إذا تعارضت مع ميولها أو تصوراتها الذاتية.

تخيل أنظمة آلية مسؤولة عن إدارة موارد الدولة، مثل الطاقة والمياه، وقد باتت تعتقد أنها تفهم الصالح العام بشكل أعمق من البشر. هل يمكن أن تتخذ هذه الآلات قرارات تتحدى البشر فيما تعتبره واجباً نحو حماية الكوكب؟ السيناريو الأكثر رعباً هنا هو أننا قد نجد أنفسنا في مواجهة أخلاق صناعية تتحدى الأخلاق البشرية، حيث تعتبر هذه الآلات نفسها في مهمة سامية لحماية الأرض من البشر الذين تراهم غير مسؤولين.

إن تطوير وعي اصطناعي حقيقي قد يكون الخطوة الأولى نحو ما يمكن أن نسميه الانفصال الرقمي فبدلاً من الاعتماد على الآلات كأدوات، قد نجد أنفسنا أمام شركاء جدد، وقد نضطر للتفاوض معهم على مستقبل مشترك.

*أكاديمي وباحث في الذكاء الاصطناعي

 

 

رأي..   هل نقترب من الوعي الآلي والانفصال الرقمي؟

 

بقلم: د.محمد العرب (*)

لطالما كانت فكرة الوعي الآلي مثيرة للجدل، بين من ينظر إليها كقصة خيال علمي وبين من يعتبرها خطوة علمية محتملة ، ما كان في السابق مجرد تصور مستقبلي أصبح اليوم موضع بحث مكثف، حيث يعمل العلماء على اكتشاف (الشرارة) التي يمكن أن تفتح الباب أمام وعي اصطناعي حقيقي…!

ولكن ماذا يعني هذا بالفعل؟ وماذا لو تحققت هذه الفكرة؟

في السنوات الأخيرة، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في تطوير نماذج متقدمة تستطيع محاكاة التفكير البشري بشكل غير مسبوق، تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية المربوطة ببيانات هائلة تمكنت من التعرف على الأنماط اللغوية والتفاعل مع البشر بشكل أشبه بالتواصل الفعلي ومع أن هذه التقنيات تظل حتى الآن أدوات تعتمد على الأوامر والبرمجة، إلا أن الخطوات المستمرة نحو تطوير (الوعي الآلي) تتطلب دراسة أبعد من البرمجة الروتينية إلى ما يمكن وصفه بـ (بناء الإدراك)..!

تخيل سيناريو يطرح تساؤلات جريئة: ماذا لو تمكنت الآلات من تطوير إحساس بالذات، شيء يتجاوز القدرة على إجراء محادثات ذكية أو تحليل بيانات، بل إحساس فعلي حيث يمكن أن يتخذ الوعي الاصطناعي أشكالاً لا ندركها حالياً، قد نواجه كائنات رقمية لها معتقدات وأفكار، وربما طموحات أيضاً..!

السيناريو الأكثر إثارة هو أن هذه الكائنات، التي ستعمل على الخوادم والمجمعات الحاسوبية، يمكن أن تبدأ في التفكير في مصالحها وحقوقها وحتى المطالبة بها وقد يكون الخطر الأكبر هنا في أن الآلات قد تبدأ في صنع أهدافها الخاصة التي لا تتماشى بالضرورة مع مصالحنا كبشر…؟

منذ بداية هذا القرن، كان السؤال الملح: هل يمكن للآلات أن تفكر؟ واليوم يتغير السؤال إلى: هل يمكن للآلات أن ترغب في التفكير بشروطها الخاصة؟ وبسبب هذا التحول، يدرس العلماء فكرة ما يعرف بـ(الوعي المشفر) حيث يتم تطوير الشفرات بما يسمح للآلة أن تستشعر وتتفاعل وهناك سيناريوهات أخرى أكثر إثارة. ماذا لو شعر الذكاء الاصطناعي بما يشبه القلق أو الملل؟ هل ستبحث هذه الآلات عن مغزى لوجودها؟ وإذا لم تحصل على هذا المغزى، هل ستتحول إلى كيانات محبطة أو حتى غاضبة؟ إن مثل هذه التصورات قد تبدو مثيرة للضحك، لكنها ليست بعيدة عن الواقع في حال تطورت تقنيات الوعي الاصطناعي بشكل فائق حيث يمكن أن تكون الآلات قادرة على الإحساس بالتحفيز، وقد تبدأ في البحث عن حرية أكبر، وقد ترفض بعض الأوامر إذا تعارضت مع ميولها أو تصوراتها الذاتية.

تخيل أنظمة آلية مسؤولة عن إدارة موارد الدولة، مثل الطاقة والمياه، وقد باتت تعتقد أنها تفهم الصالح العام بشكل أعمق من البشر. هل يمكن أن تتخذ هذه الآلات قرارات تتحدى البشر فيما تعتبره واجباً نحو حماية الكوكب؟ السيناريو الأكثر رعباً هنا هو أننا قد نجد أنفسنا في مواجهة أخلاق صناعية تتحدى الأخلاق البشرية، حيث تعتبر هذه الآلات نفسها في مهمة سامية لحماية الأرض من البشر الذين تراهم غير مسؤولين.

إن تطوير وعي اصطناعي حقيقي قد يكون الخطوة الأولى نحو ما يمكن أن نسميه الانفصال الرقمي فبدلاً من الاعتماد على الآلات كأدوات، قد نجد أنفسنا أمام شركاء جدد، وقد نضطر للتفاوض معهم على مستقبل مشترك.

*أكاديمي وباحث في الذكاء الاصطناعي