إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الروائية حفيظة قارة بيبان لـ"لصباح": "بنت البحر".. الاسم الذي منحه لي الأدب لأسافر حرة من كل القيود

حوار محسن بن احمد

حفيظة قارة بيبان وكنيتها الإبداعية " بنت البحر" عاشقة للكتابة والابداع في شتى مجالاته- قصة وشعرا ومقالة ورواية -  إلى حد الانصهار الكلي فيه . هي سليلة عائلة أدبية عريقة بمدينة بنزرت الشامخة بإرثها التاريخي والحضاري والثقافي .

في كتاباتها تنتصر" بنت البحر " للحرية بتمردها على من يعرقل هذه الحرية التي تتنفسها بعمق وهي تكشف وتفضح كل المظالم التي يرزح تحت سياطها الإنسان العربي، في نص جمالي مبدع قوي في مضامينه، دقيق في توصيفه للواقع بكل تناقضاته.

برزت حفيظة قارة بيبان بنشاطها البارز في نادي القصة بتونس منذ أواخر السبعينات ثم في اتحاد الكتاب التونسيين منذ سنة 1984. كما تميزت مسيرتها  بمشاركاتها الفاعلة في العديد من الملتقيات الوطنية والدولية في تونس وفي عدد من الدول العربية. التقيناها فكان هذا لحديث:

* كيف كانت الانطلاقة في عالم الأدب؟  وأي سر في اسم "بنت البحر"؟

-كنت أقول دوما أن الأدب قدري.  فجينة الفن تسكنني منذ الصبا، فقد كان أبي أديبا وشاعرا ورئيس أعرق الجمعيات التمثيلية بنزرت، جمعية النهضة التمثيلية، وعمي عازف عود وبيانو وعاشقا للموسيقى وعمي الأصغر خطاطا ورساما وأخي حليم رساما تشكيليا معروفا.

 ولكن هل كان لجينة الفن أن تنمو داخلي لولا تلك الحساسية البالغة التي تسكنني وذاك العشق الغامض الذي كان يتعبني ويدعوني للابتعاد والانزواء لأنفرد بنفسي   مع الكتب والمجلات الأدبية في مكتبة بيتنا منذ الطفولة، ولأسافر إلى عوالم بعيدة أرحب لا ترتفع فيه قيود ولا أسوار كأسوار مدينتي العربية المغلقة على عاداتها وتقاليدها.

هكذا، وجدتني أعشق الحرف وأهرب من كل ما يكبلني ويشقيني. بالكتابة، أسجل يومياتي، خواطري، وأسراري، وأخفيها منذ أيام المدرسة الابتدائية. لن أنسى معلمنا الوسيم في السنة  الخامسة أو السادسة، الكاتب عبد الواحد إبراهم، الذي زاد من حبي للغة العربية من خلال شعره وحسن إلقائه.

في مجلة المعهد،نشرت نصوصي الأولى. ولكن أول نص نشر لي، ليحلق بعيدا،كان في جريدتنا الغراء" "الصدى " في صفحة أدب الشباب التي كان يشرف عليها الصحفي القدير الفقيد محمد بن رجب رحمه الله.

جريدة الصباح التي كانت جريدتنا اليومية، والتي كنا نتسابق أنا وأخي فتحي، ونحن يافعين، لنتخاطفها من يد أبي حال فتحنا الباب له، عند عودته  زوالا  من المعهد. 

نصي ذاك كان بإمضاء "بنت البحر"، الاسم الذي منحه لي الأدب لأسافر حرة من كل القيود التي قد ترفعها في وجهي مدينتي المحافظة. أصبحت "بنت البحر" هويتي الفنية، كما اعتبرت ذلك الدكتورة جليلة طريطر في دراستها الهامة ليومياتي "النجمة والكوكوت: يوميات كاتبة وفنان"، والتي كانت بالشراكة مع أخي حليم الفنان التشكيلي، وذلك في كتابها "مرائي النساء" الفائز بجائزة الشيخ زايد.

الانطلاقة الحقيقية كانت من مجلة "الفكر"، أهم المجلات التونسية في السبعينات والثمانينات، ومجلة "قصص"، قبل أن يصدر كتابي القصصي الأول "الطفلة انتحرت" عن الدار العربية للكتاب سنة 1984."

*ماهي تقنياتك في نصك السردي ؟

-تقنيات عديدة متجددة تدعوني.

الرؤية الجمالية للكتابة هي التي تقودني لكتابة النص الذي يستفيد من مختلف التقنيات والفنون، ويوظفها في سياق السرد كاسترجاع الماضي والتشظي والتناص واليوميات... مع هذا تظل الشعرية سمة واضحة فيما أكتب، وهذا ما لاحظه جل النقاد، ما جعل د. محمد الباردي يقول عن دروب الفرار" هذه رواية شعرية".

*ماذا تقولين عن لحظة ميلاد روايتك الأولى؟ "دروب الفرار" التي لفتت إليها الأنظار وكتبت عنها عشرات المقالات والدراسات؟ كما حصدت جائزتين، جائزة كومار وجائزة الكريديف؟

- لعلها الرواية النبوءة لما حدث في تونس بعد 2011،كما اعتبر ذلك العديد من الكتاب والقراء.

كتبت روايتي الأولى الصادرة في 2004 عن دار سيراس، بعد أن ضاقت بي طريق القصة. وما عادت تكفيني للكتابة عن عالم تشابكت همومه وتعددت قضاياه.عالم يقتحمني ويسكنني بأخباره وحروبه وامتهانه المرعب للإنسان. وجدتني أحتاج إلى مساحة أرحب للكتابة. هكذا فرضت التجربة نفسها وانبثت "شرود "، عاشقة النغم، الحالمة بإبداع نغم يوقظ المدينة، المؤمنة بأن الحب يفتح كل الدروب، ولكنها تجد نفسها بعد الزواج، وحيدة، في قلعة  بالمدينة العتيقة، بين النساء المحجبات، والدعاوي إلى الظلامية الدينية. وإذا هي، بعد اختفاء شقيقها الطالب الثائر، تجد نفسها بين القمع السياسي والتطرف الديني، وتنتهي أخيرا إلى دروب الفرار.

نجاح الرواية جعلها تصدر في عديد الطبعات في تونس وفي سوريا عن دار كنعان. وهاهي الطبعة الجديدة تصدر هذا العام عن دار كلمة بتونس، بتقديم جديد للدكتورة فاطمة الأخضر، مع تقديم الدكتور محمد القاضي.

*نحن نعيش اليوم على وقع حراك سياسي عالمي. هل تربك السياسة شفافية العمل الإبداعي؟

-العمل الإبداعي نتاج واقعه الذي يلتقي فيه الاجتماعي بالسياسي. هل يمكن أن نهرب من هذا الواقع؟ خاصة واقعنا العربي المتأزم؟

وكيف يمكن أن نكتب عن راهن الإنسان العربي دون أن يتسلل الكثير أو القليل مما يتحكم في هذا الراهن وأدى إلى خيبات وانكسارات الإنسان؟

قد يأتي ذلك واضحا صادما أو مواربا خفيا أو مغلفا بالسيلوفان على حد عبارتك.

ومع ذلك، فإن الكاتب المبدع لا يكتب السياسة بل يكتب الإنسان الذي تسقط عليه "كلابات" السياسة. يكتب عن أعماق الإنسان الذي يقاوم السلطة بكل أنواعها بأدواته الجمالية، دون السقوط في التسجيلية المبتذلة.  فتكون بذلك الإضافة  .

*من هو القارئ الذي تتوجهين إليه؟  

- أنا أكتب للإنسان، للإنسان العربي الباحث عن حريته داخل أسواره المتعددة، رجلا كان أو امرأة.

لا أتخير جمهور القراء في كتاباتي للكبار، ولا أكتب وفق إغراءات الطلب أو الشهرة، لأن الكتابة بالنسبة لي تجربة هادرة حارقة تفرض نفسها علي، لا تستجيب إلا لدعوة الذات في التعبير عن عمق التجربة الإنسانية، بجماليات الأدب،خارج منطق "ما يطلبه المستمعون".

مع هذا،كانت لي تجربة الكتابة للأطفال،تجربة انطلقت عن حب وشغف لتكون هدية  لحفيدتي الصغيرة رؤى وعن طريقها كانت هديتي للأطفال "سلسلة حكايات بنت البحر" التي ضمت 8 قصص، منها مرام والفراشة، رؤى وأمنا الأرض، عروس فلسطين، الجبل الغريب...

*ما الذي يشغلك في كتابتك الروائية؟

-بداية من روايتي الأولى إلى الأخيرة، تشغلني مقاومة الواقع العربي المتردي والبحث عن واقع أجمل من خلال الحب، الفن والموسيقى، لذلك كانت الكتابة بالنسبة لي مقاومة للأسوار والسجون والمظالم التي تكبل المرأة بصفة خاصة والانسان العربي بصفة عامة. مقاومة وبحث دائم عن الحرية والطيران . مقاومة   إلى عوالم أكثر جمالا ورحمة بالإنسان.

نعم، تعددت كتاباتي عن الظلامية الدينية، والقمع السياسي والبحث عن الحب والموسيقى منقذا وملاذا،خاصة في رواية "دروب الفرار"، عن الحب المستحيل و الجرح الفلسطيني الغائر، من خلال التاريخ الفلسطيني في تونس كما في  "العراء".و عن عمى القانون  واغتيال العلماء كما في "نساء هيبو وليال عشر" روايتي الأخيرة.

*هل من الضروري الاستنجاد بالتراث لخلق عوالم سردية؟

-لكل كاتب اختياره في بناء عوالمه السردية. المهم، هي قدرة الكاتب على حسن استثمار التراث وبناء عالم تخييلي، يضيف ويمتع.

هناك من ينجح في ذلك وهناك من لا يضيف جديدا، إذ يستسهل الاتكاء على قصص جاهزة معروفة قد تجذب القارئ للكتاب، كما يحدث مع الكثير من كتب الأطفال واليافعين.

*هل للحرية حدود في النص الإبداعي؟

- لا حدود للحرية وقت الكتابة. الإبداع حرية أو لا يكون،ولكن الحرية الواعية الشجاعة، لا التي تتوسل بالتسجيلية المبتذلة.  الأدب يغتني بالاستعارات والرموز ولا يحتاج إلى غير جماليات الكتابة مع صدق التجربة وتوهجها، ليصل إلى القارئ.

*ما قراءتك للمشهد الأدبي السردي في تونس؟

- المشهد زاخر بالطاقات الإبداعية،" الكتاب التونسي أصبح يحقق ، نجاحات هامة سواء في النقد أو الإبداع أو الترجمة. يكفي أن نذكر الفائزين بجوائز عربية هامة، مثل جائزة الشيخ زايد للدكتورة جليلة طريطر والدكتور محمد آيت ميهوب وأخيرا الدكتور منصف الوهايبي. كذلك في المجال الإبداعي، خاصة الرواية.

ولكن هذا لا يخفي كثرة الأعمال المنشورة الهزيلة، سواء عن طريق دور النشر بمقابل أو عن طريق النشر الخاص. واختلاط الحابل بالنابل، مما يدعو إلى اهتمام نقدي أكبر، سواء من الإعلاميين في المجال الثقافي أو من النقاد.

*روايتك الأخيرة "نساء هيبو وليال عشر". هل يمكن أن نقول عنها ما قال الشاعر الكبير الراحل محمد الغزي عن أعمالك في تقديمه لمختاراتك القصصية مرايا الأنفاق الصادرة هذه السنة عن دار اليمينة: "قطبان اثنان يشدان أهم أعمال المبدعة الكبيرة حفيظة قاره بيبان، شد تلاؤم وانسجام، هما قطبا المرأة  من ناحية، والحرية من ناحية"؟

-الشاعر والأكاديمي الراحل محمد الغزي قرأ بعمق كتاباتي، حتى وإن تعددت مواضيعها، فإن المرأة، الأم والحبيبة ورمزالخصوبة والعطاء والفداء تحضر دوما في نصوصي و تتجلى بقوة  في هذه الرواية من خلال "يوميات نساء هيبو"،إذ تنطلق الرواية من جريمة اغتيال عالم تونسي واختفاء الطالب نادر ليلة عيد ميلاده، لتنطلق رحلة البحث عن الطالب المختفي، من 4 نساء يبحثن عن الحقيقة والخلاص.

  هي رواية الحب والفقد والحنين، رواية البحث عن الحرية، وإدانة القانون الأعمى والاستعمار الخارجي المتسلل إلى الأوطان، مع هذا يظل السؤال قائما في النهاية، هل ينجح الحب  بكل رموزه في فتح دروب الخلاص؟     

*سيكون الاحتفاء بهذه الرواية قريبا في جامعة صفاقس. لو تحدثينا عن ذلك.؟

-يسعدني أن تكون رواية "نساء هيبو وليال عشر" الصادرة عن دار اليمينة، قريبا في رحاب جامعة صفاقس في ندوة حولها بكلية الآداب، يوم الخميس 31 أكتوبر الجاري، الساعة العاشرة صباحا.  أحيي كل من سعى إلى هذا اللقاء الذي يجمع الأساتذة والطلبة حول رواية حديثة وموضوع حارق ليكون الحوار والتفاعل وإضاءة النص الروائي والتعمق من خلاله في قضايا الأدب وهموم الإنسان العربي الآن. أعترف أن أجمل اللقاءات التي أحب هي التي تكون مع الطلبة والشباب، الذين يجدون همومهم وأحلامهم في النص الروائي المتوهج الصادق.

 فشكرا للأساتذة المنظمين لهذا اللقاء ومرحبا بالطلبة والأساتذة وكل أحباء الكتاب والرواية.

الروائية حفيظة قارة بيبان لـ"لصباح":   "بنت البحر".. الاسم الذي منحه لي الأدب لأسافر حرة من كل القيود

حوار محسن بن احمد

حفيظة قارة بيبان وكنيتها الإبداعية " بنت البحر" عاشقة للكتابة والابداع في شتى مجالاته- قصة وشعرا ومقالة ورواية -  إلى حد الانصهار الكلي فيه . هي سليلة عائلة أدبية عريقة بمدينة بنزرت الشامخة بإرثها التاريخي والحضاري والثقافي .

في كتاباتها تنتصر" بنت البحر " للحرية بتمردها على من يعرقل هذه الحرية التي تتنفسها بعمق وهي تكشف وتفضح كل المظالم التي يرزح تحت سياطها الإنسان العربي، في نص جمالي مبدع قوي في مضامينه، دقيق في توصيفه للواقع بكل تناقضاته.

برزت حفيظة قارة بيبان بنشاطها البارز في نادي القصة بتونس منذ أواخر السبعينات ثم في اتحاد الكتاب التونسيين منذ سنة 1984. كما تميزت مسيرتها  بمشاركاتها الفاعلة في العديد من الملتقيات الوطنية والدولية في تونس وفي عدد من الدول العربية. التقيناها فكان هذا لحديث:

* كيف كانت الانطلاقة في عالم الأدب؟  وأي سر في اسم "بنت البحر"؟

-كنت أقول دوما أن الأدب قدري.  فجينة الفن تسكنني منذ الصبا، فقد كان أبي أديبا وشاعرا ورئيس أعرق الجمعيات التمثيلية بنزرت، جمعية النهضة التمثيلية، وعمي عازف عود وبيانو وعاشقا للموسيقى وعمي الأصغر خطاطا ورساما وأخي حليم رساما تشكيليا معروفا.

 ولكن هل كان لجينة الفن أن تنمو داخلي لولا تلك الحساسية البالغة التي تسكنني وذاك العشق الغامض الذي كان يتعبني ويدعوني للابتعاد والانزواء لأنفرد بنفسي   مع الكتب والمجلات الأدبية في مكتبة بيتنا منذ الطفولة، ولأسافر إلى عوالم بعيدة أرحب لا ترتفع فيه قيود ولا أسوار كأسوار مدينتي العربية المغلقة على عاداتها وتقاليدها.

هكذا، وجدتني أعشق الحرف وأهرب من كل ما يكبلني ويشقيني. بالكتابة، أسجل يومياتي، خواطري، وأسراري، وأخفيها منذ أيام المدرسة الابتدائية. لن أنسى معلمنا الوسيم في السنة  الخامسة أو السادسة، الكاتب عبد الواحد إبراهم، الذي زاد من حبي للغة العربية من خلال شعره وحسن إلقائه.

في مجلة المعهد،نشرت نصوصي الأولى. ولكن أول نص نشر لي، ليحلق بعيدا،كان في جريدتنا الغراء" "الصدى " في صفحة أدب الشباب التي كان يشرف عليها الصحفي القدير الفقيد محمد بن رجب رحمه الله.

جريدة الصباح التي كانت جريدتنا اليومية، والتي كنا نتسابق أنا وأخي فتحي، ونحن يافعين، لنتخاطفها من يد أبي حال فتحنا الباب له، عند عودته  زوالا  من المعهد. 

نصي ذاك كان بإمضاء "بنت البحر"، الاسم الذي منحه لي الأدب لأسافر حرة من كل القيود التي قد ترفعها في وجهي مدينتي المحافظة. أصبحت "بنت البحر" هويتي الفنية، كما اعتبرت ذلك الدكتورة جليلة طريطر في دراستها الهامة ليومياتي "النجمة والكوكوت: يوميات كاتبة وفنان"، والتي كانت بالشراكة مع أخي حليم الفنان التشكيلي، وذلك في كتابها "مرائي النساء" الفائز بجائزة الشيخ زايد.

الانطلاقة الحقيقية كانت من مجلة "الفكر"، أهم المجلات التونسية في السبعينات والثمانينات، ومجلة "قصص"، قبل أن يصدر كتابي القصصي الأول "الطفلة انتحرت" عن الدار العربية للكتاب سنة 1984."

*ماهي تقنياتك في نصك السردي ؟

-تقنيات عديدة متجددة تدعوني.

الرؤية الجمالية للكتابة هي التي تقودني لكتابة النص الذي يستفيد من مختلف التقنيات والفنون، ويوظفها في سياق السرد كاسترجاع الماضي والتشظي والتناص واليوميات... مع هذا تظل الشعرية سمة واضحة فيما أكتب، وهذا ما لاحظه جل النقاد، ما جعل د. محمد الباردي يقول عن دروب الفرار" هذه رواية شعرية".

*ماذا تقولين عن لحظة ميلاد روايتك الأولى؟ "دروب الفرار" التي لفتت إليها الأنظار وكتبت عنها عشرات المقالات والدراسات؟ كما حصدت جائزتين، جائزة كومار وجائزة الكريديف؟

- لعلها الرواية النبوءة لما حدث في تونس بعد 2011،كما اعتبر ذلك العديد من الكتاب والقراء.

كتبت روايتي الأولى الصادرة في 2004 عن دار سيراس، بعد أن ضاقت بي طريق القصة. وما عادت تكفيني للكتابة عن عالم تشابكت همومه وتعددت قضاياه.عالم يقتحمني ويسكنني بأخباره وحروبه وامتهانه المرعب للإنسان. وجدتني أحتاج إلى مساحة أرحب للكتابة. هكذا فرضت التجربة نفسها وانبثت "شرود "، عاشقة النغم، الحالمة بإبداع نغم يوقظ المدينة، المؤمنة بأن الحب يفتح كل الدروب، ولكنها تجد نفسها بعد الزواج، وحيدة، في قلعة  بالمدينة العتيقة، بين النساء المحجبات، والدعاوي إلى الظلامية الدينية. وإذا هي، بعد اختفاء شقيقها الطالب الثائر، تجد نفسها بين القمع السياسي والتطرف الديني، وتنتهي أخيرا إلى دروب الفرار.

نجاح الرواية جعلها تصدر في عديد الطبعات في تونس وفي سوريا عن دار كنعان. وهاهي الطبعة الجديدة تصدر هذا العام عن دار كلمة بتونس، بتقديم جديد للدكتورة فاطمة الأخضر، مع تقديم الدكتور محمد القاضي.

*نحن نعيش اليوم على وقع حراك سياسي عالمي. هل تربك السياسة شفافية العمل الإبداعي؟

-العمل الإبداعي نتاج واقعه الذي يلتقي فيه الاجتماعي بالسياسي. هل يمكن أن نهرب من هذا الواقع؟ خاصة واقعنا العربي المتأزم؟

وكيف يمكن أن نكتب عن راهن الإنسان العربي دون أن يتسلل الكثير أو القليل مما يتحكم في هذا الراهن وأدى إلى خيبات وانكسارات الإنسان؟

قد يأتي ذلك واضحا صادما أو مواربا خفيا أو مغلفا بالسيلوفان على حد عبارتك.

ومع ذلك، فإن الكاتب المبدع لا يكتب السياسة بل يكتب الإنسان الذي تسقط عليه "كلابات" السياسة. يكتب عن أعماق الإنسان الذي يقاوم السلطة بكل أنواعها بأدواته الجمالية، دون السقوط في التسجيلية المبتذلة.  فتكون بذلك الإضافة  .

*من هو القارئ الذي تتوجهين إليه؟  

- أنا أكتب للإنسان، للإنسان العربي الباحث عن حريته داخل أسواره المتعددة، رجلا كان أو امرأة.

لا أتخير جمهور القراء في كتاباتي للكبار، ولا أكتب وفق إغراءات الطلب أو الشهرة، لأن الكتابة بالنسبة لي تجربة هادرة حارقة تفرض نفسها علي، لا تستجيب إلا لدعوة الذات في التعبير عن عمق التجربة الإنسانية، بجماليات الأدب،خارج منطق "ما يطلبه المستمعون".

مع هذا،كانت لي تجربة الكتابة للأطفال،تجربة انطلقت عن حب وشغف لتكون هدية  لحفيدتي الصغيرة رؤى وعن طريقها كانت هديتي للأطفال "سلسلة حكايات بنت البحر" التي ضمت 8 قصص، منها مرام والفراشة، رؤى وأمنا الأرض، عروس فلسطين، الجبل الغريب...

*ما الذي يشغلك في كتابتك الروائية؟

-بداية من روايتي الأولى إلى الأخيرة، تشغلني مقاومة الواقع العربي المتردي والبحث عن واقع أجمل من خلال الحب، الفن والموسيقى، لذلك كانت الكتابة بالنسبة لي مقاومة للأسوار والسجون والمظالم التي تكبل المرأة بصفة خاصة والانسان العربي بصفة عامة. مقاومة وبحث دائم عن الحرية والطيران . مقاومة   إلى عوالم أكثر جمالا ورحمة بالإنسان.

نعم، تعددت كتاباتي عن الظلامية الدينية، والقمع السياسي والبحث عن الحب والموسيقى منقذا وملاذا،خاصة في رواية "دروب الفرار"، عن الحب المستحيل و الجرح الفلسطيني الغائر، من خلال التاريخ الفلسطيني في تونس كما في  "العراء".و عن عمى القانون  واغتيال العلماء كما في "نساء هيبو وليال عشر" روايتي الأخيرة.

*هل من الضروري الاستنجاد بالتراث لخلق عوالم سردية؟

-لكل كاتب اختياره في بناء عوالمه السردية. المهم، هي قدرة الكاتب على حسن استثمار التراث وبناء عالم تخييلي، يضيف ويمتع.

هناك من ينجح في ذلك وهناك من لا يضيف جديدا، إذ يستسهل الاتكاء على قصص جاهزة معروفة قد تجذب القارئ للكتاب، كما يحدث مع الكثير من كتب الأطفال واليافعين.

*هل للحرية حدود في النص الإبداعي؟

- لا حدود للحرية وقت الكتابة. الإبداع حرية أو لا يكون،ولكن الحرية الواعية الشجاعة، لا التي تتوسل بالتسجيلية المبتذلة.  الأدب يغتني بالاستعارات والرموز ولا يحتاج إلى غير جماليات الكتابة مع صدق التجربة وتوهجها، ليصل إلى القارئ.

*ما قراءتك للمشهد الأدبي السردي في تونس؟

- المشهد زاخر بالطاقات الإبداعية،" الكتاب التونسي أصبح يحقق ، نجاحات هامة سواء في النقد أو الإبداع أو الترجمة. يكفي أن نذكر الفائزين بجوائز عربية هامة، مثل جائزة الشيخ زايد للدكتورة جليلة طريطر والدكتور محمد آيت ميهوب وأخيرا الدكتور منصف الوهايبي. كذلك في المجال الإبداعي، خاصة الرواية.

ولكن هذا لا يخفي كثرة الأعمال المنشورة الهزيلة، سواء عن طريق دور النشر بمقابل أو عن طريق النشر الخاص. واختلاط الحابل بالنابل، مما يدعو إلى اهتمام نقدي أكبر، سواء من الإعلاميين في المجال الثقافي أو من النقاد.

*روايتك الأخيرة "نساء هيبو وليال عشر". هل يمكن أن نقول عنها ما قال الشاعر الكبير الراحل محمد الغزي عن أعمالك في تقديمه لمختاراتك القصصية مرايا الأنفاق الصادرة هذه السنة عن دار اليمينة: "قطبان اثنان يشدان أهم أعمال المبدعة الكبيرة حفيظة قاره بيبان، شد تلاؤم وانسجام، هما قطبا المرأة  من ناحية، والحرية من ناحية"؟

-الشاعر والأكاديمي الراحل محمد الغزي قرأ بعمق كتاباتي، حتى وإن تعددت مواضيعها، فإن المرأة، الأم والحبيبة ورمزالخصوبة والعطاء والفداء تحضر دوما في نصوصي و تتجلى بقوة  في هذه الرواية من خلال "يوميات نساء هيبو"،إذ تنطلق الرواية من جريمة اغتيال عالم تونسي واختفاء الطالب نادر ليلة عيد ميلاده، لتنطلق رحلة البحث عن الطالب المختفي، من 4 نساء يبحثن عن الحقيقة والخلاص.

  هي رواية الحب والفقد والحنين، رواية البحث عن الحرية، وإدانة القانون الأعمى والاستعمار الخارجي المتسلل إلى الأوطان، مع هذا يظل السؤال قائما في النهاية، هل ينجح الحب  بكل رموزه في فتح دروب الخلاص؟     

*سيكون الاحتفاء بهذه الرواية قريبا في جامعة صفاقس. لو تحدثينا عن ذلك.؟

-يسعدني أن تكون رواية "نساء هيبو وليال عشر" الصادرة عن دار اليمينة، قريبا في رحاب جامعة صفاقس في ندوة حولها بكلية الآداب، يوم الخميس 31 أكتوبر الجاري، الساعة العاشرة صباحا.  أحيي كل من سعى إلى هذا اللقاء الذي يجمع الأساتذة والطلبة حول رواية حديثة وموضوع حارق ليكون الحوار والتفاعل وإضاءة النص الروائي والتعمق من خلاله في قضايا الأدب وهموم الإنسان العربي الآن. أعترف أن أجمل اللقاءات التي أحب هي التي تكون مع الطلبة والشباب، الذين يجدون همومهم وأحلامهم في النص الروائي المتوهج الصادق.

 فشكرا للأساتذة المنظمين لهذا اللقاء ومرحبا بالطلبة والأساتذة وكل أحباء الكتاب والرواية.