**مختص في علم الإجرام لـ"الصباح نيوز":جرائم قتل الأصول ليست مجرد خرق للقانون بل خيانة لرابطة الدم وتحدي للقيم.. والمسؤولية جماعية
منذ القدم، اعتبرت علاقة الأبناء بآبائهم وأمهاتهم أقدس الروابط الإنسانية، فهي تقوم على الرعاية والحماية والمحبة المتبادلة، غير أن السنوات الأخيرة جعلتنا نشهد بين الفينة والأخرى جرائم تهز الضمير المجتمعي حيث نسجل أبناء ينحرفون فيعتدون على آبائهم أو يقتلونهم بدم بارد بلا شفقة ولا رحمة.
هذه الأفعال تصنّف في علم الإجرام ضمن ظاهرة العقوق وقتل الأصول، أي ارتكاب جرائم موجهة ضد الوالدين أو أحدهما.
"الصباح نيوز" تطرقت لهذه الجرائم النكراء على خلفية ما شهدته منطقة حي التضامن من ولاية اريانة مؤخرا من جريمة شنيعة تمثلت في اقدام ابن على قتل والدته الطاعنة في السن.. وطرحت أسئلة على المختص في علوم الإجرام الاستاذ أسامة الخزامي.
جريمة .. ليست مجرد خرق للقانون بل خيانة
افاد الأستاذ الخزامي أن هذه الجريمة ليست مجرد خرق للقانون، بل هي خيانة لرابطة الدم، وتحدي للقيم الاجتماعية والثقافية التي تؤسس التماسك الأسري.
فالعقوق كظاهرة، من منظور علم الإجرام، لا يمكن اختزالها في بعد واحد؛ بل هي نتاج تفاعل عوامل متشابكة.
وأضاف الخزامي أن لهذه الجرائم بعدا نفسيا وآخر اجتماعيا وتربويا واقتصاديا، الأول يتمثل في اضطرابات الشخصية (النرجسية، العدوانية، الاندفاعية، إحساس بالنقص والغيرة) كذلك الإدمان الرقمي والادمان على المخدرات والكحول، حيث يفقد الفرد السيطرة على سلوكه.
من بين الأسباب ايضا غياب القدرة على إدارة الغضب والضغط أو تحمل الإحباط.
أما في ما يهم البعد الاجتماعي والتربوي، قال الخزامي انه يتلخص في ضعف التربية الأسرية وغياب السلطة الأبوية المتوازنة (بين الصرامة والحنان وأحيانا التسامح السلبي مع العنف)، والعنف الأسري الممارس على الأبناء منذ الطفولة والتمييز بينهم، ما يخلق دائرة انتقام لاحقة وايضا تفكك الأسرة، على غرار الطلاق، أو غياب أحد الوالدين.
أما البعد الاقتصادي والثقافي فيتمثل في البطالة والفقر وما يرتبط بهما من شعور بالعجز.
أضف لذلك النزعة الاستهلاكية التي تزرع لدى بعض الأبناء عقلية "الحق دون واجب" أمام تراجع مكانة القيم التقليدية (الطاعة، الاحترام، البرّ بالوالدين).
وبالتالي فإن لجملة هذه الأسباب نتائج وانعكاسات لاحقا على المستوى الفردي ويتمثل ذلك في ضياع مستقبل الجاني بين السجون والوصم الاجتماعي فضلا على آثار نفسية عميقة على بقية أفراد الأسرة، وآثار أخرى على المستوى الاجتماعي من اهتزاز صورة الأسرة كفضاء حماية ومودّة وتصاعد المخاوف داخل المجتمع من تكرار مثل هذه الحوادث (العنف والقتل).
فضلا عن إضعاف الثقة في المنظومة التربوية والاجتماعية.
كما أن لهذه الافعال انعكاسات على المستوى القيمي ويتلخص الامر في اهتزاز المعايير الأخلاقية، تعزيز ثقافة العنف كأداة لحل الخلافات.
وفي سؤال للاستاذ الخزامي عن كيفية التوقي من الظاهرة وماهي الحلول المطروحة من وجهة نظره، أجاب أن الوقاية من قتل الأصول ليست مهمة الأسرة وحدها، بل مسؤولية جماعية تتوزع بين المدرسة، الدولة، المجتمع المدني والإعلام.
ففي الأسرة وجب أن تكون هناك تربية قائمة على الحوار وغرس قيم الاحترام منذ الصغر ومتابعة سلوك الأبناء ومراقبة التغيّرات المفاجئة.
وفي المدرسة ضرورة ادماج برامج للتربية على القيم والمواطنة وتوفير مختصين في علم النفس المدرسي لمرافقة التلاميذ.
اما في ما يعني المجتمع فانه من الضروري القيام بحملات توعية ضد تعاطي المخدرات والعنف الأسري واحداث مراكز استماع وإرشاد للأسرة في الأحياء.
وعلى المستوى القانوني والسياسي من الضروري السعي الى تشديد العقوبات على المعتدين على الأصول دون إغفال دور التأهيل ودعم برامج إعادة الإدماج وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي.
وانتهى الاستاذ الخزامي الى التاكيد على ان قتل الأصول ليس حادثة عابرة، بل ناقوس خطر يدق في صميم منظومتنا القيمية والاجتماعية.
ومن منظور علم الإجرام، هذه الجريمة تكشف عن فجوات في التربية، في الدعم النفسي، وفي صلابة القيم وبالتالي إن أردنا الحد من هذه الظاهرة، فعلينا إعادة الاعتبار للأسرة كمؤسسة أولى للتنشئة، وبناء شبكات حماية اجتماعية تعيد للأبناء بوصلة الاحترام، وتجعل العقوق الاستثناء لا القاعدة.
سعيدة الميساوي
