إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في الدورة الثالثة والعشرين لمجلسها الاستراتيجي.. الهيئة التونسية للاستثمار تحدد استراتيجيات جديدة لتعزيز موقع تونس في خريطة الاستثمار العالمي

لم يتم نشره مسبقاً

في ظرف دولي دقيق تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتبدّل فيه مراكز الثقل في خريطة الاستثمار العالمي، عقدت الهيئة التونسية للاستثمار، أول أمس، الدورة الثالثة والعشرين لمجلسها الاستراتيجي برئاسة جلال الطبيب، في محطة مفصلية تعكس وعيًا متناميًا بضرورة إعادة تموقع تونس ضمن سلاسل القيمة الدولية.

وتأتي هذه الدورة في سياق عالمي يتسم بإعادة تشكيل تدفقات رؤوس الأموال، وصعود قطاعات تكنولوجية جديدة، وتزايد التنافس بين الدول على استقطاب المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، بما يفرض على الاقتصاديات الصاعدة مراجعة سياساتها وأدواتها التحفيزية.

وقد خُصّصت أشغال المجلس لبحث محورين رئيسيين يتصلان بمستقبل تموقع تونس في المشهد الاقتصادي الدولي، واستشراف السبل الكفيلة بتعزيز اندماجها في الديناميكيات الاستثمارية الجديدة، عبر مقاربة استراتيجية تستند إلى التحليل والمعطيات، وتراهن على بناء مناخ أعمال أكثر تنافسية ونجاعة.

تحول جغرافي لافت في تدفقات الاستثمار الدولي

تناول المحور الأول من أشغال المجلس قراءة معمّقة للاتجاهات العالمية للاستثمار خلال سنة 2025، مع استشراف الآفاق المتوقعة لسنة 2026، في ظل بيئة اقتصادية دولية تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الصناعية والتكنولوجية، وتصاعد المنافسة بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى على استقطاب رؤوس الأموال النوعية.

وفي هذا السياق، قدّم دافيد كوسكيه، الخبير في بيانات الاستثمار والتشغيل والتنمية الاقتصادية، عرضًا تحليليًا استند إلى مؤشرات ومعطيات دولية حديثة، أبرز من خلاله التطور الإيجابي الملحوظ في حجم الاستثمارات العالمية، خاصة في القطاعات ذات الكثافة المعرفية العالية، على غرار مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات الدوائية، باعتبارها محركات أساسية للنمو في الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية.

كما كشف العرض عن تحول جغرافي لافت في تدفقات الاستثمار الدولي، تمثل في تنامي الجاذبية الاستثمارية للقارة الأمريكية، التي باتت تستقطب حصة متزايدة من رؤوس الأموال العالمية بفضل سياسات تحفيزية واستراتيجيات صناعية نشطة، مقابل إعادة تموقع للاستثمارات الآسيوية، سواء من حيث توسعها الخارجي أو تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الواردة، بما يعكس ديناميكية جديدة في خريطة الاستثمار العالمية، ويطرح، في المقابل، رهانات حقيقية حول كيفية تموقع تونس ضمن هذه التحولات المتسارعة.

منطقة شمال إفريقيا «فضاء عبور استراتيجي يربط بين الجنوب والأسواق الأوروبية»

كما تشهد القارة الإفريقية، ولا سيّما منطقة شمال إفريقيا، بروزًا تدريجيًا كفضاء عبور استراتيجي يربط بين الجنوب والأسواق الأوروبية. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى المستثمرين بأهمية الموقع الجغرافي، والاستقرار النسبي، وكلفة الإنتاج التنافسية في إعادة توزيع أنشطتهم الصناعية والخدمية.

وفي هذا السياق، تم التأكيد على أنّ تونس تتوفر على مقومات حقيقية تخوّل لها الاضطلاع بدور محوري ضمن هذه الديناميكية الجديدة، من خلال موقعها القريب من أوروبا، وتنوع قاعدتها الصناعية، وكفاءاتها البشرية المؤهلة، إلى جانب خبرتها في القطاعات التصديرية.

غير أن استقطاب الموجات الجديدة من الاستثمار، خاصة في المجالات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع والقيمة المضافة العالية، يظل رهين تعزيز تموقعها الاستراتيجي، وتطوير مناخ أعمال أكثر جاذبية، وتوجيه سياساتها نحو القطاعات المستقبلية القادرة على تحقيق اندماج أعمق في سلاسل القيمة العالمية.

تكثيف النسيج الصناعي الوطني ودعم الارتقاء الصناعي

أما المحور الثاني من أشغال المجلس فقد خُصّص لعرض مذكرة التحليل الاستراتيجي التي أعدّتها الهيئة التونسية للاستثمار حول الشراكات (Joint-Ventures)، باعتبارها إحدى الآليات الأكثر نجاعة لتعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة العالمية وتحقيق انتقال نوعي في هيكلته الصناعية.

وقد استندت هذه المذكرة إلى مقاربة تحليلية شاملة جمعت بين المقارنة الدولية للتجارب الناجحة والإصلاحات المعتمدة في عدد من الدول الصاعدة، وبين تقييم دقيق لواقع الشراكات في تونس، مدعومًا باستقراء آراء وتجارب الفاعلين من القطاع الخاص، سواء من المستثمرين المحليين أو الأجانب.

وأبرزت المناقشات أن الشراكات لم تعد مجرد صيغة قانونية لتقاسم رأس المال، بل تحوّلت إلى خيار استراتيجي يتيح نقل التكنولوجيا والمعرفة والخبرات الإدارية، وييسّر النفاذ إلى الأسواق الخارجية وشبكات التوزيع العالمية، فضلًا عن تقاسم المخاطر وتعزيز القدرة على الابتكار.

كما تم التأكيد على أن تفعيل هذه الصيغة بشكل أكثر نجاعة يمكن أن يسهم في تكثيف النسيج الصناعي الوطني، ودعم الارتقاء الصناعي، وخلق قيمة مضافة أعلى، بما يعزز تنافسية الاقتصاد التونسي في بيئة دولية تتسم بارتفاع المعايير وتزايد التحديات.

تعزيز تموقع تونس ضمن الخارطة الجديدة للاستثمار العالمي

وقد انتهت أشغال المجلس ببلورة جملة من التوجهات الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز تموقع تونس ضمن الخارطة الجديدة للاستثمار العالمي، حيث تم التأكيد على ضرورة مضاعفة الجهود لاستقطاب المشاريع الاستراتيجية الكبرى، خاصة في قطاعات مراكز البيانات، وصناعة السيارات والبطاريات، والطاقة، والهيدروجين، باعتبارها مجالات تشهد تحولات عميقة في سلاسل القيمة العالمية وتمثل رافعة للنمو المستقبلي.

كما شدد المجلس على أهمية تطوير مناطق استقبال مهيأة للمشاريع الكبرى، تتوفر فيها بنية تحتية عصرية ومتكاملة، وطاقة بأسعار تنافسية، وإطار تشريعي وتنظيمي واضح ومستقر، يضمن الرؤية والنجاعة للمستثمرين.

وفي السياق ذاته، تم التأكيد على اعتبار الشراكات (Joint-Ventures) أداة أساسية لتكثيف النسيج الصناعي الوطني، من خلال تشجيع إقامة شراكات متوازنة بين المستثمرين الأجانب والمؤسسات التونسية، بما يعزز نقل المعرفة وخلق القيمة محليًا. كما دعا المجلس إلى مزيد مواءمة السياسات الوطنية للاستثمار مع أفضل الممارسات الدولية، بهدف استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة أعلى وأثر اقتصادي مستدام.

ومن خلال هذه الدورة الثالثة والعشرين، جدّدت الهيئة التونسية للاستثمار التزامها باستباق التحولات العالمية، وتعزيز الحوار البنّاء بين القطاعين العام والخاص، ودعم القرار العمومي برؤى وتحليلات استراتيجية، بما يرسّخ مكانة تونس كوجهة استثمارية تنافسية وموثوقة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

جهاد الكلبوسي

في الدورة الثالثة والعشرين لمجلسها الاستراتيجي..   الهيئة التونسية للاستثمار تحدد استراتيجيات جديدة لتعزيز موقع تونس في خريطة الاستثمار العالمي

في ظرف دولي دقيق تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتبدّل فيه مراكز الثقل في خريطة الاستثمار العالمي، عقدت الهيئة التونسية للاستثمار، أول أمس، الدورة الثالثة والعشرين لمجلسها الاستراتيجي برئاسة جلال الطبيب، في محطة مفصلية تعكس وعيًا متناميًا بضرورة إعادة تموقع تونس ضمن سلاسل القيمة الدولية.

وتأتي هذه الدورة في سياق عالمي يتسم بإعادة تشكيل تدفقات رؤوس الأموال، وصعود قطاعات تكنولوجية جديدة، وتزايد التنافس بين الدول على استقطاب المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، بما يفرض على الاقتصاديات الصاعدة مراجعة سياساتها وأدواتها التحفيزية.

وقد خُصّصت أشغال المجلس لبحث محورين رئيسيين يتصلان بمستقبل تموقع تونس في المشهد الاقتصادي الدولي، واستشراف السبل الكفيلة بتعزيز اندماجها في الديناميكيات الاستثمارية الجديدة، عبر مقاربة استراتيجية تستند إلى التحليل والمعطيات، وتراهن على بناء مناخ أعمال أكثر تنافسية ونجاعة.

تحول جغرافي لافت في تدفقات الاستثمار الدولي

تناول المحور الأول من أشغال المجلس قراءة معمّقة للاتجاهات العالمية للاستثمار خلال سنة 2025، مع استشراف الآفاق المتوقعة لسنة 2026، في ظل بيئة اقتصادية دولية تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الصناعية والتكنولوجية، وتصاعد المنافسة بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى على استقطاب رؤوس الأموال النوعية.

وفي هذا السياق، قدّم دافيد كوسكيه، الخبير في بيانات الاستثمار والتشغيل والتنمية الاقتصادية، عرضًا تحليليًا استند إلى مؤشرات ومعطيات دولية حديثة، أبرز من خلاله التطور الإيجابي الملحوظ في حجم الاستثمارات العالمية، خاصة في القطاعات ذات الكثافة المعرفية العالية، على غرار مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات الدوائية، باعتبارها محركات أساسية للنمو في الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية.

كما كشف العرض عن تحول جغرافي لافت في تدفقات الاستثمار الدولي، تمثل في تنامي الجاذبية الاستثمارية للقارة الأمريكية، التي باتت تستقطب حصة متزايدة من رؤوس الأموال العالمية بفضل سياسات تحفيزية واستراتيجيات صناعية نشطة، مقابل إعادة تموقع للاستثمارات الآسيوية، سواء من حيث توسعها الخارجي أو تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الواردة، بما يعكس ديناميكية جديدة في خريطة الاستثمار العالمية، ويطرح، في المقابل، رهانات حقيقية حول كيفية تموقع تونس ضمن هذه التحولات المتسارعة.

منطقة شمال إفريقيا «فضاء عبور استراتيجي يربط بين الجنوب والأسواق الأوروبية»

كما تشهد القارة الإفريقية، ولا سيّما منطقة شمال إفريقيا، بروزًا تدريجيًا كفضاء عبور استراتيجي يربط بين الجنوب والأسواق الأوروبية. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى المستثمرين بأهمية الموقع الجغرافي، والاستقرار النسبي، وكلفة الإنتاج التنافسية في إعادة توزيع أنشطتهم الصناعية والخدمية.

وفي هذا السياق، تم التأكيد على أنّ تونس تتوفر على مقومات حقيقية تخوّل لها الاضطلاع بدور محوري ضمن هذه الديناميكية الجديدة، من خلال موقعها القريب من أوروبا، وتنوع قاعدتها الصناعية، وكفاءاتها البشرية المؤهلة، إلى جانب خبرتها في القطاعات التصديرية.

غير أن استقطاب الموجات الجديدة من الاستثمار، خاصة في المجالات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع والقيمة المضافة العالية، يظل رهين تعزيز تموقعها الاستراتيجي، وتطوير مناخ أعمال أكثر جاذبية، وتوجيه سياساتها نحو القطاعات المستقبلية القادرة على تحقيق اندماج أعمق في سلاسل القيمة العالمية.

تكثيف النسيج الصناعي الوطني ودعم الارتقاء الصناعي

أما المحور الثاني من أشغال المجلس فقد خُصّص لعرض مذكرة التحليل الاستراتيجي التي أعدّتها الهيئة التونسية للاستثمار حول الشراكات (Joint-Ventures)، باعتبارها إحدى الآليات الأكثر نجاعة لتعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة العالمية وتحقيق انتقال نوعي في هيكلته الصناعية.

وقد استندت هذه المذكرة إلى مقاربة تحليلية شاملة جمعت بين المقارنة الدولية للتجارب الناجحة والإصلاحات المعتمدة في عدد من الدول الصاعدة، وبين تقييم دقيق لواقع الشراكات في تونس، مدعومًا باستقراء آراء وتجارب الفاعلين من القطاع الخاص، سواء من المستثمرين المحليين أو الأجانب.

وأبرزت المناقشات أن الشراكات لم تعد مجرد صيغة قانونية لتقاسم رأس المال، بل تحوّلت إلى خيار استراتيجي يتيح نقل التكنولوجيا والمعرفة والخبرات الإدارية، وييسّر النفاذ إلى الأسواق الخارجية وشبكات التوزيع العالمية، فضلًا عن تقاسم المخاطر وتعزيز القدرة على الابتكار.

كما تم التأكيد على أن تفعيل هذه الصيغة بشكل أكثر نجاعة يمكن أن يسهم في تكثيف النسيج الصناعي الوطني، ودعم الارتقاء الصناعي، وخلق قيمة مضافة أعلى، بما يعزز تنافسية الاقتصاد التونسي في بيئة دولية تتسم بارتفاع المعايير وتزايد التحديات.

تعزيز تموقع تونس ضمن الخارطة الجديدة للاستثمار العالمي

وقد انتهت أشغال المجلس ببلورة جملة من التوجهات الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز تموقع تونس ضمن الخارطة الجديدة للاستثمار العالمي، حيث تم التأكيد على ضرورة مضاعفة الجهود لاستقطاب المشاريع الاستراتيجية الكبرى، خاصة في قطاعات مراكز البيانات، وصناعة السيارات والبطاريات، والطاقة، والهيدروجين، باعتبارها مجالات تشهد تحولات عميقة في سلاسل القيمة العالمية وتمثل رافعة للنمو المستقبلي.

كما شدد المجلس على أهمية تطوير مناطق استقبال مهيأة للمشاريع الكبرى، تتوفر فيها بنية تحتية عصرية ومتكاملة، وطاقة بأسعار تنافسية، وإطار تشريعي وتنظيمي واضح ومستقر، يضمن الرؤية والنجاعة للمستثمرين.

وفي السياق ذاته، تم التأكيد على اعتبار الشراكات (Joint-Ventures) أداة أساسية لتكثيف النسيج الصناعي الوطني، من خلال تشجيع إقامة شراكات متوازنة بين المستثمرين الأجانب والمؤسسات التونسية، بما يعزز نقل المعرفة وخلق القيمة محليًا. كما دعا المجلس إلى مزيد مواءمة السياسات الوطنية للاستثمار مع أفضل الممارسات الدولية، بهدف استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة أعلى وأثر اقتصادي مستدام.

ومن خلال هذه الدورة الثالثة والعشرين، جدّدت الهيئة التونسية للاستثمار التزامها باستباق التحولات العالمية، وتعزيز الحوار البنّاء بين القطاعين العام والخاص، ودعم القرار العمومي برؤى وتحليلات استراتيجية، بما يرسّخ مكانة تونس كوجهة استثمارية تنافسية وموثوقة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

جهاد الكلبوسي