رغم انتشار مؤسسات التعليم في تونس إلا أن الأمية تبقى مشكلا قائم الذات في ظل ارتفاع نسبة التسرب المدرسي لأسباب عدة.
لكن جهود الدولة بمختلف مؤسساتها وهياكلها لتطويق الأمية والحط من نسبها مواصلة ولعل أبرز البرامج التي تتنزل في هذا الإطار برنامج تعليم الكبار، هذا البرنامج الذي يعرفه كل تونسي لكن لا يعلمون عنه الكثير.
"الصباح" في عدد اليوم تسلط الضوء على برنامج تعليم الكبار من خلال حوار أجرته مع هشام بن عبدة المدير العام للمركز الوطني لتعليم الكبار الذي فصل لنا واقع تعليم الكبار في تونس مشاكله وآفاقه، وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار.
حاورته حنان قيراط
*الأكيد أن أغلب التونسيين قد سمعوا عن تعليم الكبار لكنهم يجهلون الكثير عنه، ما هو برنامج تعليم الكبار؟!
-انخراط تونس في محو الأمية ظاهرة قديمة جديدة انطلقت منذ العصر الروماني في البلاطات والمعابد، ثم مع دخول الإسلام في الكتاتيب والزوايا والطرق الصوفية، ومحو الأمية كان خلال فترة الاستعمار أيضا عبر الدروس التي تقدمها الحركة التبشيرية وكذلك ما أطلق عليها آنذاك "دار المعلمة".
وبعد الاستقلال ومع الدولة الوطنية تواصل هذا العمل خاصة وأن نسبة الأمية حينها كانت أكثر من 87%، حيث أقرت الدولة برامج لمحو الأمية من خلال إحداث المدارس في كل مناطق البلاد وفرض تعليم صغار السن كما وقع إحداث ديوان وطني للكهول ووقع تسخير كل الإمكانيات والمنظمات للقيام بهذا الجهد ما مكن في 10 سنوات من النزول بنسبة الأمية بـ20%.
وبتقلص الأمية تم التركيز أكثر على التعليم النظامي إلا أنه تم التفطن سنة 1994 لعودة ارتفاع نسبة الأمية وبنسب تفوق 24% وهو ما جعل كل الأطراف تتجند لإنجاح الخطة الوطنية لمحو الأمية التي كانت، وبسبب ضعف الإمكانيات نتائجها محدودة.
وفي سنة 2000 تم إحداث البرنامج الوطني لتعليم الكبار الذي حقق قفزة نوعية خلال الـ3 سنوات الأولى لأنه لاقى الدعم السياسي والمالي ووضع برامج تكوين هامة ما ساهم في تقليص نسبة الأمية.
إلا أن البرنامج فيما بعد أصبح ذو صبغة تشغيلية أكثر منه فنية فابتعد عن بعده الكمي والنوعي.
وبعد الثورة أطلقت دراسة جدوى تم على إثرها اتخاذ قرارات لم تكن صائبة خاصة في جانبها المتعلق بتقليص ميزانية البرنامج ما أثر في أداء المنظومة وعدم وجود برامج تساعد على التخفيف من الأمية الواردة من التعليم النظامي.
وفي سنة 2017 أخذت وزارة الشؤون الاجتماعية البرنامج بأكثر جدية فقررت إحداث تصور جديد يأخذ بعين الاعتبار نسبة الأمية التي و حسب تعداد السكان والسكنى لسنة 2014 بلغت 19.1%.
أما اليوم يندرج برنامج تعليم الكبار في صلب التوجهات ذات الأهمية للحكومة ولوزارة الشؤون الاجتماعية حيث يبلغ العدد الجملي للمستفيدين من منظومة تعليم الكبار 24 ألفا في كل المراحل، ويبلغ عدد الأفواج 1618 فوجا، أما عدد المشاركين في الامتحانات، التي يتم تنظيمها في كل نهاية سنة دراسية ويجتازها الذين يدرسون لمدة سنتين في مرحلة الأساس ومرحلة التكميل والذين يشاركون في امتحان وطني ينتهي بشهادة التربية الاجتماعية وهي مؤشر للتحرر من الأمية، 16841 دارسا.
وفيما يخص عدد الدارسين في مختلف المراحل التعليمية فهي كالآتي 10178 دارسا في مرحلة الأساس، وهو الأمي الذي ينخرط في تعليم الكبار في عامه الأول، و6254 في مرحلة التكميل، وهو الذي يدرس عامه الثاني ويشفع بامتحان، و155 دارسا في صيغة المكثف هو كل دارس ليس له الوقت لدراسة عامين فيدرس إما لسنة أول 6 أشهر ويتم خلال هذه الفترة تكثيف البرامج لتمكينه من المؤهلات اللازمة. كما يوجد أيضا254 دارسا في صيغة المتابع.
وبخصوص عدد المدرسين المتعاقدين فهو في حدود 886، أما عدد المدرسين القارين فيبلغ 113، ويبلغ عدد المتفقدين 11 متفقدا، كما يبلغ عدد الأعوان والإطار الإداري 202، ويبلغ عدد مراكز التربية الاجتماعية 965 مركزا .
كما يبلغ عدد المراكز متعددة المهارات 55 وتدرس 1618 فوجا.
*ما هو توزيع الأمية في تونس حاليا!؟
-وفق تعداد السكان والسكنى لسنة 2014 فإن الأمية توجد خاصة في الأرياف وهي مرتفعة لدى النساء إذ تبلغ 45% و تتجاوز أحيانا هذه النسبة لتبلغ 60% في بعض العمادات.
وقد كشفت الأرقام الحاجة إلى عدة برامج حيث تم إحداث برنامج إنماء التعلم الذاتي الذي يكسب الأمي القدرة على القراءة بمفرده، وبرنامج آخر للعناية بالمرأة الريفية وخاصة الفتاة الريفية لأن هناك نسبة كبيرة من الفتيات يقع حرمانهن من التعلم لأسباب اقتصادية واجتماعية حيث يقوم الأباء بتدريس الأولاد وترك الفتاة دون تعليم وهو ما حتم خلق شراكة بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية ووزارة التكوين المهني والتشغيل للقضاء على الأمية.
ووفق المسح الأخير للمعهد الوطني للإحصاء لسنة 2023 فقد تقلصت الأمية الأبجدية إلى 12.7%، إلا أن هذه النسبة تخفي مؤشرات أخرى تتمثل في كون الأمية نجدها أكثر لدى الأفراد من الفئة العمرية التي تفوق 60 سنة، كما أن الأمية وبسبب الحراك السكاني بعد 2011 تنقلت حول المدن الكبرى إذ تكونت حزمة سكانية لتشكل مدنا جديدة للنازحين ما خلق الأمية الوافدة ما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية في مدن ولايات تونس الكبرى وأيضا في سوسة ونابل وصفاقس مقابل تراجعها في الأرياف ما خلق الحاجة إلى إحداث برامج جديدة.
والإشارة فإن الأمية تراجعت لدى النساء إلا أنها بقيت النسبة مرتفعة فبعد أن كانت فوق 45% أصبحت في حدود 31% وهو ما يفرض مجهودات أكبر للتقليص من هذه النسبة.
والإشارة فإن نسبة الأمية مازالت تعد مرتفعة في الشمال الغربي والوسط الغربي حيث كانت خلال تعداد 2014 في حدود 30% فأصبحت أكثر من 20% وهي نسبة مرتفعة أيضا.
ولا ننسى أن هناك بعض القطاعات التي تعد أمية أكثر من غيرها على غرار القطاع الفلاحي والصيد البحري والصناعات المعملية و الحضائر والبلديات.
*بما أن التشخيص واضح، هل من برامج للحد أكثر من الأمية!؟
-الأكيد أن وضع البرامج لا يتم إلا في إطار نظرة إستراتيجية ورؤية تتحول إلى برامج عملية، حيث أعددنا استراتيجيا وطنية لمحو الأمية تمت صياغتها بالتنسيق مع المكتب الإقليمي لليونسكو بالرباط بالشراكة مع كل الأطراف المعنية، فالوزارة الحالية اعتبرت أن الإستراتيجية التي تم إحداثها في 2017 قد حان الوقت لتحيينها ومن المنتظر أن تصدر الإستراتيجية الجديدة قريبا.
وهذه الإستراتيجيا ركزت على 5 محاور أساسية أولها الإطار التشريعي أي النصوص المنظمة للقطاع، والخطة الاتصالية، وبناء القدرات، والشراكات، والمناهج.
إذ سنعمل على مواصلة محو الأمية الأبجدية ومواكبة نسق تغير الحاجات المعرفية للمجتمع مع نسق تغير الحاجات المعرفية في العالم، ما جعلنا نعتبر أن تعليم الكبار يجب أن يصبح مدرسة اجتماعية مفتوحة للجميع، مفتوحة للأميين ولمحدودي القدرات القرائية وأيضا لتعلم بعض القدرات الأخرى على غرار تعلم الطبخ والفلاح واللغات والتكنولوجيا والرسم والمسرح... إذ حتى للمتعلمين وأصحاب الشهائد العليا والموظفين وللمحالين على التقاعد، إمكانية المشاركة في هذا البرنامج وهو ما جعل الوزارة تقرر رسميا إحداث مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة التي سيكون مقرها فضاء بورصة الشغل بتونس حيث ستفتح أبوابها خلال الأشهر القريبة القادمة وقد أخذت الوزارة على عاتقها إعداد الفضاء.
كما أن هذه المدرسة، أي مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة، أو ما يعرف اليوم ببرنامج تعليم الكبار ستكون لها فروعا في عدة مناطق من الجمهورية وسيكون فيها التعليم مجاني في شكل ورشات ومحاضرات ودورات، وأسابيع تعليمية وأشهر تعليمية، إلى جانب التعليم عن بعد والتعليم حسب الطلب، علما وأن عدد المراكز التي سيتم تغيير تسميتها إلى مراكز التعلم مدى الحياة سيبلغ 12 مركزا.
ولضمان استفادة أكبر عدد ممكن من خدمات هذه المدرسة نحن اليوم بصدد التنسيق مع المصالح ذات النظر بوزارتي الشباب والثقافة للتركيز على الأحياء الشعبية بتونس الكبرى من خلال عقد شراكات مع دور الشباب والثقافة حتى تكون وسيطا لنقل الشباب إلى مقر بورصة الشغل من أجل تأطيرهم وتكوينهم في العديد من المجالات.
بالإضافة إلى ذلك فإن مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة ستكون فضاء للأسرة إذ سنحاول، بالشراكة مع وزارة المرأة والأسرة، إحداث فضاء ترفيهي للأطفال ومقهى عائلي وإذاعة، ومكتبة رقمية وأخرى ورقية، مع إحداث سوق لترويج منتوجات المتكونين بمراكز التعلم مدى الحياة من الذين تلقوا تكوينا لاكتساب عدة مهارات بمختلف ولايات الجمهورية، لترويج منتجاتهم التقليدية والغذائية..
*ما هي المشاكل التي يعاني منها برنامج تعليم الكبار اليوم!؟
-يعاني من مشكل جوهري وهو مشكل الاستقطاب إذ أن كبار السن وحتى بعض الفئات من الشباب لا يقبلون على التعلم إلا بوجود منفعة وهو ما يتطلب انخراط كل الأطراف للتحسيس والترغيب في التعلم وما يقدمه من مهارات. وفي هذا المجال يتم اليوم إعداد نص قانوني يحدد انخراط هذه الأطراف في عملية الترغيب، وأول شراكة هي مع وزارة التكوين المهني إذ أن الدارسين المتحصلين على شهادة التربية الاجتماعية بإمكانهم اجتياز اختبار الحصول على شهادة الكفاءة المهنية إذ تتكفل وزارة الشؤون الاجتماعية والمركز الوطني لتعليم الكبار بخلاص معاليم التسجيل.
ولا يفوتني في هذا الصدد التأكيد على أن وزارة الشؤون الاجتماعية تعمل على محو الأمية من خلال تقديم العديد من الحوافز فبالإضافة إلى جائزة رئيس الجمهورية بمناسبة يوم العلم وجائزة الوزارة بمناسبة اليوم العربي لمحو الأمية الموافق ليوم 8 سبتمبر، هناك جوائز جهوية وأخرى محلية..، مع تنظيم رحلات دراسية.
كما تقوم الوزارة بمرافقة الدارسين الراغبين في بعث مشاريع صغرى لأننا نعتبر أن الهدف من البرنامج الوطني لتعليم الكبار ليس اكتساب الأميين لمهارة القراءة والكتابة بل وأيضا استثمار القراءة والكتابة لتحقيق إدماجهم الاقتصادي والاجتماعي.
هذا بالإضافة إلى وضع خطة اتصالية عبر القيام بحملات في وسائل الإعلام وعبر الإرساليات القصيرة وعن طريق شبكات التواصل الاجتماعي وبواسطة المعلقات..
*ونحن في عصر التكنولوجيا والإقبال الكبير على استعمال الهاتف الجوال في تونس من قبل مختلف الفئات، هل سيتم استثمار هذه التقنيات ضمن برامجكم!؟
-نحن في مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة سنطلق مخبرا للتجارب الرقمية يشتغل على التعلم عن بعد.
هذا مع اختيار عدد من مراكز التعلم مدى الحياة، مبدئيا، مركز القصرين وأخر إما في سليانة أو الكاف في الشمال الغربي، ومركزا أخرى في الجنوب ومن المرجح أن يكون في تطاوين وآخر بصفاقس، ويهدف البرنامج لتحويلها إلى فضاءات عائلية تحتوي على كل المرافق ومعدات لتعلم كل أفراد العائلة الكبار والصغار بالإضافة إلى جعله مكانا للترفيه وهذا من شأنه خلق فضاءات للعائلات للمعرفة والترفيه في ذات الوقت ما يعني أن المدرسة تكون مفتوحة للجميع إذ سنحاول مع وزارة الثقافة برمجة عروض مسرحية وأشرطة سينمائية، وأيضا برمجة أنشطة رياضية مع وزارة الرياضة والشباب وأخرى تكنولوجية... وهذا يتنزل في إطار ديمقراطية المعرفة عبر تحويل هذه الفضاءات إلى قطب ثقافي معرفي اجتماعي ما يجعل تعليم الكبار مدرسة مجتمعية وينخرط ضمن التوجهات الكبرى للوزارة الداعية إلى الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للأميين والمهمشين على أساس مبدأين أساسيين أمضت عليهما تونس منذ 2004 وهما التعلم مدى الحياة والتعلم للجميع، بما في ذلك المتعلمين الراغبين في اكتساب بعض المهارات الحياتية، حيث أمضت بلادنا على عقد التنمية الاجتماعية 2020/2030 وانخرطت مع المنظمات الإقليمية على غرار "الألكسو" و"اليونسكو".. في هذا التمشي.
*ما هو وضع المدرسين والإطارات العاملة في برنامج تعليم الكبار؟
-تماشيا مع قرارات رئيس الجمهورية الداعية إلى إنهاء التشغيل الهش أعددنا مشروعا للتسوية النهائية للمدرسين والمتعاقدين مع العمل على تحسين وضعهم المالي والمهني علما وأن الاعتمادات المالية مرصودة لهذا الغرض، مع فتح مناظر لمتفقدي التربية الاجتماعية.
وقد خصصت الوزارة للسنة الدراسية 2024/2025 ميزانية بقيمة تفوق 27 مليون دينار بعد أن كانت في سنة 2016 في حدود 13 مليون، ويوجه جزء هام من الميزانية لتسوية وضعية المتعاقدين وتحسين وضعهم المالي مع تفكير الوزارة في تعزيز برامج التعليم، وهنا أؤكد على أهمية مساهمة كل الوزارات والهياكل والمنظمات وحتى الخواص في جهود إنجاح مشروع برنامج التعلم مدى الحياة حتى تكون هناك معابر للتعاون والتعلم حتى يكون تعليم الكبار، والذي سيطلق عليه مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة، مدرسة مجتمعية تتيح التعلم للجميع .
*ما هي الأهداف المبرمج تحقيقها خلال السنوات القادمة؟
-وفق التوقعات ومع انتشار مدارس تعليم الكبار أو التعلم مدى الحياة في كل ولايات الجمهورية والتي تؤسس لمهارات جديدة ومستجدة ولم لا اعتماد الذكاء الاصطناعي من خلال التعلم عن بعد ما يمكن من بناء قدرات مجتمعية، وهذا طبعا في إطار شراكات دائمة وفاعلة مع وزارة التربية ووزارة التكوين المهني والتشغيل ووزارة الثقافة ووزارة الشباب والرياضة، وبعد خمس سنوات فإنه بالإمكان التقليص في نسبة الأمية إلى 7%.
علما وأن الإقبال يرتفع من سنة إلى أخرى بحوالي 1000 متعلم جديد، وهو عدد ضعيف بسبب ضعف الاستقطاب.
لذا فإنه بالإمكان، وبفضل بذل جهود أكبر من قبل كل المتدخلين، استقطاب أعداد أكبر، إذ نسعى إلى بلوغ عدد المتعلمين 30 ألفا في أفق 2030 على أن يصل العدد إلى 50 ألفا مع بداية العشرية القادمة في إطار برنامج التعلم مدى الحياة الذي يشمل الأميين من جهة، ومن جهة أخرى الراغبين، من المتعلمين وأصحاب الشهائد العلمية، في اكتساب مهارات جديدة، وهو برنامج وطني يهدف إلى بناء مواطن تونسي مواكب لتغييرات العملية في العالم ما من شأنه تحسين مؤشرات التنمية الاجتماعية للأفراد.
تونس-الصباح
رغم انتشار مؤسسات التعليم في تونس إلا أن الأمية تبقى مشكلا قائم الذات في ظل ارتفاع نسبة التسرب المدرسي لأسباب عدة.
لكن جهود الدولة بمختلف مؤسساتها وهياكلها لتطويق الأمية والحط من نسبها مواصلة ولعل أبرز البرامج التي تتنزل في هذا الإطار برنامج تعليم الكبار، هذا البرنامج الذي يعرفه كل تونسي لكن لا يعلمون عنه الكثير.
"الصباح" في عدد اليوم تسلط الضوء على برنامج تعليم الكبار من خلال حوار أجرته مع هشام بن عبدة المدير العام للمركز الوطني لتعليم الكبار الذي فصل لنا واقع تعليم الكبار في تونس مشاكله وآفاقه، وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار.
حاورته حنان قيراط
*الأكيد أن أغلب التونسيين قد سمعوا عن تعليم الكبار لكنهم يجهلون الكثير عنه، ما هو برنامج تعليم الكبار؟!
-انخراط تونس في محو الأمية ظاهرة قديمة جديدة انطلقت منذ العصر الروماني في البلاطات والمعابد، ثم مع دخول الإسلام في الكتاتيب والزوايا والطرق الصوفية، ومحو الأمية كان خلال فترة الاستعمار أيضا عبر الدروس التي تقدمها الحركة التبشيرية وكذلك ما أطلق عليها آنذاك "دار المعلمة".
وبعد الاستقلال ومع الدولة الوطنية تواصل هذا العمل خاصة وأن نسبة الأمية حينها كانت أكثر من 87%، حيث أقرت الدولة برامج لمحو الأمية من خلال إحداث المدارس في كل مناطق البلاد وفرض تعليم صغار السن كما وقع إحداث ديوان وطني للكهول ووقع تسخير كل الإمكانيات والمنظمات للقيام بهذا الجهد ما مكن في 10 سنوات من النزول بنسبة الأمية بـ20%.
وبتقلص الأمية تم التركيز أكثر على التعليم النظامي إلا أنه تم التفطن سنة 1994 لعودة ارتفاع نسبة الأمية وبنسب تفوق 24% وهو ما جعل كل الأطراف تتجند لإنجاح الخطة الوطنية لمحو الأمية التي كانت، وبسبب ضعف الإمكانيات نتائجها محدودة.
وفي سنة 2000 تم إحداث البرنامج الوطني لتعليم الكبار الذي حقق قفزة نوعية خلال الـ3 سنوات الأولى لأنه لاقى الدعم السياسي والمالي ووضع برامج تكوين هامة ما ساهم في تقليص نسبة الأمية.
إلا أن البرنامج فيما بعد أصبح ذو صبغة تشغيلية أكثر منه فنية فابتعد عن بعده الكمي والنوعي.
وبعد الثورة أطلقت دراسة جدوى تم على إثرها اتخاذ قرارات لم تكن صائبة خاصة في جانبها المتعلق بتقليص ميزانية البرنامج ما أثر في أداء المنظومة وعدم وجود برامج تساعد على التخفيف من الأمية الواردة من التعليم النظامي.
وفي سنة 2017 أخذت وزارة الشؤون الاجتماعية البرنامج بأكثر جدية فقررت إحداث تصور جديد يأخذ بعين الاعتبار نسبة الأمية التي و حسب تعداد السكان والسكنى لسنة 2014 بلغت 19.1%.
أما اليوم يندرج برنامج تعليم الكبار في صلب التوجهات ذات الأهمية للحكومة ولوزارة الشؤون الاجتماعية حيث يبلغ العدد الجملي للمستفيدين من منظومة تعليم الكبار 24 ألفا في كل المراحل، ويبلغ عدد الأفواج 1618 فوجا، أما عدد المشاركين في الامتحانات، التي يتم تنظيمها في كل نهاية سنة دراسية ويجتازها الذين يدرسون لمدة سنتين في مرحلة الأساس ومرحلة التكميل والذين يشاركون في امتحان وطني ينتهي بشهادة التربية الاجتماعية وهي مؤشر للتحرر من الأمية، 16841 دارسا.
وفيما يخص عدد الدارسين في مختلف المراحل التعليمية فهي كالآتي 10178 دارسا في مرحلة الأساس، وهو الأمي الذي ينخرط في تعليم الكبار في عامه الأول، و6254 في مرحلة التكميل، وهو الذي يدرس عامه الثاني ويشفع بامتحان، و155 دارسا في صيغة المكثف هو كل دارس ليس له الوقت لدراسة عامين فيدرس إما لسنة أول 6 أشهر ويتم خلال هذه الفترة تكثيف البرامج لتمكينه من المؤهلات اللازمة. كما يوجد أيضا254 دارسا في صيغة المتابع.
وبخصوص عدد المدرسين المتعاقدين فهو في حدود 886، أما عدد المدرسين القارين فيبلغ 113، ويبلغ عدد المتفقدين 11 متفقدا، كما يبلغ عدد الأعوان والإطار الإداري 202، ويبلغ عدد مراكز التربية الاجتماعية 965 مركزا .
كما يبلغ عدد المراكز متعددة المهارات 55 وتدرس 1618 فوجا.
*ما هو توزيع الأمية في تونس حاليا!؟
-وفق تعداد السكان والسكنى لسنة 2014 فإن الأمية توجد خاصة في الأرياف وهي مرتفعة لدى النساء إذ تبلغ 45% و تتجاوز أحيانا هذه النسبة لتبلغ 60% في بعض العمادات.
وقد كشفت الأرقام الحاجة إلى عدة برامج حيث تم إحداث برنامج إنماء التعلم الذاتي الذي يكسب الأمي القدرة على القراءة بمفرده، وبرنامج آخر للعناية بالمرأة الريفية وخاصة الفتاة الريفية لأن هناك نسبة كبيرة من الفتيات يقع حرمانهن من التعلم لأسباب اقتصادية واجتماعية حيث يقوم الأباء بتدريس الأولاد وترك الفتاة دون تعليم وهو ما حتم خلق شراكة بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية ووزارة التكوين المهني والتشغيل للقضاء على الأمية.
ووفق المسح الأخير للمعهد الوطني للإحصاء لسنة 2023 فقد تقلصت الأمية الأبجدية إلى 12.7%، إلا أن هذه النسبة تخفي مؤشرات أخرى تتمثل في كون الأمية نجدها أكثر لدى الأفراد من الفئة العمرية التي تفوق 60 سنة، كما أن الأمية وبسبب الحراك السكاني بعد 2011 تنقلت حول المدن الكبرى إذ تكونت حزمة سكانية لتشكل مدنا جديدة للنازحين ما خلق الأمية الوافدة ما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية في مدن ولايات تونس الكبرى وأيضا في سوسة ونابل وصفاقس مقابل تراجعها في الأرياف ما خلق الحاجة إلى إحداث برامج جديدة.
والإشارة فإن الأمية تراجعت لدى النساء إلا أنها بقيت النسبة مرتفعة فبعد أن كانت فوق 45% أصبحت في حدود 31% وهو ما يفرض مجهودات أكبر للتقليص من هذه النسبة.
والإشارة فإن نسبة الأمية مازالت تعد مرتفعة في الشمال الغربي والوسط الغربي حيث كانت خلال تعداد 2014 في حدود 30% فأصبحت أكثر من 20% وهي نسبة مرتفعة أيضا.
ولا ننسى أن هناك بعض القطاعات التي تعد أمية أكثر من غيرها على غرار القطاع الفلاحي والصيد البحري والصناعات المعملية و الحضائر والبلديات.
*بما أن التشخيص واضح، هل من برامج للحد أكثر من الأمية!؟
-الأكيد أن وضع البرامج لا يتم إلا في إطار نظرة إستراتيجية ورؤية تتحول إلى برامج عملية، حيث أعددنا استراتيجيا وطنية لمحو الأمية تمت صياغتها بالتنسيق مع المكتب الإقليمي لليونسكو بالرباط بالشراكة مع كل الأطراف المعنية، فالوزارة الحالية اعتبرت أن الإستراتيجية التي تم إحداثها في 2017 قد حان الوقت لتحيينها ومن المنتظر أن تصدر الإستراتيجية الجديدة قريبا.
وهذه الإستراتيجيا ركزت على 5 محاور أساسية أولها الإطار التشريعي أي النصوص المنظمة للقطاع، والخطة الاتصالية، وبناء القدرات، والشراكات، والمناهج.
إذ سنعمل على مواصلة محو الأمية الأبجدية ومواكبة نسق تغير الحاجات المعرفية للمجتمع مع نسق تغير الحاجات المعرفية في العالم، ما جعلنا نعتبر أن تعليم الكبار يجب أن يصبح مدرسة اجتماعية مفتوحة للجميع، مفتوحة للأميين ولمحدودي القدرات القرائية وأيضا لتعلم بعض القدرات الأخرى على غرار تعلم الطبخ والفلاح واللغات والتكنولوجيا والرسم والمسرح... إذ حتى للمتعلمين وأصحاب الشهائد العليا والموظفين وللمحالين على التقاعد، إمكانية المشاركة في هذا البرنامج وهو ما جعل الوزارة تقرر رسميا إحداث مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة التي سيكون مقرها فضاء بورصة الشغل بتونس حيث ستفتح أبوابها خلال الأشهر القريبة القادمة وقد أخذت الوزارة على عاتقها إعداد الفضاء.
كما أن هذه المدرسة، أي مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة، أو ما يعرف اليوم ببرنامج تعليم الكبار ستكون لها فروعا في عدة مناطق من الجمهورية وسيكون فيها التعليم مجاني في شكل ورشات ومحاضرات ودورات، وأسابيع تعليمية وأشهر تعليمية، إلى جانب التعليم عن بعد والتعليم حسب الطلب، علما وأن عدد المراكز التي سيتم تغيير تسميتها إلى مراكز التعلم مدى الحياة سيبلغ 12 مركزا.
ولضمان استفادة أكبر عدد ممكن من خدمات هذه المدرسة نحن اليوم بصدد التنسيق مع المصالح ذات النظر بوزارتي الشباب والثقافة للتركيز على الأحياء الشعبية بتونس الكبرى من خلال عقد شراكات مع دور الشباب والثقافة حتى تكون وسيطا لنقل الشباب إلى مقر بورصة الشغل من أجل تأطيرهم وتكوينهم في العديد من المجالات.
بالإضافة إلى ذلك فإن مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة ستكون فضاء للأسرة إذ سنحاول، بالشراكة مع وزارة المرأة والأسرة، إحداث فضاء ترفيهي للأطفال ومقهى عائلي وإذاعة، ومكتبة رقمية وأخرى ورقية، مع إحداث سوق لترويج منتوجات المتكونين بمراكز التعلم مدى الحياة من الذين تلقوا تكوينا لاكتساب عدة مهارات بمختلف ولايات الجمهورية، لترويج منتجاتهم التقليدية والغذائية..
*ما هي المشاكل التي يعاني منها برنامج تعليم الكبار اليوم!؟
-يعاني من مشكل جوهري وهو مشكل الاستقطاب إذ أن كبار السن وحتى بعض الفئات من الشباب لا يقبلون على التعلم إلا بوجود منفعة وهو ما يتطلب انخراط كل الأطراف للتحسيس والترغيب في التعلم وما يقدمه من مهارات. وفي هذا المجال يتم اليوم إعداد نص قانوني يحدد انخراط هذه الأطراف في عملية الترغيب، وأول شراكة هي مع وزارة التكوين المهني إذ أن الدارسين المتحصلين على شهادة التربية الاجتماعية بإمكانهم اجتياز اختبار الحصول على شهادة الكفاءة المهنية إذ تتكفل وزارة الشؤون الاجتماعية والمركز الوطني لتعليم الكبار بخلاص معاليم التسجيل.
ولا يفوتني في هذا الصدد التأكيد على أن وزارة الشؤون الاجتماعية تعمل على محو الأمية من خلال تقديم العديد من الحوافز فبالإضافة إلى جائزة رئيس الجمهورية بمناسبة يوم العلم وجائزة الوزارة بمناسبة اليوم العربي لمحو الأمية الموافق ليوم 8 سبتمبر، هناك جوائز جهوية وأخرى محلية..، مع تنظيم رحلات دراسية.
كما تقوم الوزارة بمرافقة الدارسين الراغبين في بعث مشاريع صغرى لأننا نعتبر أن الهدف من البرنامج الوطني لتعليم الكبار ليس اكتساب الأميين لمهارة القراءة والكتابة بل وأيضا استثمار القراءة والكتابة لتحقيق إدماجهم الاقتصادي والاجتماعي.
هذا بالإضافة إلى وضع خطة اتصالية عبر القيام بحملات في وسائل الإعلام وعبر الإرساليات القصيرة وعن طريق شبكات التواصل الاجتماعي وبواسطة المعلقات..
*ونحن في عصر التكنولوجيا والإقبال الكبير على استعمال الهاتف الجوال في تونس من قبل مختلف الفئات، هل سيتم استثمار هذه التقنيات ضمن برامجكم!؟
-نحن في مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة سنطلق مخبرا للتجارب الرقمية يشتغل على التعلم عن بعد.
هذا مع اختيار عدد من مراكز التعلم مدى الحياة، مبدئيا، مركز القصرين وأخر إما في سليانة أو الكاف في الشمال الغربي، ومركزا أخرى في الجنوب ومن المرجح أن يكون في تطاوين وآخر بصفاقس، ويهدف البرنامج لتحويلها إلى فضاءات عائلية تحتوي على كل المرافق ومعدات لتعلم كل أفراد العائلة الكبار والصغار بالإضافة إلى جعله مكانا للترفيه وهذا من شأنه خلق فضاءات للعائلات للمعرفة والترفيه في ذات الوقت ما يعني أن المدرسة تكون مفتوحة للجميع إذ سنحاول مع وزارة الثقافة برمجة عروض مسرحية وأشرطة سينمائية، وأيضا برمجة أنشطة رياضية مع وزارة الرياضة والشباب وأخرى تكنولوجية... وهذا يتنزل في إطار ديمقراطية المعرفة عبر تحويل هذه الفضاءات إلى قطب ثقافي معرفي اجتماعي ما يجعل تعليم الكبار مدرسة مجتمعية وينخرط ضمن التوجهات الكبرى للوزارة الداعية إلى الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للأميين والمهمشين على أساس مبدأين أساسيين أمضت عليهما تونس منذ 2004 وهما التعلم مدى الحياة والتعلم للجميع، بما في ذلك المتعلمين الراغبين في اكتساب بعض المهارات الحياتية، حيث أمضت بلادنا على عقد التنمية الاجتماعية 2020/2030 وانخرطت مع المنظمات الإقليمية على غرار "الألكسو" و"اليونسكو".. في هذا التمشي.
*ما هو وضع المدرسين والإطارات العاملة في برنامج تعليم الكبار؟
-تماشيا مع قرارات رئيس الجمهورية الداعية إلى إنهاء التشغيل الهش أعددنا مشروعا للتسوية النهائية للمدرسين والمتعاقدين مع العمل على تحسين وضعهم المالي والمهني علما وأن الاعتمادات المالية مرصودة لهذا الغرض، مع فتح مناظر لمتفقدي التربية الاجتماعية.
وقد خصصت الوزارة للسنة الدراسية 2024/2025 ميزانية بقيمة تفوق 27 مليون دينار بعد أن كانت في سنة 2016 في حدود 13 مليون، ويوجه جزء هام من الميزانية لتسوية وضعية المتعاقدين وتحسين وضعهم المالي مع تفكير الوزارة في تعزيز برامج التعليم، وهنا أؤكد على أهمية مساهمة كل الوزارات والهياكل والمنظمات وحتى الخواص في جهود إنجاح مشروع برنامج التعلم مدى الحياة حتى تكون هناك معابر للتعاون والتعلم حتى يكون تعليم الكبار، والذي سيطلق عليه مدرسة تونس للتعلم مدى الحياة، مدرسة مجتمعية تتيح التعلم للجميع .
*ما هي الأهداف المبرمج تحقيقها خلال السنوات القادمة؟
-وفق التوقعات ومع انتشار مدارس تعليم الكبار أو التعلم مدى الحياة في كل ولايات الجمهورية والتي تؤسس لمهارات جديدة ومستجدة ولم لا اعتماد الذكاء الاصطناعي من خلال التعلم عن بعد ما يمكن من بناء قدرات مجتمعية، وهذا طبعا في إطار شراكات دائمة وفاعلة مع وزارة التربية ووزارة التكوين المهني والتشغيل ووزارة الثقافة ووزارة الشباب والرياضة، وبعد خمس سنوات فإنه بالإمكان التقليص في نسبة الأمية إلى 7%.
علما وأن الإقبال يرتفع من سنة إلى أخرى بحوالي 1000 متعلم جديد، وهو عدد ضعيف بسبب ضعف الاستقطاب.
لذا فإنه بالإمكان، وبفضل بذل جهود أكبر من قبل كل المتدخلين، استقطاب أعداد أكبر، إذ نسعى إلى بلوغ عدد المتعلمين 30 ألفا في أفق 2030 على أن يصل العدد إلى 50 ألفا مع بداية العشرية القادمة في إطار برنامج التعلم مدى الحياة الذي يشمل الأميين من جهة، ومن جهة أخرى الراغبين، من المتعلمين وأصحاب الشهائد العلمية، في اكتساب مهارات جديدة، وهو برنامج وطني يهدف إلى بناء مواطن تونسي مواكب لتغييرات العملية في العالم ما من شأنه تحسين مؤشرات التنمية الاجتماعية للأفراد.