إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

حصري/ رئيس دائرة الغابات بسليانة يكشف كواليس أخطر ساعات جبل بولمان: أعوان حوصروا بالنيران.. و"نسيم" شقّ النار لإنقاذهم

لم تكن معركة جبل بولمان مجرد عملية إخماد حريق غابي، بل تحولت على مدى أيام إلى مواجهة ميدانية مع نار سريعة الانتشار، وتضاريس وعرة ورياح عاتية جعلت مهمة أعوان الغابات والحماية المدنية محفوفة بمخاطر حقيقية، وفرضت في أكثر من مناسبة اتخاذ قرارات سريعة لإنقاذ الأرواح قبل التفكير في إخماد النيران.
 
وبينما كانت الأخبار تتوالى عن توسع رقعة الحريق وإجلاء العائلات وتدخل الطائرات، بقيت تفاصيل كثيرة مما جرى في قلب الجبل بعيدة عن الرواية الإعلامية اليومية.
 
وفي هذا الحوار الحصري لـ«الصباح نيوز»، يروي رئيس دائرة الغابات بسليانة، المهندس صبري الوالاني، تفاصيل ميدانية عن الساعات الأصعب للحريق، وكيف وجد عدد من أعوان الغابات والحماية المدنية أنفسهم محاصرين بالنيران، وكيف تحولت شاحنة إطفاء صغيرة إلى وسيلة لفتح منفذ للنجاة، فضلا عن الدور الحاسم للآليات الثقيلة والأعوان الذين واصلوا العمل لساعات طويلة في ظروف استثنائية.
 
# بؤر متعددة.. وملاحظات ميدانية أثارت تساؤلات حول أسباب الحريق
 
صبري الوالاني: انطلقت الأحداث يوم 26 أوت في حدود الساعة العاشرة والنصف صباحا، عندما تلقينا إشعارا باندلاع حريق بمنطقة مزاتة.
 
تم توجيه الفرق إلى المكان في وقت وجيز، ولم يتجاوز الوصول حوالي نصف ساعة، لكن ما أثار الانتباه منذ البداية كان سرعة تطور الحريق واتساع رقعته.
 
ومع تقدم عمليات التدخل، لاحظنا وجود بؤر نيران متفرقة، وهو ما طرح تساؤلات ميدانية حول أسباب اندلاع الحريق، ومن بين الفرضيات التي تم تداولها إمكانية وجود فعل متعمد.
 
لكنني أؤكد أن تحديد الأسباب النهائية للحريق ليس من اختصاصنا، وإنما يعود إلى الجهات المكلفة بالبحث والتحقيق، وقد تم وضع مختلف الملاحظات والمعطيات الميدانية على ذمة الجهات المختصة.
 
#خمس مواجهات سابقة مع النيران.. لكن الحريق الأخير كان مختلفا
 
جبل بولمان لم يكن غريبا عن الحرائق، فقد شهد خلال الفترة السابقة عدة حرائق تمكنا من السيطرة عليها قبل أن تتسبب في أضرار كبيرة.
 
لكن الحريق الأخير كان مختلفا من حيث سرعة الانتشار واتساع رقعته وصعوبة التضاريس، فضلا عن الظروف المناخية التي رافقته.
 
لقد وجدنا أنفسنا أمام وضع ميداني يتطلب تحريك الفرق والوسائل باستمرار وفقا لاتجاه الرياح وتغير مواقع النيران.
 
#اللحظة الأخطر.. ثمانية أعوان يجدون أنفسهم داخل حصار ناري
 
من أصعب اللحظات التي عشناها كانت يوم 28 أوت، عندما وجد عدد من أعوان الغابات والحماية المدنية في وضعية خطرة بعد أن أصبحت النيران تحيط بهم.
 
كانت المجموعة تضم ثلاثة إطارات فنية وخمسة أعوان غابات، إلى جانب وسائل التدخل.
 
في تلك اللحظة لم يعد الأمر يتعلق فقط بإخماد الحريق، بل أصبح الهدف الأول هو إخراج الأعوان من المنطقة المحاصرة.
 
#«نسيم» يدخل النار لفتح طريق النجاة
 
في تلك الظروف، قام السائق نسيم عمار بتدخل جريء جدا.
 
كان يقود شاحنة إطفاء صغيرة تحمل حوالي 600 لتر من المياه، فتقدم بها نحو منطقة الخطر وفتح ممرا وسط النيران، مستفيدا من اتجاه الريح، ثم تمكن من مهاجمة النار من الجهة الخلفية.
 
هذا التدخل ساهم في فتح منفذ مكّن شاحنات الحماية المدنية من الوصول إلى المجموعة المحاصرة وإخراجها.
 
لقد كانت لحظة حاسمة، وأثبت فيها نسيم عمار أن سرعة القرار في مثل هذه الظروف قد تكون الفاصل بين الخطر والنجاة.
 
#السيطرة على الحريق لم تكن نهاية المعركة
 
بعد تدخلات متواصلة، تمكنا يوم 28 أوت من السيطرة على الحريق في مرحلة أولى، وقدرت المساحة التي طالتها النيران بحوالي 900 هكتار.
 
لكن في مثل هذه الحرائق، السيطرة على اللهب لا تعني انتهاء الخطر.
 
فبقاء الجيوب النارية والجمر والرماد داخل الغابة، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وقوة الرياح، يمكن أن يؤدي إلى عودة النيران في أي لحظة. وهذا ما حصل بالفعل خلال الأيام اللاحقة.. رياح عاتية تعيد إشعال الجيوب. 
الرياح كانت من أخطر العوامل التي واجهتنا. فقد تجاوزت سرعتها في بعض الفترات 100 كلم في الساعة، ما أدى إلى تحريك الرماد وإعادة إشعال عدد من الجيوب النارية، بل ونقل الرماد إلى مسافات بعيدة. وأصبحت عملية التدخل أكثر صعوبة بسبب طبيعة الجبل والمسالك الوعرة التي لا تسمح دائما بمرور شاحنات الإطفاء.
 
#الإجلاء.. عندما أصبحت حماية السكان أولوية
 
مع اقتراب النيران من بعض المناطق السكنية، أصبح إجلاء الأهالي ضروريا.
 
وقد تم نقل عدد من العائلات إلى أماكن آمنة، في إجراء احترازي هدفه الأول حماية الأرواح.
 
وفي تلك اللحظات كان العمل متواصلا على جبهتين: إبعاد الخطر عن السكان من جهة، ومواصلة تطويق الحريق من جهة أخرى.
 
#الصادق دبيش.. العودة إلى الجبل لإنقاذ زملائه
 
من بين المواقف التي ستبقى في ذاكرة هذه العمليات ما قام به رئيس مركز الحراسة الصادق دبيش.
 
فبعد أن وجد عدد من الأعوان أنفسهم في وضعية خطرة، تم العمل على إخراجهم إلى منطقة أكثر أمنا وانتظار الوقت المناسب للتحرك.
 
وكان اللجوء إلى المساحات التي سبق أن أتت عليها النيران أحد الحلول التكتيكية لتقليص خطر محاصرة الأعوان من جديد.
 
لكن الصادق دبيش لم يكتف بإخراج المجموعة الأولى، بل عاد خلال الليل للمساعدة في إنقاذ ثلاثة أعوان آخرين، رغم صعوبة الرؤية وانقطاع التيار الكهربائي وتضرر بعض وسائل الاتصال.
 
# «الجنرال».. رجل الآليات الثقيلة في قلب المعركة
 
في مثل هذه الحرائق، لا يكفي وجود شاحنات الإطفاء، إذ تصبح الآليات الثقيلة ضرورية لفتح المسالك وإنشاء ممرات وحواجز أمام تقدم النيران.
 
ومن بين الذين كان لهم دور بارز في هذه المهمة السائق الهادي العبيدي، المعروف بين زملائه بلقب «الجنرال»، بالنظر إلى خبرته في قيادة الآليات الثقيلة.
 
كان ينتقل إلى النقاط التي يصعب الوصول إليها، ويعمل على فتح المسالك أمام الفرق والآليات، ويساهم في إقامة حواجز للحد من تقدم النيران.
 
#أعوان تنقلوا بين الولايات.. وساعات من العمل دون توقف
 
لم تكن عمليات التدخل مقتصرة على فرق سليانة. فقد شارك في تعزيز الجهود أعوان ووسائل من ولايات مجاورة، فيما اضطر عدد من السائقين إلى قطع مسافات طويلة لنقل الآليات إلى مناطق التدخل.
 
ومن بين هؤلاء علاء الجويني، الذي ساهم في نقل المعدات بين عدد من الولايات، إلى جانب سهيل وخليفة الذي كان قد شارك في عمليات إخماد حرائق بمنطقة نفزة قبل الالتحاق بفرق التدخل في سليانة.
 
كانت فترات الراحة محدودة، والعمل متواصلا، خصوصا خلال الساعات التي كانت فيها النيران تتحرك بسرعة.
 
#عندما يصبح الجبل هو العدو الأصعب
 
أحيانا لم تكن المشكلة في كمية المياه أو عدد الشاحنات، وإنما في الوصول إلى النار.
وعورة التضاريس جعلت عددا من البؤر بعيدا عن متناول الآليات، لذلك تم الاعتماد على الآليات الثقيلة وفتح المسالك، إلى جانب التدخلات الجوية في المناطق التي يصعب الوصول إليها برا.
 
#ماذا عن فرضية الفعل المتعمد؟
 
صبري الوالاني: نحن لا نريد استباق نتائج الأبحاث.
ما يمكنني قوله هو أن الملاحظات الميدانية المتعلقة بتعدد البؤر وسرعة تطور الحريق أثارت تساؤلات لدى الفرق المتدخلة حول أسبابه.
 
لكن إثبات وجود فعل متعمد من عدمه هو شأن بحثي وقضائي، ولا يمكن الجزم فيه قبل استكمال الأبحاث.
اليوم، هناك مسار قضائي مفتوح، والجهات المختصة هي التي ستحدد المسؤوليات والأسباب الحقيقية.
 
#ماذا بقي في ذاكرة رئيس دائرة الغابات؟
 
بقيت في الذاكرة بالأساس تلك اللحظات التي كان فيها الأعوان يواجهون الخطر من أجل حماية المواطنين والغابة.
وأعتقد أن أهم ما أظهرته هذه العملية هو روح التضامن بين مختلف الهياكل.
أعوان الغابات، الحماية المدنية، التجهيز، السائقون، الإطارات الفنية وكل من شارك في التدخل عملوا في ظروف قاسية جدا.
 
وأود أن أذكر بالخصوص مبروك بالحاج، نبيه العزيزي، سليم خلف الله، نزار خليفة، رباح رحومة ولزهر بكار، إضافة إلى جميع الأعوان والسائقين الذين كانوا في الميدان.
 
كما لا بد من تثمين جهود فرق الغابات في سليانة والكريب وكسرى وسيدي بورويس، فضلا عن التعزيزات القادمة من ولايات القيروان والكاف وزغوان والقصرين.
 
# جبل بولمان.. الحريق الذي لم يكشف كل أسراره بعد
 
انتهت المواجهة الميدانية مع النيران، لكن بعض الأسئلة بقيت مفتوحة. فالحريق الذي بدأ في مزاتة، وانتشر بسرعة، وعاد إلى الاشتعال بفعل الرياح، وأجبر عائلات على مغادرة منازلها، وفرض على الأعوان خوض عمليات إنقاذ في ظروف بالغة الخطورة، تحول اليوم أيضا إلى ملف قضائي.
 
وبينما تتواصل الأبحاث لتحديد المسؤوليات، تبقى الرواية الميدانية لأعوان الغابات شاهدة على الوجه الآخر للحريق: أعوان دخلوا مناطق الخطر لإنقاذ زملائهم، وسائقون قادوا آلياتهم في اتجاه النار لفتح ممرات للنجاة، وفرق واصلت العمل رغم الإرهاق والرياح والتضاريس الصعبة.
 
أما حقيقة أسباب اندلاع الحريق، وما إذا كان وراءه فعل متعمد، فستكون الكلمة الفصل فيها لما ستكشفه التحقيقات والأبحاث القضائية.
 
الأسعد الحرزي
 
 
حصري/ رئيس دائرة الغابات بسليانة يكشف كواليس أخطر ساعات جبل بولمان: أعوان حوصروا بالنيران.. و"نسيم" شقّ النار لإنقاذهم
لم تكن معركة جبل بولمان مجرد عملية إخماد حريق غابي، بل تحولت على مدى أيام إلى مواجهة ميدانية مع نار سريعة الانتشار، وتضاريس وعرة ورياح عاتية جعلت مهمة أعوان الغابات والحماية المدنية محفوفة بمخاطر حقيقية، وفرضت في أكثر من مناسبة اتخاذ قرارات سريعة لإنقاذ الأرواح قبل التفكير في إخماد النيران.
 
وبينما كانت الأخبار تتوالى عن توسع رقعة الحريق وإجلاء العائلات وتدخل الطائرات، بقيت تفاصيل كثيرة مما جرى في قلب الجبل بعيدة عن الرواية الإعلامية اليومية.
 
وفي هذا الحوار الحصري لـ«الصباح نيوز»، يروي رئيس دائرة الغابات بسليانة، المهندس صبري الوالاني، تفاصيل ميدانية عن الساعات الأصعب للحريق، وكيف وجد عدد من أعوان الغابات والحماية المدنية أنفسهم محاصرين بالنيران، وكيف تحولت شاحنة إطفاء صغيرة إلى وسيلة لفتح منفذ للنجاة، فضلا عن الدور الحاسم للآليات الثقيلة والأعوان الذين واصلوا العمل لساعات طويلة في ظروف استثنائية.
 
# بؤر متعددة.. وملاحظات ميدانية أثارت تساؤلات حول أسباب الحريق
 
صبري الوالاني: انطلقت الأحداث يوم 26 أوت في حدود الساعة العاشرة والنصف صباحا، عندما تلقينا إشعارا باندلاع حريق بمنطقة مزاتة.
 
تم توجيه الفرق إلى المكان في وقت وجيز، ولم يتجاوز الوصول حوالي نصف ساعة، لكن ما أثار الانتباه منذ البداية كان سرعة تطور الحريق واتساع رقعته.
 
ومع تقدم عمليات التدخل، لاحظنا وجود بؤر نيران متفرقة، وهو ما طرح تساؤلات ميدانية حول أسباب اندلاع الحريق، ومن بين الفرضيات التي تم تداولها إمكانية وجود فعل متعمد.
 
لكنني أؤكد أن تحديد الأسباب النهائية للحريق ليس من اختصاصنا، وإنما يعود إلى الجهات المكلفة بالبحث والتحقيق، وقد تم وضع مختلف الملاحظات والمعطيات الميدانية على ذمة الجهات المختصة.
 
#خمس مواجهات سابقة مع النيران.. لكن الحريق الأخير كان مختلفا
 
جبل بولمان لم يكن غريبا عن الحرائق، فقد شهد خلال الفترة السابقة عدة حرائق تمكنا من السيطرة عليها قبل أن تتسبب في أضرار كبيرة.
 
لكن الحريق الأخير كان مختلفا من حيث سرعة الانتشار واتساع رقعته وصعوبة التضاريس، فضلا عن الظروف المناخية التي رافقته.
 
لقد وجدنا أنفسنا أمام وضع ميداني يتطلب تحريك الفرق والوسائل باستمرار وفقا لاتجاه الرياح وتغير مواقع النيران.
 
#اللحظة الأخطر.. ثمانية أعوان يجدون أنفسهم داخل حصار ناري
 
من أصعب اللحظات التي عشناها كانت يوم 28 أوت، عندما وجد عدد من أعوان الغابات والحماية المدنية في وضعية خطرة بعد أن أصبحت النيران تحيط بهم.
 
كانت المجموعة تضم ثلاثة إطارات فنية وخمسة أعوان غابات، إلى جانب وسائل التدخل.
 
في تلك اللحظة لم يعد الأمر يتعلق فقط بإخماد الحريق، بل أصبح الهدف الأول هو إخراج الأعوان من المنطقة المحاصرة.
 
#«نسيم» يدخل النار لفتح طريق النجاة
 
في تلك الظروف، قام السائق نسيم عمار بتدخل جريء جدا.
 
كان يقود شاحنة إطفاء صغيرة تحمل حوالي 600 لتر من المياه، فتقدم بها نحو منطقة الخطر وفتح ممرا وسط النيران، مستفيدا من اتجاه الريح، ثم تمكن من مهاجمة النار من الجهة الخلفية.
 
هذا التدخل ساهم في فتح منفذ مكّن شاحنات الحماية المدنية من الوصول إلى المجموعة المحاصرة وإخراجها.
 
لقد كانت لحظة حاسمة، وأثبت فيها نسيم عمار أن سرعة القرار في مثل هذه الظروف قد تكون الفاصل بين الخطر والنجاة.
 
#السيطرة على الحريق لم تكن نهاية المعركة
 
بعد تدخلات متواصلة، تمكنا يوم 28 أوت من السيطرة على الحريق في مرحلة أولى، وقدرت المساحة التي طالتها النيران بحوالي 900 هكتار.
 
لكن في مثل هذه الحرائق، السيطرة على اللهب لا تعني انتهاء الخطر.
 
فبقاء الجيوب النارية والجمر والرماد داخل الغابة، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وقوة الرياح، يمكن أن يؤدي إلى عودة النيران في أي لحظة. وهذا ما حصل بالفعل خلال الأيام اللاحقة.. رياح عاتية تعيد إشعال الجيوب. 
الرياح كانت من أخطر العوامل التي واجهتنا. فقد تجاوزت سرعتها في بعض الفترات 100 كلم في الساعة، ما أدى إلى تحريك الرماد وإعادة إشعال عدد من الجيوب النارية، بل ونقل الرماد إلى مسافات بعيدة. وأصبحت عملية التدخل أكثر صعوبة بسبب طبيعة الجبل والمسالك الوعرة التي لا تسمح دائما بمرور شاحنات الإطفاء.
 
#الإجلاء.. عندما أصبحت حماية السكان أولوية
 
مع اقتراب النيران من بعض المناطق السكنية، أصبح إجلاء الأهالي ضروريا.
 
وقد تم نقل عدد من العائلات إلى أماكن آمنة، في إجراء احترازي هدفه الأول حماية الأرواح.
 
وفي تلك اللحظات كان العمل متواصلا على جبهتين: إبعاد الخطر عن السكان من جهة، ومواصلة تطويق الحريق من جهة أخرى.
 
#الصادق دبيش.. العودة إلى الجبل لإنقاذ زملائه
 
من بين المواقف التي ستبقى في ذاكرة هذه العمليات ما قام به رئيس مركز الحراسة الصادق دبيش.
 
فبعد أن وجد عدد من الأعوان أنفسهم في وضعية خطرة، تم العمل على إخراجهم إلى منطقة أكثر أمنا وانتظار الوقت المناسب للتحرك.
 
وكان اللجوء إلى المساحات التي سبق أن أتت عليها النيران أحد الحلول التكتيكية لتقليص خطر محاصرة الأعوان من جديد.
 
لكن الصادق دبيش لم يكتف بإخراج المجموعة الأولى، بل عاد خلال الليل للمساعدة في إنقاذ ثلاثة أعوان آخرين، رغم صعوبة الرؤية وانقطاع التيار الكهربائي وتضرر بعض وسائل الاتصال.
 
# «الجنرال».. رجل الآليات الثقيلة في قلب المعركة
 
في مثل هذه الحرائق، لا يكفي وجود شاحنات الإطفاء، إذ تصبح الآليات الثقيلة ضرورية لفتح المسالك وإنشاء ممرات وحواجز أمام تقدم النيران.
 
ومن بين الذين كان لهم دور بارز في هذه المهمة السائق الهادي العبيدي، المعروف بين زملائه بلقب «الجنرال»، بالنظر إلى خبرته في قيادة الآليات الثقيلة.
 
كان ينتقل إلى النقاط التي يصعب الوصول إليها، ويعمل على فتح المسالك أمام الفرق والآليات، ويساهم في إقامة حواجز للحد من تقدم النيران.
 
#أعوان تنقلوا بين الولايات.. وساعات من العمل دون توقف
 
لم تكن عمليات التدخل مقتصرة على فرق سليانة. فقد شارك في تعزيز الجهود أعوان ووسائل من ولايات مجاورة، فيما اضطر عدد من السائقين إلى قطع مسافات طويلة لنقل الآليات إلى مناطق التدخل.
 
ومن بين هؤلاء علاء الجويني، الذي ساهم في نقل المعدات بين عدد من الولايات، إلى جانب سهيل وخليفة الذي كان قد شارك في عمليات إخماد حرائق بمنطقة نفزة قبل الالتحاق بفرق التدخل في سليانة.
 
كانت فترات الراحة محدودة، والعمل متواصلا، خصوصا خلال الساعات التي كانت فيها النيران تتحرك بسرعة.
 
#عندما يصبح الجبل هو العدو الأصعب
 
أحيانا لم تكن المشكلة في كمية المياه أو عدد الشاحنات، وإنما في الوصول إلى النار.
وعورة التضاريس جعلت عددا من البؤر بعيدا عن متناول الآليات، لذلك تم الاعتماد على الآليات الثقيلة وفتح المسالك، إلى جانب التدخلات الجوية في المناطق التي يصعب الوصول إليها برا.
 
#ماذا عن فرضية الفعل المتعمد؟
 
صبري الوالاني: نحن لا نريد استباق نتائج الأبحاث.
ما يمكنني قوله هو أن الملاحظات الميدانية المتعلقة بتعدد البؤر وسرعة تطور الحريق أثارت تساؤلات لدى الفرق المتدخلة حول أسبابه.
 
لكن إثبات وجود فعل متعمد من عدمه هو شأن بحثي وقضائي، ولا يمكن الجزم فيه قبل استكمال الأبحاث.
اليوم، هناك مسار قضائي مفتوح، والجهات المختصة هي التي ستحدد المسؤوليات والأسباب الحقيقية.
 
#ماذا بقي في ذاكرة رئيس دائرة الغابات؟
 
بقيت في الذاكرة بالأساس تلك اللحظات التي كان فيها الأعوان يواجهون الخطر من أجل حماية المواطنين والغابة.
وأعتقد أن أهم ما أظهرته هذه العملية هو روح التضامن بين مختلف الهياكل.
أعوان الغابات، الحماية المدنية، التجهيز، السائقون، الإطارات الفنية وكل من شارك في التدخل عملوا في ظروف قاسية جدا.
 
وأود أن أذكر بالخصوص مبروك بالحاج، نبيه العزيزي، سليم خلف الله، نزار خليفة، رباح رحومة ولزهر بكار، إضافة إلى جميع الأعوان والسائقين الذين كانوا في الميدان.
 
كما لا بد من تثمين جهود فرق الغابات في سليانة والكريب وكسرى وسيدي بورويس، فضلا عن التعزيزات القادمة من ولايات القيروان والكاف وزغوان والقصرين.
 
# جبل بولمان.. الحريق الذي لم يكشف كل أسراره بعد
 
انتهت المواجهة الميدانية مع النيران، لكن بعض الأسئلة بقيت مفتوحة. فالحريق الذي بدأ في مزاتة، وانتشر بسرعة، وعاد إلى الاشتعال بفعل الرياح، وأجبر عائلات على مغادرة منازلها، وفرض على الأعوان خوض عمليات إنقاذ في ظروف بالغة الخطورة، تحول اليوم أيضا إلى ملف قضائي.
 
وبينما تتواصل الأبحاث لتحديد المسؤوليات، تبقى الرواية الميدانية لأعوان الغابات شاهدة على الوجه الآخر للحريق: أعوان دخلوا مناطق الخطر لإنقاذ زملائهم، وسائقون قادوا آلياتهم في اتجاه النار لفتح ممرات للنجاة، وفرق واصلت العمل رغم الإرهاق والرياح والتضاريس الصعبة.
 
أما حقيقة أسباب اندلاع الحريق، وما إذا كان وراءه فعل متعمد، فستكون الكلمة الفصل فيها لما ستكشفه التحقيقات والأبحاث القضائية.
 
الأسعد الحرزي